وانصبت أعمال هؤلاء الرواد وتخصصت في المجال الأثري ، كما نشرت أعمالهم في الحوليات الأثرية التي تصدر عن مديرة الآثار في سورية . فقد بين الأستاذ كامل شحادة في دراسته التي بعنوان ( الجامع الأعلى الكبير في حماة ) أن سجلات المحاكم الشرعية بينت أن القبة والأبواب فيه قد أقيمت في تاريخ عام 936 للهجرة المقابل لعام 1617 للميلاد كما ورد في السجل 19 ص 672ـ 987 كما أثبت في دراسته عن الأحواض والسبل في مدينة حماة باستفادة بساتين حماة من السقاية من قناة سلمية ( وهي فرع من قناة العاشق الممتدة من نبع عين الزرقاء في سلمية إلى أفامية ) ومن ثم وصول هذه القناة إلى بعض مناطق حماة للشرب منها فأورد نصاً لشهادة الأمير عبد الوهاب شيخ الأكراد وغيره يعرف فيه بالحاج يوسف بن أحمد البشير وبستانه السقي المشجر بظاهر حماة بموقع الجروف وأن البستان يشرب من قناة سلمية استحقاقاً لها قبل الفتح وهذا النص موقع بتاريخ شهر ربيع الأول لعام 958هـ 1551 ميلادية كما ورد في السجل الرابع في الصفحة 583 كما أورد نصاً آخر يتضمن شراء بستان الجب والزيتون في أراضي الجروف القبلية بظاهر حماة وهو يشرب من ساقية سلمية وهو للشيخ حسن الكيلاني من البائع محمد حمزة العيسى وشركائه بتاريخ 974هـ 1566 م كما ذكر في السجل الثالث عشر ص758 .
وبلغ من أهمية هذه القناة وتدفق الماء فيها أن أقيمت عليها الطواحين حيث أورد نصاً يتضمن مبيع وشراء أرض تقع للغرب من سلمية تحتوي على طاحونة راكبة على ساقية سلمية التي تمتد ماؤها إلى أرض الجروف وأن الطاحونة تعرف بالفرقانية كائنة بين مرج سلمية ومنفذ الماء ، وكان ذلك بين الأمير حمود وبين حاج محمد وبين قدوة الأمراء نعمة الله مير لواء سلمية يومئذ بثمن قدره عشرون سلطانياً
بحضور الشهود المذكورين . أواخر ربيع الأول سنة 988 للهجرةـ السجل العشرون ص75 .
وفي مجال إثبات وجود بعض الآثار العمرانية والحضارية فقد ورد في سجلات المحاكم الشرعية وجود حوض إينيال بمحلة النصارى وهو يقع حول مقام السيدة العذراء من الجنوب تحت ساباط ممتد من الغرب إلى الشرق وكان ماؤه من ناعورة الجعبرية بعد مرور ساقيتها بجامع الحسنين والبيوت التي تتصل من الغرب . وفي هذا إثبات إلىأن مياه ناعورة الجعبرية تصل إلى حي المدينة لتسقيه وتلك إشارة على وجود نظام مائي يغطي جميع أحياء المدينة وهذه سمة حضارية فائقة .
ومن الآثار المندرسة أيضا التي ورد ذكرها في سجلات المحاكم الشرعية حوض الشهود وحوض أبي العلاء المعري وأنه بباب حمص عند مسجد العلا ( مسجد خانقاه ) وكذلك حوض زقاق الوتارين وموضعه بالطرف الجنوبي من حاضر الصغير وتصل إليه الماء من ناعورة المأمورية .
كما كشفت أهمية الأحياء التي ضعفت أهميتها وتراجع عمرانها فتشير سجلات المحكمة الشرعية إلى أهمية حي باب المغار وعمرانه بالبيوت المعتبرة التي يسكنها علية القوم ،كما يستفاد من النص الذي عرضه الدكتور عبد الرحيم رافق المنشور في مجلة الدراسات التاريخية الصادرة عن جامعة دمشق في العدد 35 و 36 لعام 1990ص126 ، ومفاده أن الأمير خرم عبد الله الزعيم يومئذ في لواء حماة وقف بعض ممتلكاته على ذريته بتاريخ أواخر جمادى عام 993 هـ ،وهي دار بمحلة باب المغار وجميع الحوش والإسطبل ، يحدها من الشرق كنيس لليهود ومن القبلة الفرن الذي بيد الواقف ومن الشمال دار المرحوم درزي التيماري وهي الآن بيد الواقف ، ثم دار أخرى ودكاكين في المحلة نفسها .
