(2)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.بسم الله الرحمن الرحيم
إلى حضرة العلاَّمة السيد جمال الدين أفندي القاسمي.
أمَّا بعد:
فقد حليت جيد الفضل بما أمليت، حتى أصبحت بكل منقبة أولى وأحرى بما أوليت، كيف لا وقد أسرجت خيول المجد، وألجمت أفواه الحُسَّاد، وأقمت ما تهدم من أركان الفخر، وأقعدت على الأعجاز أرباب العناد، وأوقدت للمشكلات سراجاً من فكرك غدت ذُبالته لمدارات فراش أذهان الطلاب قطباً، وأجريت من صخور العويصات سلسبيلاً فراتاً وماءً عذباً.
وقد تشرف هذا العبد الفقير بكتابكم الكريم، بل عقد الجوهر النظيم، ومعه " دلائل التوحيد "، وبعد أن طالعته وجدته كتاباً قد طوى في طوية أوراقه منشور التحقيقات، ونشر بعبارات سطوره مطويات أعلام التدقيقات، قد فتح مغلقات أبواب أسرار الحقائق، وأغلقها دون من رام بلوغ معاليها من كل سابق ولاحق.
وقد استوجب ذلك تقديم المحامد لله سبحانه على أن قيض للدين المبين مثل ذلك المولى الذي تقر به عيون الموحدين من المحمديين، فإن ما ألفه من الكتاب هو فصل الخطاب؛ به يجد المؤمن ضالته، وبه يترك الملحد ضلالته، فكان من الواجب على مسلم أن يحفظه في سُويداء قلبه، ويجعله ذريعة للنجاة يوم العرض الأكبر إذا وقف العبد
بين يدي ربه.
وقد فرقنا النسخ على أهلها، ووزعناها على من يعترف بفضلها، وكلهم غدوا شاكرين، وبطول مدتكم داعين.
والعبد الفقير أصابه ضعف في بصره، فأقل الكتابة لصيانة نظره، وقد شقَّ عليه تحرير كتاب، وأداء بعض الواجبات للإخوان والأصحاب، فلذلك أرجو قبول العذر من ذلك المولى الهُمام، فالعذر مقبول لدى أمثاله من الكرام.
أما آثار الشيخين (1) وغيرهما من السلفيين، فكما أمرتم أعجز الناس عن القيام بحقها جماعة الأحمديين (2)، حتى أني على كثرة مُخابرتي (3) أهل نجد، لم أنل بغيتي منهم على كثرة الوعد، مع أني استجلبت بعض الرسائل من بلاد الأجانب بواسطة بعض الأصحاب من المستشرقين حتى أنهم إذا أعوزهم الكتاب نقلوا الكتاب بالآلة الشمسية، وقد كابدت كل صعوبة في الكتب التي يسر الله نشرها في مصر والبلاد الهندية.
وقد أمرتم أن نسعى باكتتاب ( الفتاوى ) (4) لفرج الله (5)، فالفتاوى التي تعنى بها قد أرسلتها له منذ مدة وهي مشتملة على كثير مما في ( الرسائل الكبيرة) (6) ، ولكن المقصود والأهم ( الفتاوى المصرية)، وعلى ما سمعت أن جزءاً منها في خزانة الملك الظاهر(7)، وهو الجزء السادس(8)، وجزءٌ واحد لا يفيدنا.
فالمرجو من السيد ـ أعلى الله مقامه ـ التنقير عن باقي الأجزاء، وعن كتاب ( شرح العمدة)(9)، وكتاب ( القواعد ) (10)، ( والرد على المنطق) (11)، و ( على الفلاسفة) (12)، وغير ذلك من كتب شيخ الإسلام، وبيان ما عثرتم عليه من المهمات له أيضاً، لاسيما ما له من التفسير على بعض السور والآيات؛ لنسعى ـ إن شاء الله تعالى ـ في نشرها وإظهارها (13).
