من قتل الحسين رضي الله عنه ( الجزء العاشر )

الحسن بن علي رضي الله عنهما
لما استشهد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه . قالت الرافضة : فعهد إلى الحسن
(رضي الله عنه) ، فسلمها الحسن (رضي الله عنه) إلى معاوية (رضي الله عنه) ، فقيل له " مُسَوِّدُ وجوه المؤمنين " وفسقته جماعة من الرافضة ، وكفرته طائفة لأجل ذلك .

قال القاضي أبو بكر العربي ( رحمه الله ) : أما قول الرافضة أنه عهد إلى الحسن
(رضي الله عنه) فباطل . ما عهد إلى أحد .

فقد روى الأمام أحمد في مسنده ( 1 : 1078 ) عن وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال : سمعت عليا
(رضي الله عنه) يقول ( وذكر أنه سيقتل ) قالوا : فاستخلف علينا . قال : « لا ، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) . قالوا : فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال : أقول : اللهم تركتني فيهم ما بدا لك ، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم ، فإن شئت أصلحتهم ، وإن شئت أفسدتهم .

ونقل الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ( 5 : 250 - 251 ) عن الإمام البيهقي من حديث حصين بن عبد الرحمن عن الإمام الشعبي عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي أحد سادة التابعين أنه قيل لعلي
(رضي الله عنه): ألا تستخلف علينا ؟ قال : ما استخلف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأستخلف ، ولكن إن يرد الله بالناس خيرا فسيجمعهم بعدي على خيرهم ، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم [وهذا الحديث جيد الإسناد] .

ولكن البيعة للحسن
(رضي الله عنه) منعقدة ، وهو أحق من معاوية (رضي الله عنه) ومن كثير من غيره ، وكان خروجه لمثل ما خرج إليه أبوه (رضي الله عنه) من دعاء الفئة الباغية إلى الانقياد للحق والدخول في الطاعة ، فآلت الوساطة إلى أن تخلى عن الأمر صيانة لحقن دماء الأمة ، وتصديقًا لقول نبي الملحمة (صلى الله عليه وسلم) حيث قال على المنبر كما جاء من أبي بكرة (رضي الله عنه) قال : رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول : " إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " . رواه البخاري

والعجيب أن (من عناصر إيمان الرافضة - بل العنصر الأول في إيمانهم - اعتقادهم بعصمة الحسن وأبيه وأخيه
(رضي الله عنهم) ، وتسعة من ذرية أخيه . ومن مقتضى عصمتهم - وفي طليعتهم الحسن بعد أبيه (رضي الله عنهم)- أنهم لا يخطئون ، وأن كل ما صدر عنهم فهو حق ، والحق لا يتناقض . وأهم ما صدر عن الحسن بن علي (رضي الله عنهم)بيعته لأمير المؤمنين معاوية (رضي الله عنه) ، وكان ينبغي لهم أن يدخلوا في هذه البيعة ، وأن يؤمنوا بأنها الحق لأنها من عمل المعصوم عندهم .

لكن المشاهد من حالهم أنهم كافرون بها . ومخالفون فيها لإمامهم المعصوم . ولا يخلو هذا من أحد وجهين : فإما أنهم كاذبون في دعوى العصمة لأئمتهم فينهار دينهم من أساسه ، لأن عقيدة العصمة لهم هي أساسه ، ولا أساس له غيرها
وإما أن يكونوا معتقدين عصمة الحسن
(رضي الله عنه)، وأن بيعته لمعاوية (رضي الله عنه)هي من عمل المعصوم ، لكنهم خارجون على الدين ، ومخالفون للمعصوم فيما جنح إليه وأراد أن يلقى الله به . ويتواصون بهذا الخروج على الدين جيلا بعد جيل ، وطبقة بعد طبقة ، ليكون ثباتهم على مخالفة الإمام المعصوم عن إصرار وعناد ومكابرة وكفر .

ولا ندري أي الوجهين يطوح بهم في مهاوي الهلكة أكثر مما يطوح بهم الوجه الآخر ، ولا ثالث لهما. وكل الذين استبشروا بهذه النبوة وبهذا الصلح يعدون الحسن مبيض وجوه المؤمنين.) [ العواصم من القواصم ]

وحكاية الوساطة بين الحسن ومعاوية
(رضي الله عنهما)وصلحهما رواها الإمام البخاري في كتاب الصلح من صحيحه ( ك 53 ب 9 ج 3 ص 169 ) عن الإمام الحسن البصري قال : استقبل - والله - الحسن بن علي معاوية (رضي الله عنهم) بكتائب أمثال الجبال . فقال عمرو بن العاص (رضي الله عنه) : إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها . فقال له معاوية (رضي الله عنه) - وكان والله خير الرجلين - : أي عمرو (رضي الله عنه) ، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس ، من لي بنسائهم ، من لي بضيعتهم ؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز - فقال : اذهبا إلى هذا الرجل ( أي الحسن بن علي ) (رضي الله عنه) فاعرضا عليه ( أي ما يشاء ) ، وقولا له ( أي ما يرضيه ) ، واطلبا إليه ( أي ما تريان فيه المصلحة ، فأنتما مفوضان ) . فأتياه ، فدخلا عليه ، فتكلما ، وقالا له ، وطلبا إليه . فقال لهما الحسن بن علي (رضي الله عنهما): إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال ، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها ( أي فيحتاج إرضاؤها في دمائها إلى مال كثير ) قال : فإنه يعرض عليك كذا وكذا ، ويطلب إليك ، ويسألك . قال : فمن لي بهذا ؟ قالا : نحن لك به . فما سألهما شيئا إلا قال : نحن لك به . فصالحه .

والعقد من الحسن لمعاوية
(رضي الله عنهما)متفق عليه ، وتناولته البشرى النبوية بالثناء والرضا . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ( 2 : 242 ) : وهذا الحديث يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان ممدوحا يحبه الله ورسوله ، وأن ما فعله الحسن (رضي الله عنه) من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى بها عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) . ولو كان القتال واجبا أو مستحبا لم يثن النبي (صلى الله عليه وسلم) بترك واجب أو مستحب . . . إلخ .

فنفذ الميعاد ، وصحت البيعة لمعاوية
(رضي الله عنه) ، وذلك لتحقيق رجاء النبي (صلى الله عليه وسلم) ، فمعاوية (رضي الله عنه) خليفة ، وليس بملك .

فإن قيل : قد دس معاوية
(رضي الله عنه) على الحسن (رضي الله عنه) من سمه .
قلنا : هذا محال من وجهين : أحدهما أنه ما كان ليتقي من الحسن
(رضي الله عنه) بأسًا وقد سلم الأمر . الثاني أنه أمر مغيب لا يعلمه إلا الله فكيف تحملونه - بغير بينة - على أحد من خلقه في زمان متباعد لم نثق فيه بنقل ناقل ، بين أيدي قوم ذوي أهواء ، وفي حال فتنة وعصبية ، ينسب كل واحد إلى صاحبه ما لا ينبغي ، فلا يقبل منها إلا الصافي ، ولا يسمع فيها إلا من العدل المصمم.

ذكر ابن تيمية أن الحسن
(رضي الله عنه) مات بالمدينة وأن معاوية (رضي الله عنه) كان بالشام ، ذكر للخبر احتمالات - على فرض صحته - منها أن الحسن (رضي الله عنه)كان مطلاقا لا يدوم مع امرأة . . . إلخ ( وانظر المنتقى من منهاج الاعتدال ص 266 ) .