(36)

بسم الله الرحمن الرحيم
إلى حضرة المولى، [ الذي ] استرق الفصاحة فهي طوع لسانه، واستعبد حر البيان فهو منقاد لبنانه، العلاَّمة الشيخ جمال الدين القاسمي، صانه الله تعالى من كل ما يصمي ويصبي.
سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمَّا بعد:
فالمعروض إليه، وإلى الله نعمه عليه، أني تشرفت بكتابه، فأزال عن القلب مزيد اكتئابه، وحمدت الله على سلامته، ودوام نعمته.
أما السيد محمد بن عقيل فلم يردنا عنه خبر بعد كتابه الذي أرسله من البصرة أثناء عودته إلى محل إقامته، فلا أدري أين هو الآن؟ وأظنه لا يعرج على دمشق ولا غيرها من البلاد الشامية في هذه الأيام، ولم يفاتحني في ذلك بل كان مقصده العود إلى البلد الذي كان مقيماً فيه، وتعهد لي أن يكتب إلى بعض أقاربه أن يستكتب لكم الرسائل المعهودة، فما أعلم هل ينجز وعده أم لا؟ ورأيته من الثقات الأخيار، والله أعلم بالأسرار.
وقد ألَّف أبو السعود أيضاً في ذلك رسالة و أظنها عند محمود الشابندر، وهو الآن ليس في بغداد بل في أورفا (1)، ولعله يعود أواخر الشتاء، وذكر لي خطيب القادرية ومدرس المرادية السيد محمد سعيد أن عنده مجموعاً مشتملاً على بعض الفتاوى، ومنها فتوى لأبي السعود(2) في ثبوت شرف الأم، ثم نقلها وأرسلها للفقير، فوجدت فيها بعض الأغلاط، وتحريفاً ظاهراً، فقلت له: قابلها على الأصل، فقال: قابلتها والأصل هكذا فقدمتها لكم بخطه، وكتبت وراءها ما ذكره العلاَّمة الجد في تفسير قوله تعالى: { ومن ذريته داود وسليمان} الآية من سورة الأنعام ففيه ما يفيدكم على اختصاره، وفي " تفسير النسفي " في هذا المقام أيضاً ما يفيدكم فراجعوه، وراجع تفسير الجد عند الكلام على قوله تعالى: { وما كان محمد أبا أحد من رجالكم }، وعلى قوله تعالى: { فقل تعالو ندع أبناءنا وأبناءكم} الآية.
وقد ذكر ابن عابدين في باب الوصية للأقارب بحثاً مفصلاً مما يتعلق بهذه المسألة(3)، وقد خالف كالشارح ما ذهب إليه أبو السعود العمادي وفي " الفتاوى الخيرية " (4) نحو ما في :" التنقيح المنقول" عن الشيخ ابن حجر المكي في :" التحفة"، أو :" الصواعق" أو غير ذلك (5)، ورأيت رسالة لبيرم مطبوعة في مصر (6) مشتملة على ما يجب للأشراف.
وقد ذكر هذه المسألة واختار ما اختاره العِمادي، ومن جملة دلائل المسألة دخول أولاد البنات في قول الواقف على أولادي وأولاد أولادي، ولاشك أن الأستاذ وقف على جميع ذلك، إلاَّ أني ذكرت ما ذكرت امتثالاً للأمر.
أما العرب فلم يكونوا يعدون أبناءً البنات لهم، وقالوا في ذلك على ما يعلمه المولى (7):
بنونا بنو أبنائنا، وبنتانا*-*-*-* بنوهن أبناء الرجال الأباعدِ
هذا، والمخلص مضطرب البال، ضيق الصدر جداً جداً مما حلَّ ببلاد المسلمين من البلاء، واستيلاء الكفار عليها، والفشل الذي أصاب الفسقة المرتدين عن الإسلام، فما ندري، ماذا نعمل، وقد أحاط الكفر بجميع بلاد المسلمين؟ وأصبحت على خطر عظيم لاسيما العراق من عدوين للدين: الروس والإنكليز، وهي مصيبة وأي مصيبة ليس لها من
دون الله كاشفة، وذلك تحقيق لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إذا ضنَّ النَّاس بالدينار والدرهم، وتبايعوا العينة، وتركوا الجهاد في سبيل الله سلَّط الله عليهم بلاء لا يرفعه حتى يعوداو إلى دينهم "(
8).
والمرجو تبيلغ أشواقي إلى العلاَّمة الأُستاذ الأعظم وحفيده(9) وجميع من يعز عليكم، ولعل كتبي بعد هذا تبطيء عليكم فقد أحيل إليَّ بعض الأمور التي تضيق عليَّ وقتي وتعوقني عن تحية جليس.
والله المسئول أن يعيننا على ما يحب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
.................................... في 23 من المحرم سنة 1331هـ
............................................... المخلص الفقير
.................................................. ... م
__________________________________
(1) تقع شمال الحدود السورية بحوالي (50) كيلاً.
(2) هو: أبو السعود العمادي، له الفتاوى العمادية وسماها:" مغني المفتي عن جواب المستفتي"، توفي سنة (1171هـ)، "سلك الدرر" للمرادي (2/ 11 ـ 19)، و" معجم المؤلفين " لكحالة (3/180).
(4) " الفتاوى الخيرية لنفع البرية" لخير الدين بن أحمد الحنفي، مطبوع.
(5) انظر تفصيل ذلك في :" شرف الأسباط " للقاسمي ( ص34، 35، 36).
(6) وهي بعنوان:" رسالة في أحكام الأشراف آل بيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" لمؤلفها محمد بيرم الخامس التونسي المتوفي سنة (1307هـ)
(7) هذا البيت لا يعرف قائله، وقد أجابه عليه ورد الاستدلال به القاسمي في :" شرف الأسباط" (ص19).
(8) أخرجه أحمد في :" مسنده" (2/ 28، 42، 81)، من حديث ابن عمر، وهو حسن بطرقه.
(9) يعني الشيخ عبد الرازق البيطار، وحفيده الشيخ محمد بهجة البيطار.