(22)

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى حَضْرَة فَخْرِ الأُمَّة، وتذكرة هُداة الأئمَّة، من لا يحيط بوصفِهِ نطاقُ قلمي، علاَّمة مِصْرِهِ الشيخ جمال الدين القاسميّ.
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمَّا بعد:
ففي أسعد ساعة
تشرفت بكتابكم الكريم، وحمدت الله على ما أنتم عليه من الخير.
إنَّ رسالة البركوي (1) التي في آداب الزيارة كنت رأيتها قبل أعوام مطبوعة في العاصمة مع بعض الردود على القائلين بوحدة الوجود، غير أنها مشحونة بالغلط والتحريف، فصححت النسخة على ما في " إغاثة اللهفان"(2)، وأصلحت ما كان فيها من الفساد، ثم نقلها بعض الأصحاب إلى البياض.
وكان قصدي إرسالها إلى مصر ليطبعها فرج الله على عهدته لعين ما عنَّ لكم، وهو أنها من خير ما ينتفع به ولاسيما والبركوي مقبول القول لدى الأتراك، وقوله يُؤثِّر فيهم ما لا يُؤثره غيره. ثُمَّ غفلت
عن ذلك بالكلية، والرِّسالة لصاحبنا محمد حسين (3) لا يكسل عن طبعها، ومع ذلك سأحرر للمومأ إليه عنها وعن غيرها، والفقير حرَّضه وحثَّه سابقاً على طبع كتاب " نقض أساس الرازي " وبعض تفاسير سور من القرآن لشيخ الإسلام، فاعتذر بعدم عثوره علة شيء من ذلك.

وقد ذكر لي بعض من أثق به أن " الرد على الرازي" موجود غالبه في بعض أجزاء " الكواكب الدراري"، وكذلك جملة من تفسير بعض السور حسبما حُرِّرَ في الورقة، فلو أنكم جرَّدتم كل ذلك باستئجار بعض الكُتَّاب لاستنساخه بعد بذل صاحبنا المومأ إليه ما يلزم من المصرف لعظمت منتكم على جميع من يعتني بهذا الشأن، والمقصود إفراد ذلك بالطبع ـ إن شاء الله تعالى ـ؛ فإن كل ذلك كنوزُ مخفيةٌ قد حُرِمت الأُمة من الانتفاع بها قروناً كثيرة(4).
وقد وصلت إليّ رسالتكم في " الجن "(5)، ولقد أبدع يراعكم بها وأجاد، فلا زلتم مظهر الفضائل، ولا بدع إن ظهر مثل هذا النور من أمثالكم أفاضل الشام تحقيقاً لما أخبر به الرسول ـ عليه السلام ـ(6).
وكنت قبل ذلك استفدت من مطالعتها في مجلة المقتبس ودعوت لكم ولناشره، وليتكم نشرتم معها ما ذكره شيخ الإسلام من أحكام الجن في تفسير قوله تعالى :{ يا معشر الجن.....} الآية [ الأنعام: 128]. وهو في المجلد الثاني والأربعين من الكواكب نمرة (24)، ولعل الله تعالى يوفقكم لذلك ولأمثال ذلك مما يستوجب لكم الأجر الجزيل.
أما مسألة الاستفتاء عن الطلاق الثلاث فقد اتفق ذلك لبعض البغدادين، وجاؤوا للفقير مستفتين، فأخبرتهم بأقوال السلف، فطلبوا كتابة فتوى لهم بذلك فلم أفعل، لما أعلم ما عليه مبتدعة بغداد، فأشرت إليهم أن يراجعوا حضرتكم العلية لا غير، لما أعلم ما عليه آل الشطي وغيرهم، فلم أدر ما صنعوا بعد ذلك.
وأما ما ألفتموه في الاعتبار بخبر التلغراف (7) فقد أصبتم المَحَزَّ، فإنهم قد اعتمدو على خبره فيما هو أهم من ذلك، ولا يستغرب ما كان من المخالفين، فإن من أظهر سنة نبوية كان عليها السلف والأئمة عدُّوا ذلك منه من أعظم الكبائر، ولذلك قال من قال:
ورب جوهر علم لم أبوح به *-*-*-* لقيل لي: أنت ممن يَعْبُد الوثنا
وما كتبتموه في هذا الباب عين معتقدي وهو الصواب المستوجب للثواب إن شاء الله، والفقير لم يزل يحث على الأخذ بمثل ذلك(8)، ولكن الأمر كما قيل:
* ولكم أدعو ومالي سمع....*
فباشروا بطبعها على بركة الله وتوفيقه ولا زلتم موفقين.
أحببت أن ينهض الإخوان الأحمدييون بطبع شيء من آثار السلف " كطبقات أبي يعلي"، وذيلها لابن رجب، وبعض ما لم يطبع من آثار الشيخين، ومن لا يحب ذلك، ولكم دعوت وناديت بأعلى صوت فلم يستجب لي عن ذلك المجيب، ورأيت أقرب الناس إلى الخير وأقدرهم عليه الشيخ قاسم (9)، والشيخ مقبل، ومحمد حسين نصيف، وقد كتبت لهم مراراً عن مثل ذلك فوعدوا بما يسر الله لهم الخير.

