1- أول ما يستغرب له أنّ البيان نُشر على بعض المواقع الإلكترونية، وليس في الصّحف المطبوعة المعروفة، أو على أبواب ومقاهي المساجد، ممّا يجعل الشكّ في مصدره كبيراً؛ إذْ من المعلوم أنّ كثيراً من المواقع الإلكترونية، ومنها الموقع المشار إليه، تسمح لكلّ أحد أن يكْتُب فيه ما يريد، من غير تأكّد من هويّته ومصداقية خبره.
2- لدى سؤال عدد من أعضاء المجلس البلدي المُنْتخب، تبيّن أنّهم لا عِلْم لهم بالبيان إلاّ بعْد صدوره في المواقع الإلكترونية؛ وهذا يكذّب القول بأنّ بلدية القلمون -كمجلس بلدي- هي من أصدرت هذا البيان.
3- أيّاً كان مصْدر البيان، وسواء أصدره المجلس البلدي الحالي مُجْتمعاً، أو فرد فيه، أو نُسب إليه وهو بريء من بعض أو كلّ ما جاء فيه، فإنّ سياق البيان فيه من التعمية والتجهيل الشيء الكثير، ممّا يجْعل صاحبه قادراً على شرح فقراته كما يُريد.
فأن تكون عائلات القلمون هي من انتخبت لائحة إنماء القلمون، فهو كلام صحيح لا غبار عليه، إذْ جميع الذين دعموا اللائحتين المتنافستين هم من أهل القلمون وعائلاتهم.
والقول بأنّ جميع السّياسيّين كانوا على مسافة واحدة من الجميع، فهذا هو المُعْلن عنْد السّياسيّين جميعاً، ولم تتبنّ جهة سياسية واحدة أيّاً من اللائحتين المتنافستين علَناً، ولم يكُن دَعْمُها لها كذلك مُعْلناً، وإنْ كانت كوادرها، وتوجّهات مسؤوليها المحلّيين، وبعض المعلومات التي ترِد من هنا وهناك، توحي بل وتؤكّد هذا الدّعم، لكنْ بغياب أيّ موقِف رسمي مُعْلن من الجهات السياسية، واختفاء أيّ مظهر علنيّ من مظاهر الدّعم الإعلامي والمادّي واللّوجسْتي يجْعل من الخطأ الإعلان عن دعْم سياسي لطرف على آخر، لأنّ الإعْلان عن دعم سياسي لجهة ما، ينبغي أنْ يُبنى على حقائق مُعْلنة عند الطّرف الدّاعم، وإلاّ سهُل تكذيبه.
4- أن يكون دعم لائحة إنماء القلمون لم يكُنْ موجّهاً ضدّ أحد، فهو كلام مقبول من حيث إنّ العمل البلدي جُزء من خطّة الجماعة الإسلامية التي دعَمت هذا المجلس، ولم يكُن دَعْمُها له مبْنيّاً على عداء تجاه طرف آخر، أو روماً لإبْعاد تيار سياسي معيّن عن موقِع كان يتولّى شؤونه، فهذا المجلس حظي بدعم الجماعة الإسلامية منذ 12 عاماً، والذي كان يسْعى لإبعاد الجماعة، وكان دَعْمه لللائحة المنافسة هم الآخرون الذي لم يُكْتَب لهم الفوز، مع التّنبيه إلى أنّ اتّجاهات الدّاعمين للائحة معاً للقلمون كانت مُخْتلفة، إذْ كان كثير ممّن أعطى ثقته لها، يبْغي التغْيير لما يراه أفضل لإنماء البلدة بغضّ النّظر عن الأطراف الأساسية الداعمة لكلّ لائحة، فدعْمه أيْضاً لهذه اللائحة لم يكُن موجّهاً ضدّ الجماعة الإسلامية، كتيّار إسلامي، وجماعة دعوية واجتماعية.
أمّا أن يكون الدعم الذي تلقّته اللائحتان المتنافستان مبْني على أساس خطّة العمل البلدي المقدّمة من كلّ منهما، فهو تبْسيط للموضوع، وتصوير خاطئ له، إذْ إنّ أسباب الدّعم لكلّ منهما متعدّدة ومُخْتلفة، ولعلّ خطّة العمل البلدي المقدمة تكون آخر اعتبارات النّاس الذي أدلوا بصوتهم يوم الاقتراع، لكنّ هذا التبْسيط وهذ التصوير، هو واقع معظم البيانات المعروفة على الساحة اللبنانية، حيث تُخْتصر الحيثيات بأبْسط أنواعها، لإيهام الرّأي العام بمدى الوعي والثقافة والفهم والفكر عند الجمهور النّاخب، بعيداً عن أيّ خلفية دينية أو سياسية أو عائلية.
