مقتل الحسين رضي الله عنه (الجزء السادس)

البيعة لعلي رضي الله عنه في المسجد

وتمت البيعة بدون منازع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو من هو رفعة وقدرا ومنزلة عند الله تعالى وعند رسوله (صلى الله عليه وسلم ) وعند المؤمنين . هو الذي تربى في كنف النبي (صلى الله عليه وسلم) منذ نعومة أظافره ،وهو أول من أسلم من الفتيان ، وهو صهر النبي (صلى الله عليه وسلم) إذ تزوج ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، هوالذي افتدى النبي (صلى الله عليه وسلم) بنفسه ونام مكانه ليلة الهجرة ، وهو الذي كان يحمل لواء المهاجرين في الغزوات ، والذي قال في حقه النبي (صلى الله عليه وسلم) مرة :" لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله " . فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كلهم يرجو أن يعطاها فقال : " أين علي بن أبي طالب ؟ " هو المغوار الجريء الذي صرع عمرو بن عبد ود . هو الشهيد أبو الشهداء الحسن والحسين وأبي بكر وعمر وعثمان . رضي الله عنه وعن آل بيته الطيبين الطاهرين .

كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه . يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان غزير العبرة ، وطويل الفكرة ، يقلب كفه ، ويخاطب نفسه . يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشب – أي خشن - . والذي حبه في قلب كل مسلم . إنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

فبعد اغتيال عثمان رضي الله عنه لم يكن من السهل أن يقبل أحد من الصحابة البيعة ، ويحمل أعباء الفتنة وأهوالها ، ويصلح ما جنته السبئية والغوغاء من الإفساد الكبير ، ويستقبل أحداثا جساما ، وصراعا وشيكا ، لا بد أن يصطدم به من يتولى الخلافة كائنا من كان ، وذلك ثم دماء عثمان رضي الله عنه التي استباحها السبئية عامدين ، دون وجه حق ، ليفتحوا باب الشر والفتنة داخل المجتمع الإسلامي . فضلا عما عرف عن الصحابة من الخوف والوجل من تولي الإمارة ، لما يترتب على ذلك من المسؤولية في أداء حقوق الرعية والقيام بها .

زهد الصحابة رضي الله عنهم بالإمارة

ولما كان علي وطلحة والزبير وسعد وابن عمر رضي الله عنهم زاهدين في الإمارة مشفقين منها وهم بقية أهل الشورى
فجاء علي فقال لطلحة : ابسط يدك يا طلحة لأبايعك ، فقال طلحة : أنت أحق وأنت أمير المؤمنين ، فابسط يدك ، قال : فبسط يده فبايعه.

وكان علي رضي الله عنه بعد أن أجاب البيعة حريصا أن تكون البيعة في المسجد اتباعا لسنة الخلفاء من قبله ، وتعبيرا عن الوشائج القوية بين قادة المسلمين وبين المساجد ، التي فيها يلتقون ويتشاورون ، ومنها ينطلقون ويجاهدون وينتصرون . فانعقدت له البيعة ، ولولا الإسراع في عقد البيعة لعلي رضي الله عنه لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه . ولكن عزم المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، ورأى ذلك فرضا عليه، فانقاد له .

ولم يتخلف عن البيعة أحد من الصحابة الكرام ، وأما النصرة فقد تخلف عنها قوم . عذرهم في ذلك أنهم عدوا ذلك القتال قتال فتنة بين المسلمين ، وأنهم أمروا بالكف والاعتزال وقت الفتنة ، خوفا على سلامة جهادهم الذي سبق لهم مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

خاف السبئية على أنفسهم ، وقالوا : إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بعد استشهاد عثمان دون أن يكون هناك خليفة فلن نسلم. فاندسوا بين الصفوف وسارعوا إلى البيعة ، حتى روي أن الأشتر النخعي كان أول من بايع عليا رضي الله عنه .

المطالبة بدم عثمان رضي الله عنه

لما استقر أمر بيعة علي رضي الله عنه دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة الكرام ، وطلبوا منه إقامة الحدود ، والأخذ بدم عثمان رضي الله عنه ، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان ، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا ، فطلب منه الزبير رضي الله عنه أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه منها بالجنود ، وطلب منه طلحة رضي الله عنه أن يوليه أمر البصرة ليأتيه منها بالجنود ، ليقوى بهم على شوكة هؤلاء . فقال لهما : مهلا علي حتى أنظر في هذا الأمر .

