السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
بسم الله الرحمان الرحيم


إن معظم أخلاق المؤمن مردُّها إلى الصبر ، حقيقة دقيقة من حقائق العقيدة ، هل كُلِّف الملائكة بالصبر ؟ لا، لماذا ؟ لأن فيهم نزوعا إلى الله عزوجل ، ليس غير ، ليس هناك قوة أخرى تعاكس هذه القوة، الملائكة رُكِّبوا من عقل بلا شهوة ، فهم مدفوعون إلى الله عزوجل في بنيتهم و فطرتهم ، فالصب ليس له وجود في حياتهم ،

و الحيوان رُكِّبت فيه الشهوة ، و لم يُكلَّف حمل الأمانة ، و لم يُكلَّف معرفة الله عزوجل ، و لم يكلف تطهير نفسه ، ليس في حياة الحيوان قوتان متعاكستان ، لذلك لا يكلف الحيوان بالصبر ،

إن الإنسان وحده لأن الله عزوجل أودع فيه نوازع مادية ، كحب الطعام و الشراب ، وحب النساء ، و حب الذكر و العلو في الأرض ، هذه دوافع أرضية ، و حمَّله الأمانة و كلَّفه أن يطهِّر نفسه ، سخِّر له الكون ، و منحه نعمة العقل ، كلفه بالشرع ، أعطته حرية الاختيار ،

فالإنسان بين قوتين ، قوة تدعوه إلى الأرض ، تدعوه إلى قضاء الشهوة ، تدعوه إلى الاستمتاع بالمادة ، تدعوه إلى اللَّذة ، وقوة تدعوه إلى الله ، تدعوه إلى السموّ ، تدعوه إلى الرقي ، تدعوه إلى أن يكون أخلاقيا ، تدعوه لمعرفة ربه ،

الإنسان مركَّب من عقل وشهوة ، العقل يدعوه إلى الله ، والشهوة تدعوه إلى الأرض ، لذلك أنت بين قوتين ، كل أخلاق المؤمن في أساسها أن الباعث الديني يغلب الباعث الشهواني ، و كل أخلاق الكافر في أساسها أن الباعث الشهواني يغلب الدافع الديني ،

فأنت في صراع بين الشهوة و بين العقل ، بين الدنيا ، و بين الآخرة ، وجنود الشهوة هم شياطين الجن والإنس ، يوسوسون للإنسان بفعل المعاصي ، و جنود الحق هم الملائكة الذين يلهمون الإنسان بفعل الخيرات ،


و المؤمنون الذين ينصحون الناسَ بطاعة الرحمن ، فهذا الصراع بين الباعث الديني و بين الباعث الشهواني ، هو في أساسه يحتاج إلى صبر ، يحتاج إلى أن تسكت الباعث الشهواني استجابة للباعث الديني ، أن تئثر الآخرة الباقية على الدنيا الزائلة ،
لذلك حينما سُئل عليه الصلاة و السلام عن الإيمان فقال : هو الصبر .


يا أيها الإخوة المؤمنون ، من منا يصدِق أن القرآن الكريم في آيات ثلاث جعل ثمن الجنة كله الصبر ، بل إن الصبر بمعناه الواسع ، الحليم صبور ، الزاهد صبور ، و القنوع صبور ، و الرحيم صبور ، والعفيف صبور ، و الشجاع صبور ، إن الصبر سمة عميقة في النفس ، تظهر على ساحة السلوك بالعفة و الشجاعة و الحلم و ضبط النفس والزهد و القناعة ،

لذلك جعل القرآنُ الكريم الصبرَ وحده مناط الفلاح في الآخرة ،

قال تعالى :

جَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا

(12)
[سورة الإنسان]


في آية ثانية قال تعالى :

أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا

(75)
[سورة الفرقان]


في آية ثالثة قال تعالى :

سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ

(24)
[سورة الرعد]


إذًا أنت في الدنيا بين أن ترضي نوازعك الشهوانية ، و بين أن ترضي نوازعك الروحية ، بين أن تكون مع الله و بين أن تكون مع الشيطان ، بين أن تسعى إلى اللذة الآنية و بين أن تسعى إلى السعادة الأبدية ، أنت بين هذا و ذاك .

يا أيها الإخوة المؤمنون ، الصبر ثبات لداعي الحق ، و عدم الصبر انحراف عن الحق ،

لذلك قال تعالى :

إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا
(19)

إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا
(20)

وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
(21)

إِلاَّ الْمُصَلِّينَ
(22)

[سورة المعارج]

هذا الذي اتصل بالله وذاق طعم القرب ، ذاق حلاوة الإيمان ، ذاق معنى الرضوان ، هذا الذي اتصل بالله و عرف الدنيا وكيف أنها زائلة ، و كيف أنها مزرعة الآخرة ، و كيف أنها دار ابتلاء، وكيف أنها دار تكليف ،

هذا الذي عرف حقيقة الدنيا ، عرف سرعة زوالها ، عرف تفاهة قيمتها ، عرف أنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، آثر ما يبقى على ما يفنى ، آثر الجنة التي فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، على الدنيا المحفوفة بالهموم ، المحفوفة بالقلق ، المحفوفة ب المكاره .


بإذن الله تعالى يتبع .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .