السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
بسم الله الرحمان الرحيم
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ
أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلَاثًا أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ
وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلَّا مَلَأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا .
[رواه أحمد]
يعني لمجرد أن تستسلم لشهوتك ، وتسير مع رغبتك ، وأن تميل مع الهوى فقد سار الإنسان في طريق النار ، و لمجرد أن يسعى إلى الله و رسوله ، وإلى الدار الآخرة ، وأن يكافح رغبته ، وأن يعاكس شهوته ، و أن يعصي هواه فقد سار في طريق الجنة ، يلخِّص هذا قوله تعالى :
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى
)40(
فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى
)41(
[سورة النازعات]
نهى النفس عن الهوى ، داعي الهوى يدعوك ، وداعي الرحمن يدعوك ، الملَك يلهم ، و الشيطان يوسوس ، الجسد يطلب ، و الروح تطلب ، وأنت مع من ؟
يا أيها الإخوة المؤمنون ، شيء آخر ، من منكم يصدِّق أن الصبر من لوازم النجاح في الدنيا قبل الآخرة ، ما من إنسان حقَّق في الدنيا نجاحا كبيرا إلا و السببُ هو صبره على متاعب العمل في أوله ،
فلولا صبر الزارع على بذره لما حصد ، ولولا صبر الغارس على غرسه لما جنى ، ولولا صبر الطالب على درسه لما نجح ، ولولا صبر المقاتل على عدوه لما انتصر .
أيها الإخوة المؤمنون ، كلُّ الناجحين حقَّقوا آمالهم ، وبلغوا مُناهم بالصبر ، إذا كانت الدنيا الدنية التي لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، لا بد للنجاح فيها من الصبر ، ....، و ما من إنسان في عالم المال أو في عالم التجارة , أو في عالم الصناعة ، أو في حقل العلم ، أو في حقل الخبرة ، ما من إنسان حقَّق نجاحا إلا بثمن باهظًا ، ألا وهو الصبر،
إذا كان هذا قانون الدنيا الدنية من أجل سنوات معدودة أفلا يجب أن يكون هذا القانون مطبَّقا على الآخرة الأبدية ، لذلك ادخلوا الجنة بما صبرتم ،
و قال تعالى :
وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا
(12)
[سورة الإنسان]
يا أيها الأخوة المؤمنون ، كل الناجحين - كما قلت قبل قليل - حقَّقوا آمالهم بالصبر ، و استمرءوا المرَّ ، و استعذبوا العذاب ، و استهانوا بالصعاب ، و مشوا على الشوك ، و حفروا الصخور بالأظافر ، و لم يبالوا بالأحجار تقف في طريقهم ، و لم يبالوا بالطعنات تُغرس في ظهورهم ، و بالشراك تُنصب للإيقاع بهم ، و لم يبالوا بالكلاب تنبح من حولهم ، هؤلاء الناجحون في الدنيا ،
قال تعالى :
إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
(104)
[سورة النساء]
أهل الباطل يصبرون على أهدافهم ، ... أيُعقل أن يصبر الكافرُ ليحقِّق هدفه ، والمؤمن صاحب الرسالة العظمى ، صاحب الهدف الكبير ، يستمرئ الرخاء ، و الراحة و المتعة ، و يطلب الجنة من غير عمل ،
لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه : (طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب) ، ذنب عظيم ، إنه استهزاء بالله عزوجل ،
قال تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ
(72)
[سورة الأنفال]
قال تعالى :
قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
)111(
[سورة البقرة]
و قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ
(11)
[سورة البروج]
و قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
(30)
[سورة فصلت]
و قال تعالى :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
)33(
[سورة فصلت]
و قال تعالى :
فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا
(110)
[سورة الكهف]
... إذا كانت الرفعة في الدنيا وتحقيق النجاح فيها يحتاج إلى جهد كبير ، وإلى صبر طويل ، فما بالك بالآخرة ، التي تنعم بها في الجنة إلى أبد الآبدين ..
و قديما قالوا : لا بد دون الشَّهد من إبر النحل ...
يتبع إن شاء الله تعالى .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


رد مع اقتباس
