السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ,
بسم الله الرحمان الرحيم
الدرس 31 : من مستلزمات العقيدة : الأدب .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ...
أيها الإخوة الكرام ، الاعتقاد ليس ما ينبغي أن تعتقد فحسب ، و لكن ما ينبغي أن تتخلق به ، فشطر العقيدة حقائق يجب أن تؤمن بها بعد البحث والتدقيق ، وشطرها الآخر أخلاق وأحوال ومقامات ينبغي أن تتمثل فيك من أجل أن تكون سبباً لسعادتك في الدنيا وفي الآخرة ، تلك السعادة التي خلقت من أجلها :
إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ
[ سورة هود : 119]
أيها الإخوة الكرام ، إذا ذكرت كلمة مؤمن فينبغي أن يقفز إلى ذهنك أنه أديب ، يا رسول الله ما هذا الأدب ؟ قال : ((أدبني ربي فأحسن تأديبي)) .
[ ورد في الأثر ]
لا يمكن أن تقع عينك على مؤمن غير مؤدب ، فظ غليظ ، وقح متطاول ، مستحيل ، لا مع الله ، ولا مع أنبيائه ، ولا مع كبار المؤمنين ، و لا مع عامة الناس .
إذا قلت : مؤمن ، أي أنه مؤدب ، لطيف ، يعرف حقه و يعرف حق غيره ، يعرف حدوده و يعرف حدود غيره .
أيها الإخوة : موضوع الأدب ينشعب إلى ثلاثة فروع :
أولها : الأدب مع الله ، فالأدب مع الله جل جلاله أن تصف الله فيما وصف به نفسه من غير تمثيل ولا تعطيل ، فهو الله سبحانه و تعالى فوق سماواته ، على عرشه ،بائن من خلقه ، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته ، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته ، هو معهم بسمعه و بصره وعلمه ،
له وجه تبارك اسم ربك ذو الجلال و الإكرام :
وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ
[ سورة الرحمن : 27]
له وجه و له نفس ، " تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ" .
[المائدة]
و له يد :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
[ سورة الفتح : 10]
و له ساق ، و له قدم ، و له عين ، و له سمع ، و كل شي ليس كمثله شيء .
أوصاف الله عز وجل هكذا وردت في كتابه ، نقر بها من دون تمثيل و لا تعطيل ، لا نمثل أي ولا نعطل أي بل نفوض إلى الله المعنى الذي يليق بكماله ، أن تصف الله بما وصف به نفسه ،
و أن تفوض المعاني لهذه الأوصاف إلى الله عز وجل بحيث تليق بكماله من دون تمثيل ولا تعطيل ، من دون زيادة و لا نقصان ولا نفي ، هذا نوع من الأدب مع الله عز وجل ،
يقول عليه الصلاة و السلام :
(( ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة ، و فضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة )) .
أيها الإخوة : يقول الله عز وجل عن ذاته العلية :
#
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
#
وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ
#
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
[ سورة الصافات : 180-182]
لا يوجد داع أن أقحم نفسي ، و أن أُعمل عقلي في شيء نهيت عن البحث فيه ، رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام : (( تفكروا في مخلوقات الله ، و لا تفكروا في ذاته فتهلكوا )) .
الآن الأدب في التوجه إلى الله : فرع آخر من فروع الأدب مع الله ،
سيدنا عيسى سئل :
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ [ سورة المائدة : 116]
قد يخطر في بالنا أن هذا النبي الكريم ينفي عن نفسه هذا القول ، يقول : و الله يا رب ما قلت هذا ، قال :
إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ [ سورة المائدة : 116]
أرأيت إلى هذا الأدب الجم مع الله عز وجل ؟
ثم يقول :
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
#
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ سورة المائدة : 117-118]
قد تجد إنساناً تافهاً جداً يقول لك : فلان في النار قطعاً ، من أنت ؟ أنت ربه ؟
لا يمكن أن تحكم على المستقبل بحكم قطعي ، هذا يتناقض مع عبوديتك لله عز وجل .
الحكم على المستقبل القطعي ليس من شأن الإنسان ، تعلموا هذه القاعدة ، تقييم الأشخاص جملة ، وتفصيلاً ليس من شأن الإنسان ، لا توزع الألقاب والتهم على الناس ، إن رأيت إنساناً جيداً ومحسناً قل : أحسبه صالحاً ، ولا أزكي على الله حداً ، إن رأيته مسيئاً قل : أسأل الله أن يغفر له ، وأن يتوب عليه ، هذا الذي تراه مسيئاً لو أنه تاب ، و صدق في توبته لسبق من انتقده ...
للحديث تتمة بإذن الله تعالى .
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .


رد مع اقتباس