خروج طلحة والزبير رضي الله عنهما إلى مكة ثم إلى البصرة برفقة أم المؤمنين رضي الله عنها

ولم يرى علي رضي الله عنه إمكانية تنفيذ حكم القصاص في تلك المرحلة ، لما يجلب ذلك من فتنة أكبر . عند ذلك استاذن طلحة والزبير رضي الله عنهما في الاعتمار ، فأذن لهما فخرجا إلى مكة ، وتبعهم خلق كثير.

وفي مكة التقى طلحة والزبير رضي الله عنهما بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ،وأخبراها عن هيمنة السبئية والغوغاء على المدينة ، واستشاروها بأن يتعاونوا على إزالة السبئية والغوغاء ، ويعملوا على جمع شمل المسلمين وإصلاح شأنهم ، وأعلموها أنه قد اجتمع ملؤهم بعد نظر طويل في أمرهم على البصرة ، ودحر السبئية هناك ، وبالتالي رفد الخليفة في المدينة بقوة جديدة تعين على القصاص من قتلة الخليفة عثمان رضي الله عنه. فوافقتهم على ذلك.

أورد ابن حجر في فتح الباري ، أن مذهب عائشة رضي الله عنها الإصلاح بين الناس ، ولم يكن قصدهم القتال ، ولكن لما أنشبت الحرب لم يكن لمن معها بد من المقاتلة ، ولم ينقل أن عائشة رضي الله عنها ومن معها : نازعوا عليا رضي الله عنه في الخلافة ، ولا دعوا لأحد منهم ليولوه الخلافة . وإنما أنكرت هي ومن معها على علي رضي الله عنه منعه من قتل قتلة عثمان ، وترك الاقتصاص منهم .

مع والي البصرة عثمان بن حنيف
ولما ولى أمير المؤمنين الولاة ، عين عثمان بن حنيف على البصرة ، فلم يرده أحد عنها فدخلها وضبطها . فلما بلغه قدوم طلحة والزبير رضي الله عنهما ومن معهما،وهو يعلم بوجود بعض من خرج على عثمان رضي الله عنه في البصرة ، فخشي من الفتنة بين المسلمين . واستشار عمران بن الحصين رضي الله عنه ، فأشار عليه بالاعتزال والكف .

فالتقى عثمان بن حنيف ومن معه بطلحة والزبير رضي الله عنهما في المربد . وهناك تكلم طلحة والزبير رضي الله عنهما، وذكروا فضل الخليفة عثمان رضي الله عنه وكيف قتل مظلوما ، وأن إقامة الحدود ، هو الصواب المؤدي إلى الاستقرار والصلاح ، وتكلمت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وذكرت كيف كان السبئيون يلبسون على المسلمين ، فيفترون على الخليفة وعماله.

فلما سمع أصحاب عثمان بن حنيف ذلك ، انقسموا فرقتين ، فرقة صدقوا ما سمعوا وقالوا : صدقت والله وبرت وجاءت بالمعروف . وقال الآخرون : كذبتم والله ما نعرف ما تقولون . وكان مع هؤلاء حكيم بن جبلة أحد رؤوس الخارجين على الخليفة عثمان رضي الله عنه ، وكان على خيل البصرة . فبقي يثير الشغب ، ويعمل على إنشاب القتال ، وطلحة والزبير رضي الله عنهما وأصحابهما كافين ممسكين عن القتال لعلهم يمسكون . فلم ينته وقاتلهم وهم كافون . عند ذلك نادى منادي طلحة والزبير رضي الله عنهما : من لم يكن من قتلة عثمان رضي الله عنه فليكف عنا ، فإنا لا نريد إلا قتلة عثمان ولا نبدأ أحدا ، فأنشب حكيم القتال ومجموع من كان معه من الغوغاء سبعمائة رجل فقتل هو وأخوه الرعل وابنه الأشرف .

ونادى منادي طلحة والزبير رضي الله عنهما بالبصرة : ألا من كان فيهم من قبائلكم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم ، فجيء بهم كما يجاء بالكلاب ، فقتلوا فما أفلت منهم إلا حرقوص بن زهير .
( وللكلام بقية)