وقبل أيام طلب مني بعض المثرين النجديين استكتاب " شرح عقيدة شمس الدين الأصفهاني"، للشيخ، فاستكتبته، وصححته بكمال الجد والاجتهاد وأرسلته إليه، وقد التمست منه أن يطبع بمطبعة بولاق
، نسأله تعالى أن يسهل ذلك.
قبل هذا التمست من الأخ العلامة صاحب المقتبس الأغر (10) التفضل ببعض أجزاء مجلة السنة الماضية، فتفضل بالجزء الحادي عشر من مجلد العام.

فأرجو من لطفكم أن تشتروا لنا العاشر، وتتفضلوا بإرساله من غير أن يعلم المُشار إليه، فإني لا أحب تكليفه بمثل ذلك، وقصدي تجليد المجلد، وقد تأخر لذلك.
والفقير يعزم استنساخ بعض الرسائل وتقديمها للمشار إليه غير أن الموانع والأسقام حالت دون الأماني
.
وأسترحم تقديم أزكى تحياتي لحضرته ولكافة من يعز عليكم لاسيما الأُستاذ الأعظم، والملاذ الأفخم، الإمام العلاَّمة الشيخ عبد الرازق أفندي كان الله تعالى له، وأناله من الخير أمله، وأحمد عزت أفندي يشكر فضلكم، ويسلم عليكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
.................................................. ....... في 22 ربيع الثاني سنة 1329هـ
.................................................. ...................... العبد
.................................................. ..................... محمود شكري،
_______________________________
(1) " رسالة الزيارة" لزين الدين محمد بن بير علي المشهور باسم البركوي أو باسم بيركلي أو بركلي، طبعت هذه الرسالة ضمن مجموع في مطبعة كردستان العلمية بمصر سنة 1329هـ " معجم المطبوعات العربية" لسركيس (1/ 611).
(2) ابن قيم الجوزية.
(3) يعني محمد نصيف.
(4) اهتم العلامة الآلوسي صاحب هذه الرسالة بالغاً بكتاب " نقض أساس الرازي" لشيخ الإسلام ابن تيمية
، فحاول جمع نسخه والعناية به، يقول تلميذه محمد بهجت الأثري في كتابه:" محمود شكري الآلوسي وآراؤه اللغوية" من ضمن كلام له (ص126): " أذكر أوَّل ما أذكر منها قصة نقض أساس التقديس"، من تأليف تقي الدين أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي الإمام المجدد
المشهور، وهو كتاب عظيم حقاً ينقض به ابن تيمية كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي العالم الكلامي المشهور. وقد تسامع الآلوسي بوجود بعض أجزائه في دمشق ونجد، فجدَّ في استكتابها حتى ظفر بها، ووافق وصولها إليه طلبي أخذ العلم عنه، فجعل شرطه عليَّ نسخ الكتاب وقراءته عليه، لأفيد منه الأنظار الصحيحة في العلم وأصول البحث وطرائق الجدل والاحتجاج، وكان ابن تيمية أعظم فرسان هذا الميدان في الإسلام".
وقال أيضاً: "ولما حاولت الاتصال به والأخذ عنه كلفني نسخ كتاب " نقض أساس التقديس" للإمام شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية، وكان قد استكتب منه نحو مجلدين كبيرين وجدهما في الشام وغيرها". ( أعلام العراق له ص 114).
هذا وقد طبع من هذا الكتاب الجزء الأول والثاني بتحقيق محمد عبد الرحمن بن قاسم وذلك في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة سنة 1391هـ.
(5) هو كتاب :" مذاهب الأعراب وفلاسفة الجن " للشيخ جمال الدين القاسمي طبع أولاً في العدد ( 1، 2) من مجلة المقتبس التي تصدر في دمشق لرئيس تحريرها محمد كرد علي، ثم طبع مفرداً سنة 1328هـ.
(6) يعني ما ورد من أحاديث في فضائل الشام وأهلها، انظر إن شئت: " فضائل الشام ودمشق" للحافظ أبي الحسن الربعي، ط. المجمع العلمي بدمشق.
(7) هو كتاب " إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق" للشيخ جمال الدين أيضاً طبع في مطبعة المقتبس بدمشق سنة 1329هـ، كما أن القاسمي ألحق به رسالة أخرى بعنوان:" فتاوى الأشراف في العمل بفتاوى التلغراف".
(8) من قول الآلوسي:" وأما ما ألفتموه....." إلى هنا، ذكره القاسمي في ملحق رسالته السابقة، وهي:" فتاوى الأشراف في العمل بالتلغراف". ( ص 98).
(9) هو ابن ثاني حاكم قطر.
(10) يعني محمد كرد علي.