وفي خزانة
كتب مدرسة مرجان في بغداد (14)كتاب شيخ الإسلام ( بيان الدليل على إبطال التحليل) (15)، وهو كتاب جليل بخط ابن القيم (16)، وقد استكتبه العبد غير أني وجدت نقصاً في وسطه نحو ورقتين فلا أدري هل توجد نسخة منه في دمشق الشام ؟
هذا وابن العم والأحبةُ يُهدون إليكم أزكى التحية والسلام
والسلام عليكم ورحمة الله
.................................................. ........... غرة ذي الحجة سنة 1326هـ
.................................................. ............. العبد الفقير
.................................................. ............... محمود شكري الآلوسي،
.................................................. ................. عُفِيَ عنه
_____________________________
(1) يعني شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام المحقق ابن قيم الجوزية ـ رحمهما الله تعالى ـ
( العجمي ).
(2) يعني به الحنابلة، نسبة إلى الإمام أحمد بن حنبل( العجمي ).
(3) أي: اتصالي ومراسلتي ( العجمي ).
(4) طبعت " الفتاوى الكبرى " المتضمنة
مجموعة من كتب ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية في مطبعة كردستان العلمية لصاحبها فرج الله الكردي سنة 1329هـ، ومن هذه الرسالة يتضح أن العلامة الآلوسي هو المعتني بطبع هذه الفتاوى.
(5) هو: فرج الله زكي الكردي، كتبي في القاهرة، صاحب مطبعة كردستان العلمية، وقد طبع كثيراً من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، توفي سنة 1359هـ، انظر؛ ( الأخبار التاريخية في السيرة الزكية) لزكي مجاهد ص ( 123).
(6) طبعت ( مجموعة الرسائل) الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية في المطبعة الشرقية بالقاهرة سنة 1323هـ، الجزء الأول، ويحتوي على (12) رسالة، والثاني على ( 17) رسالة. ( العجمي).
(7) كان شمل المخطوطات في دمشق متفرقاً فقام جماعة من علمائها الأجلاء المخلصين وعلى رأسهم العلامة طاهر الجزائري بجمع المخطوطات فتكوَّن لهم عشر مكتبات هي نواةُ هذه المخطوطات، وقد أودعت في مكان واحد هو قبة الملك الظاهر في مدرسته، وتم ذلك سنة 1296هـ،
وقد كان يطلق عليها اسم المكتبة العمومية، ثم دار الكتب العربية، فالمكتبة الأهلية الظاهرية، ثم دار الكتب الوطنية الظاهرية. انظر بتفصيل: " المدرسة الظاهرية دار الكتب الوطنية" لأسماء الحمصي ( ص 33 وما بعدها)، و ( المعاصرون ) ص ( 269) لمحمد كرد علي.( العجمي)
(8) ( الفتاوى المصرية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، يقول عنها الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ـ وهو خبير بكتب ابن تيمية ـ في ( المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) ( 1/7): " وعدد ـ أي الفتاوى المصرية ـ مجلداتها ستة فيما ذكره ابن القيم ـ رحمه الله ـ، ويقول العليمي إنها سبعة. ( الدر المنضد له 2/ 478)، وتبين أن الخمسة الباقية مفقودة.
وأما الجزء الذي أشار إليه الآلوسي في رسالته هذه أنه في الظاهرية فهو فيها برقم ( 2756)، وعدد ورقاته 206ورقات.
