أخي الحبيب وسيم الفلو :
كونها إحصائية لا يلغي وجود نظام صدرت عنه متمثل في قوانين الفيزياء. فقوانين الفيزياء هي بحد ذاتها دليل صارخ على النظام الموجود في الكون و الذي يعين للمادة سلوكا خاصا من بين احتمالات كثيرة و متعددة ، يمكن برمجة محاكاة لكثير منها كما هو معلوم.
وأما مسألة الأكوان المتعددة فهي أولا ليست ثابتة. و ثانيا لو ثبتت فإنها لا تلغي ما نقول بل لعلها تؤكده لأن السؤال حينها سيكون: كيف توزعت هذه الإحتمالات للسلوك الطبيعي على الأكوان؟ و كيف توافقت أفراد المادة كلها، دون أن يشذ فرد واحد منها في كل كون ، و تطابقت على سلوك محدد من بين احتمالات عديدة؟!
فلا يزال التحدي قائما لمن يريد أن يجرب نقض الدليل الذي تعلمته من شيخي الحبيب الفيزيائي المنطقي و الداعية الموفق أبي أكرم أكرمه الله و بيض وجهه و أعلا مقامه في الدنيا و الآخرة.
وأما ما يتعلق بسؤالك عن سبب وجود هذا الكون المترامي إذا كانت علة خلق الكون هو الإنسان كما ورد في كلامك. فالجواب عليه من وجوه:
أولا : إن هذا يدخل بلا شك في باب البحث عن الحكمة من وراء إيجاد كون عظيم كهذا الكون. و جهل حقيقة الحكمة هنا لا يضرنا في شيء و لا يؤيد حرفا واحدا من كلام خصومنا.
ثانيا : و مع ما تقدم يمكننا تلمس الحكمة في أمرين أساسيين. وهما ما اصطلح أهل العلم على تسميتهما بتسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تسخير تكريم. فأما تسخير التعريف فإن الإنسان إذا تمكن من معرفة و رصد هذه الأكوان وعرف أنه إنما يقف على بقعة صغيرة لا تساوي شيئا بالنسبة لهذا الكون الشاسع ، جعله هذا يشعر بشعور رائع من التطامن و الخضوع و الذلة لله العظيم الذي أبدعت يده هذا الوجود.
وأما تسخير التكريم فهو يعني أن الإنسان كلما عرف أكثر عن إتساع هذا الكون و تراميه ازداد عشقا و محبة و حياء من الخالق جل و علا الذي سخر له ما في السماوات و الأرض! و نضرب على هذا مثالا فنقول: أرأيت لو أن غنيا من الأغنياء من مالكي العقارات و الابنية و القصور أراد أن يكرم بعض الضيوف ، فإنه قد يدعوهم إلى قاعة فخمة يملؤها أطعمة فاخرة و أشربة نادرة. لكنه إذا أراد أن يكرم خاصة أصدقائه فإنه قد يدعوهم إلى قصر فسيح من قصوره فيه من المرافق و الأركان و الغرف و القاعات و المسابح ما لا يمكن لأصدقائه أن ينتفعوا به كله في أثناء هذه الدعوة. بل ربما قضوا الوقت كله على طاولة واحدة في ركن واحد يأكلون و يشربون و يجيلون النظر في أرجاء هذا المكان الفسيح ، لكنهم مع ذلك يشعرون بامتنان عظيم لهذا التكريم الذي خصوا به.
قال تعالى : ( و لقد كرمنا بني آدم ) . و لأنه كلام العظيم فإن التكريم المقصود هو عظيم بلا شك. و لكن معرفته موقوفة على تحريك العقل و تحري الحق و تقديمه على الهوى. لا كما يفعل بعض الناس ممن يكاد يجعل الهوى إلها يعبد من دون الله! فأنى لهؤلاء أن يصيبوا الحق في أقوالهم و مذاهبهم. قال تعالى في آيات رائعة لا أستطيع أن أترجم روعتها في هذه العجالة و لكنني أدعو الجميع هنا إلى التدقيق فيها و محاولة تذوقها :
( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه و أضله الله على علم و ختم على سمعه و قلبه و جعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون . وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا وما يهلكنا إلا الدهر و ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون )
أخي الحبيب وسيم الفلو إن الحقيقة المرة التي ينبغي لنا أن نعترف بها هي أن كثيرا من العلماء الغربيين يصدرون عن أهوائهم في العديد من عباراتهم !
فهوكينغ هذا مثلا يقول عن كتابه ( موجز في تاريخ الزمان ):
( في مرحلة تنضيد الكتاب تحضيراً لنشره ، كنت سأحذف الجملة الأخيرة وهي " معرفة عقل الله " ، ولو فعلت ذلك لإنخفضت مبيعات الكتاب إلى النصف ) ! الثقوب السوداء والأكوان الطفلة- ص38
و لقائل أن يقول هنا كيف لي أن أثق ثقة مطلقة بعالم لا يتورع عن تحوير ما هو مقتنع به لصالح رفع مبيعات كتبه؟! نسأل الله تعالى أن يعافينا من الأهواء و الشهوات الصارفة لنا عن رؤية الحق و اتباعه.
وهذا لا يعني بأن جميع أدمغة الغرب مدموغة بتقديم الهوى على الحق بل فيهم من لا يعدل بالتجرد شيئا البتة. فهذا كودل المنطقي الالمعي و الصديق الحميم لأينشتاين يصرح بتجرد واضح بأن الكون ما كان ليكون منطقيا لولا وجود الخالق. و له كلام في الإسلام لا يقوله إلا منصف . نسأل الله جل و علا أن يجعلنا من أهل الإنصاف و التجرد أبدا ما حيينا.