5- يعلم جميع أهل القلمون، بل وجميع السّياسيّين والأمْنيين على الساحة اللبنانية، أنّ الجماعة الإسلامية هي وراء تشكيل المجلس البلدي الحالي، واختيار أعضائه، وتأمين الدّعم له، وكانت ماكينة الجماعة الإسلامية هي الأساس في التحرّك يوم الاقتراع، ومحاولة إخفاء هذه الحقيقة كمحاولة إخفاء نور الشمس بكفّ المرء، وهيهات أنْ يخفيه، فكيف يتبرّأ البيان من هذا الدّعم الذي رآه وعاينه وتحققه كلّ من واكب المعركة الانتخابية في القلمون؟!
هنا موطن الإشكال والتّعمية، وهذا ما فهِمه الكثيرون من البيان لظنّهم أنّ الجماعة الإسلامية جهة سياسية داعمة، فكيف يتم إدراجها مع السياسيين الذين قيل بأنّهم وقفوا على مسافة واحدة من الجميع.
لكنّ كاتِب البيان يسْتطيع القول -وهو صادق ومحق- بأنّ البيان لم يتبرّأ من دعم الجماعة الإسلامية له، بل رفَع من شأنِها، عنْدما أبْعد ذكرها بين السّاسيّين، ونأى عن إيرادها في جُملة أهل السياسة.
ذلك أنّ الجماعة الإسلامية ليست حِزْباً سياسيّاً، ولا هيئة سياسية، إنّما هي في المفهوم القانوني جمعية اجتماعية، وفي المفهوم الفكري جماعة إسلامية، تتبنّى الإسلام بمفهومه الشّامل الذي ينتظم شؤون الحياة كلّها، فالسياسة، والخدمة الاجتماعية، والعمل الطلابي، و... غيرها من المظاهر المختلفة جُزء من عمل الجماعة لا يصوّر حقيقتها، ومن الإجحاف بحق الجماعة القول بأنها حزب سياسي، أو جمعية خيرية، أو جماعة كشفية، ونحوه، وكل أبناء الجماعة يحفظون قول الإمام البنّا الذي أسس كيانهم:أيها الناس أجمعون: لسنا حزباً سياسيّاً وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعية خيرية إصلاحية وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولسنا فرقاً رياضية وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا. لسنا شيئاً من هذه التشكيلات، فإنّها جميعاً تبررها غاية موضعية محدودة لمدة معدودة ... ولكنّنا أيها الناس فكرة وعقيدة، ونظام ومنهج، لا يحدّه موضع، ولا يقيّده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي ... إلخ.
والجماعة الإسلامية كفكرة ومنهج وحركة ما هي إلاّ مجموعة أفراد من عائلات مختلفة، وبيوت متعدّدة، فإدْراجهم في مسمّى العائلات والبيوت لا يغمض حقّهم، أو يُنْكر جُهدهم، بل يؤكّده من خلال تأكيد حضورهم المعروف ضمن العائلات المتعددة، والبيوت المختلفة، فهم ليسوا جسداً بعيداً، أو جسْماً غريباً عن بلدة القلمون، بل روح يسري في بيوتها وعائلاتها يدعوهم إلى الإسلام الذي أنْزله الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، لا الذي حرّفه المستشرقون وتبنّاه العلمانيون؛ مهما حصل من تقصير في أداء هذا الواجب، أو إهمال لبعض جوانبه الهامّة.
فإذا أراد صاحب البيان دقّ إسْفين بين المجلس البلدي والجماعة الإسلامية في القلمون، كجُزء من مشروع يهدف إلى زيادة الشرخ الذي أفرزتْه نتائج الانتخابات، فقد خاب سعْيه، لأنّ الجماعة الإسلامية في القلمون لا يشرّفها أنْ تكون حزباً سياسياً، ويُسْعدها أنْها روح يسري في كثير من عائلات أهل البلدة، وهي قد فهِمت من البيان ما تمّت الإشارة إليه في الفقرة الأخيرة.
وإذا كان كاتب البيان قد أخْطأ في التعبير، ولم يدُر في خلَده أنْ يُنْكر جُهْد الجماعة حين كتابته، وكان هدَفه إرضاء بعْض السياسيّين أو تابعيهم في البلدة، فإنّ صَدْر الجماعة أوسَع من أنْ تقيم الدّنيا على من أخطأ حيث أراد الصواب، والأولى له أنْ يوضّح مقصوده لها، ويشرح مراده لأبنائها، مع نصيحته بأنْ يتجنّب مثل هذه البيانات الغامضة، والحركات مجهولة المصدر، لما لها من أثر سلبي في بلبلة الأفكار، ونشر الشائعات، وزيادة الشّرْخ.
وإن كان هدَفه حفْظ ماء الوجه لبعض التيّارات السّياسية، فإنّ حفْظ هذا الماء ينْبغي أن يكون عند أبناء البلدة، وفي عائلاتها، وهؤلاء عاشوا المرحلة كلّها، ويعرفون حقائق الأمور، ولا يُغيّر البيان مهما اختيرت ألفاظه من قناعات هؤلاء، ولا من قناعات السّياسيّين والإعلاميّين الذي واكبوا المرحلة بكلّ أبعادها.