هذا وقد طبع ( مختصر الفتاوى المصرية) لبدر الدين البعلي في مطبعة أنصار السنة بمصر سنة 1368هـ .( العجمي)
(9) " شرح العمدة" لشيخ الإسلام، وهو شرح لكتاب ( العمدة) في الفقه لابن قدامة المقدسة، وقد شرحه شيخ الإسلام بشرح جليل، إلا أنه لم يتم، وإنما كانت نهايتها إلى كتاب الحج كما ذكره تلاميذه كابن عبد الهادي في " العقود الدرية" ( ص 37 )، وما طبع من الكتاب الأجزاء التالية:
1- الجزء الأول: من كتاب الطهارة، بتحقيق الدكتور سعود العطيشان، ونشرته مكتبة العبيكان بالرياض سنة 1412و 1413هـ. ( العجمي)
2- الجزء الثاني: من أول كتاب الصلاة إلى آخر باب آداب المشي إلى الصلاة، بتحقيق خالد المشيقح، ونشرته دار العاصمة بالرياض سنة 1418هـ. ( العجمي)
3- كتاب الصيام. وقد طبع في جزءين بتحقيق زائد النشيري، ونشرته دار الأنصاري بمكة المكرمة سنة 1417هـ. ( العجمي)
4- مناسك الحج والعمرة، وقد طبع في جزءين بتحقيق صالح الحسن،
ونشرته مكتبة العبيكان سنة 1413هـ. ( العجمي)
(10) " القواعد النوارنية الفقهية"، طبع بتحقيق محمد حامد الفقي في مطبعة أنصار السنة المحمدية سنة 1370هـ. ( العجمي)
(11) " الرد على المنطقيين"، طبع سنة 1368هـ، في المطبعة القيمة بالهند بإشراف الشيخ عبد الصمد شرف الدين. ( العجمي)
(12) لعله يعني: ( بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية) المطبوع في مطبعة كردستان
العلمية بالقاهرة سنة 1329هـ، ضمن ( الفتاوى الكبرى ). ( العجمي)
(
13) طبع لشيخ ابن تيمية مجموعة من التفسير في مجلد واحد، بتحقيق العلامة عبد الصمد شرف الدين، في الدار القيمة بالهند سنة 1374هـ. ( العجمي)
(14) المدرسة المرجانية في بغداد: شيَّدها أمين الدين مرجان بن عبد الله، أحد أُمراء التتار، وذلك سنة 758هـ؛ وشرط التدريس فيها على المذاهب الأربعة، وأوقف عليها ما كان يملكه من عقار في بغداد وخارجها، وفي عهد الوزير سليمان باشا العثماني اتخذ من هذه المدرسة جامعاً، وقد درَّس في هذه المدرسة عدد كبير من فطاحل العلماء الأعلام، منهم صاحب هذه الرسالة الآلوسي، انظر؛( تاريخ التعليم في العراق في العهد العثماني)، لعبد الرازق الهلالي ( ص 75 ـ 76)، و( تاريخ مساجد بغداد الحديثة) ليونس السامرائي ( ص 283 ). ( العجمي)
(15) طبع هذا الكتاب في ضمن ( الفتاوى الكبرى ) في مطبعة كردستان العلمية بالقاهرة سنة 1329هـ، ثم طبع بتحقيق الشيخ فيحان المطيري، ونشرته مكتبة لينة بمصر سنة 1416هـ.
(16) هذه النسخة الجليلة بخط الإمام ابن القيم، وخطه في هذا العصر نادر جداً، حتى أنَّ العلامة خير الدين الزركلي لما ترجم له في الأعلام ( 6/ 56)، لم يورد نموذجاً من خطه، وتقع هذه النسخة في 224 ورقة، وقد تملكها العلامة السفاريني الحنبلي سنة 1138هـ، كما تملكها العلاّمة نُعمان الآلوسي سنة 1298هـ، وهو ممن له عناية تامة بكتب شيخ الإسلام، ثُمَّ أوقفها على المدرسة المرجانية، وقد كُتِبَ على طرتها أنها بخط الإمام ابن القيم: " وكتب بخطه الحسن شيئاً كثيراً" ( البداية والنهاية 18/ 524، ط. دار هجر)، وقد ألحقت في نهاية هذه الرسالة صورة منها فلتنظر لمن أحب ذلك. ( العجمي)


رد مع اقتباس