ومن الملاحظ أن هذا النص أشار إلى أهمية حي باب المغار ومدى عمرانه ومستوى سكانه ، والأهم من ذلك هي الإشارة إلى وجود كنيس لليهود في هذا الحي ومن المحتمل أن يكون سكنهم قد تجمع حوله وهذا يشير إلى احترام الحرية الدينية وبناء أماكن للعبادة ، فترى الجامع وبقربه كنيسة للنصارى وبالقرب منهما كنيس لليهود ، ومن الجدير بالذكر أن المحاكم الشرعية كانت تنظر في القضايا المختلفة لجميع الأديان كما يلاحظ من السجلات .
ومن الأخبار الطريفة التي وردت في سجلات المحاكم الشرعية هي تحريم شرب القهوة . فقد أورد الأستاذ راضي عقدة في بحثه خانات حماة المنشور في الحوليات الأثرية السورية عام1981 النص التالي ـ لما اتصل بعلم مولانا الحاكم الشرعي بحماة أن بقيسارية ابن إسماعيل جماعة يطبخون القهوة ويجتمعون على شربها ـ سجلات المحاكم الشرعية في حماة عام 970هـ . كما ذكرت هذه السجلات خان رستم باشا الذي بناه في المرابط السيد رستم باشا الصدر الأعظم في سلطة سليمان الأول وقد جاء ذلك في السجلات عام 969 هـ تحت اسم الخان الجديد ودخل في وقف المرحوم رستم باشا ، وكان ناظر الخان عام 970 هـ محمد إبراهيم الشرابي وشيخ طباخيه هو عبد بن عبد العال . (ورستم باشا كان رئيس الوزراء في الدولة العثمانية أيام حكم السلطان سليمان القانوني وقد بنى الخان عام 1566 ميلادية أي في القرن العاشر الهجري علماً بأن دخول العثمانيين إلى سورية كان عام 1516 ميلادية ـ توثيق آثار حماة) .
ثانياً ـ الدراسات في المجال الاجتماعي والاقتصادي والإداري وإثبات الحقوق التاريخية :
أما ما يتعلق بدراسة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والإداري لمدينة حماة فيوجد أربع دراسات اعتمدت على سجلات المحاكم الشرعية . وتعد دراسة الأستاذ عبد الودود برغوث تاريخ حماة الاجتماعي والاقتصادي والإداري أقدم دراسة في هذا المجال ، وقد اعتمدت هذه الدراسة سجل المحاكم الشرعية بحماة لعام 989 هـ 1581 ميلادية ونشرت في الحوليات الأثرية السورية الصادرة عام 1966 ويليها دراسة الدكتور عبد الكريم رافق تحت عنوان مظاهر اقتصادية واجتماعية عن لواء حماة عام 942 ـ 943 هـ 1535 ـ 1536 ميلادية نشرت في مجلة الدراسات التاريخية الصادرة عن جامعة دمشق في العدد 31و32 من عام 1989 تليها دراسة أخرى له اعتمدت على سجلات المحاكم الشرعية في دمشق وحلب وحماة نشرت في مجلة دراسات تاريخية أيضاً في العدد 35و36 عام 1990 م تحت عنوان الفئات الاجتماعية وملكية الأرض في بلاد الشام في الربع الأخير من القرن السادس عشر، وأخيراً دراسة البريفيسور جيمس رايلي الأستاذ في جامعة تورنتو بكندا تحت عنوان ـ حماة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وأوائل القرن العشرين اعتمدت على سجلات المحاكم الشرعية بحماه في هذه الفترة ، وصدرت عن دار الأمازون للنشر والتوزيع .
ومن الملاحظ أن دراسة الدكتور عبد الكريم رافق الأولى تناولت السجل الأول من سجلات المحاكم الشرعية في حين أن الدراسة الثانية اعتمدت السجل نفسة الذي اعتمد عليه الأستاذ عبد الودود برغوث ورغم اتفاقهما في مصدر الدراسة إلا أن كلاً منهما تناول جانباً يختلف عن الجانب الذي تناوله الآخر كما سيظهر معنا فيما بعد ، غير أن جيمس رايلي اقتصر في كتابه على سجلات القرن الثامن عشر وما بعده من الفترة العثمانية وكانت معالجة منهجية أوسع مدى وأشمل رؤية. وسنقف فيما يلي وقفة قصيرة على كل دراسة بما يعطي فكرة واضحة عنها :