-
دعاء ختم القرآن الكريم في غرفة الأثر الشريف بالجامع المنصوري الكبير
دعاء ختم القرآن الكريم في غرفة الأثر الشريف بالجامع المنصوري الكبير آخر أيام شهر رمضان المبارك
عمر تدمري
منذ أهدى السلطان عبد الحميد الثاني مدينة طرابلس الأثر الشريف، وهو شعرة من لحية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، في سنة 1308هـ/ 1891م. ووُضع الأثر الشريف في غرفة خاصة به داخل الجامع المنصوري الكبير، استُحدِثَتْ وظيفةُ "خَتمْ القرآن الكريم" في شهر رمضان المبارك من كل عام، بحيث عُيّن لهذه الوظيفة الجليلة جماعةٌ من القراء الحُفّاظ كانوا يجلسون بعد صلاة العصر مباشرة طوال أيام الشهر المعظّم داخل الغرفة المذكورة، ويتناوبون على قراءة جزء من القرآن الكريم أو ما تيسّر منه حفظاً، ترتيلاً أو تجويداً، وكان يحضر للسماع والتبرّك بالتلاوة المباركة القضاة والعلماء، ومفتي المدينة، ووجهاء البلد، وجمعٌ غفير من عامة الناس، فيملأون الغرفة، وقسماً من حرم الجامع، وقسماً من الرواق الغربي. وكان القراء يجتهدون في ختم القرآن المجيد يوم التاسع والعشرين من الشهر تحرّزاً من أن يكون اليوم التالي أول أيام عيد الفطر.
وكان التقليد في اليوم الأخير (يوم 29 من شهر رمضان) أن يقرأ القراء قصار السور من جزء "عمّ" وتبدأ التلاوة بسورة "الضحى" وما يليها حتى سورة "الناس" ويقرأ كل قارئ سورة بالتناوب، وهكذا حتى تنتهي التلاوة.
وقد عرفنا من قراء غرفة الأثر: الشيخ علي الحفار، والشيخ أحمد عبد الجليل، والشيخ محمد بارودي، والشيخ سعيد عبد القادر والحافظ الحلاق، والشيخ عبد الله الشريف، والشيخ علي العريف، والشيخ محمد نصوح البارودي، والحاج محمود الصائغ، والشيخ علي عرب، والشيخ محمد صلاح الدين كبارة.
وكان يشارك في التلاوة أحياناً الشيخ توفيق الشلبي، والحاج كامل مسقاوي، كما شارك كاتب هذه السطور مدة ثلاث سنوات تطوّعاً لله تعالى في الستينات من القرن الماضي.
وفي ختام التلاوة كان الشيخ علي بن محمود شيخ العرب يتولى قراءة دعاء الختمة الشريفة بصوته القوي، ذي اللكنة التركية، ويشتمل الدعاءعلى ذكر أسماء سور القرآن الكريم جميعها (114 سورة)، فكان للدعاء أطيب الأثر في نفوس الحضور، خاصة أنه كان يتلوه بنغمة شجية، ويؤديه حفظاً، وكأنه يقرأ سورة الفاتحة دون تلعثم أو خطأ.
وهذا نص الدعاء:
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمّ ربَّنا يا ربَّنا تقبَّل منا إنك أنتَ السميعُ العليم، وتُب علينا يا مولانا إنك أنت التوابُ الرحيم، واهدِنا ووفِّقنا إلى الحق وإلى الطريق المستقيم ببركة ختم القرآن العظيم، واعفُ عنا يا كريم، واغفر لنا ذنوبنا بفضلك وجودك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الأرحمين.
اللهمّ صلِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد الذي آتيته السبع المَثَاني وجعلتها "فاتحة" الكتاب، وبيّنت له الأحكام في "البقرة" وفضّلته على "آل عمران" وأحللت له "النساء" الكواعب الأتراب، ومددت له "مائدة" "الأنعام"، وجعلت أمته عن علاء "الحاقة"، وسُئل عن حول أصل المآب، ولم يدّع على قومه "كنوح"، بل قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، كما في سَنَدٍ صحيح ليس فيه كذّاب، وآمنتْ به "الجن" و "الإنس"، ولُقّب "بالمزمّل" و"المدّثر" والحاشر والعاقب لكل أوّاه أوّاب، وأخبر عن أحوال "القيامة" "للإنسان"، و"مرسلات" "النبأ" وجعل أرواح المكذبين في "النازعات" حين "عبس" عليهم، "فكوّرت" كفرهم و"انفطرت" قلوبهم وباؤوا بالعذاب.
وويل "للمطففين" عند "انشقاق" ذات "البروج" "الطارق" "الأعلى" الحجاب، وظهر في "غاشية" الكفر فطلع له فجر الصدق في "البلد" فهدى إلى "شمس" الإيمان من كان في "ليل" الكفر قد غاب، ومن خصوصياته الوتر و"الضحى" و"شرحتَ" له الصدر، وأقسمت بـ"التين" أنه أكمل المخلوقين من "علق" وخصَّصته بليلة "القدر" لتعظيم الأجر والثواب. و"لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب" والمشركين فيه، بل "زلزلهم" بـ"العاديات" و"القارعة"، ولم ينفعهم "التكاثر" في "العصر" وعلو الأنساب، وقطع كل "هُمّزة" كأصحاب "الفيل" وكفّار "قريش" ووعد "الماعون" بسوء الانقلاب، وأعطي صلى الله عليه وسلم نهر "الكوثر" وأُيِّد على "الكافرين" بـ"النصر" و"تبَّتْ" أيديهم غاية التبات، ودعا إلى كلمة "الإخلاص" لرب "الفلق" و"الناس" فهدى من اتبعه إلى الصواب الذي أنزلت عليه يا مولانا في محكم كتابك الناسخ لكل كتاب، أفمن يعلم إنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب.
اللهم بلِّغ وأوصل ثواب تلاوة هذا الختم الشريف هدية منا واصلة إلى روح نبينا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم وإلى أرواح جميع أنبيائك ورسلك وأوليائك وصلحائك وأتباعهم وأهل طاعتك أجمعين، وصدق من النبي صلى الله عليه وسلم جارية بفم القبول والرضوان إلى روح آبائنا وأجدادنا وأمهاتنا وأهلنا وأقاربنا ومشايخنا ولمن له حق علينا ولمن أوصانا بدعاء الخير ولكافة المسلمين لهم منا الفاتحة.
رحم الله الشيخ علي عرب وجميع من ذكرنا من القراء والحفّاظ الذين لازالت أرواحهم ترفرف في غرفة الأثر الشريف، وأبقى هذه السنة الطيبة حية في الجامع المنصوري الكبير بفضل ثلة من الشباب القراء الحفظة من أهل هذه المدينة التي تعتز بتراثها الموصول، يتقدمهم إلحافظ الشيخ علي الكسن من أهل القلمون العزيزة.
ضوابط المشاركة
- لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
- لا تستطيع الرد على المواضيع
- لا تستطيع إرفاق ملفات
- لا تستطيع تعديل مشاركاتك
-
قوانين المنتدى