من قتل الحسين رضي الله عنه (الجزء السابع عشر)


الغدر بمسلم بن عقيل رضي الله عنه

شعر أمير الكوفة النعمان بن بشير رضي الله عنه بحركات أهل الكوفة فخطب فيهم ينهاهم عن الفتنة والفرقة ، وقال لهم : إني لا أقاتل إلا من قاتلني ، ولا آخذ بالظنة والتهمة ، فإن أبديتم لي صفحتكم ونكثتم بيعتكم لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي.

وعلم يزيد رضي الله عنه أن النعمان بن بشير رضي الله عنه حليم ناسك لا يصلح في مقاومة مثل هذه الحركة ، فكتب إلى عبيد الله بن زياد عامله على البصرة أنه قد ضم إليه الكوفة أيضا ، وأمره أن يأتي الكوفة وأن يطلب ابن عقيل رضي الله عنه كطلب الخرزة حتى يثقفه فيوثقه فيقتله أو ينفيه . فاستخلف عبيد الله أخاه على البصرة ، وأقبل إلى الكوفة فاتصل برؤسائها وقبض على أزمة الحال ، فما لبث مسلم بن عقيل رضي الله عنه أن رأى مبايعيه الاثني عشر ألفا كالهباء .

قال القزويني في فاجعة الطف : دخل ابن زياد الكوفة، وأرسل إلى رؤساء العشائر والقبائل يهددهم بجيش الشام، ويطمعهم، فجعلوا يتفرقون عن مسلم شيئا فشيئا إلى أن بقي مسلم وحيدا. ورأى نفسه وحيدا طريدا ، ثم قبض عليه وقتل

وكان الحسين رضي الله عنه قد جاءته قبل ذلك رسائل مسلم بن عقيل رضي الله عنه بأن اثني عشر ألفا بايعوه على الموت ، وكان كتاب مسلم رضي الله عنه قد وصل إليه قبل أن يقتل سبع وعشرين ليلة، ومضمونه: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي هذا والسلام عليكم. فخرج عقب موسم الحج يريد الكوفة .

رأي الصحابة الكرام رضي الله عنهم في خروج الحسين

إن المشفقين على الحسين رضي الله عنه من هذا الخروج المشئوم هم جميع أحبائه وذوي قرابته والناصحين له والمتحرين سنة الإسلام في مثل هذا الموقف ، كل هؤلاء نهوه عن مسيره ، وحذروه من عواقبه ، باستثناء ابن الزبير رضي الله عنه فقط أشار عليه بالخروج فخرج .
وفي طليعة الناصحين أخوه محمد بن الحنفية وابن عم أبيه حبر الأمة عبد الله بن العباس وابن عمه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم.

ولكنه - رضي الله عنه - لم يقبل نصيحة أعلم أهل زمانه ابن عباس رضي الله عنه الذي أعلمه أنهم خذلوا أباه وأخاه ، فقد قال له ابن عباس رضي الله عنه: وأين تريد يا بن فاطمة ؟ فقال: العراق وشيعتي، فقال: إني لكاره لوجهك هذا تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة وملالة لهم ؟ أذكرك الله أن تغرر.

وعدل عن رأي شيخ الصحابة ابن عمر رضي الله عنه. الذي كان بمكة فبلغه أن الحسين بن علي رضي الله عنهم قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد ؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: لا تأتهم، فأبى. وقال ابن عمر للحسين رضي الله عنه: لا تخرج فإن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها - يعني الدنيا - واعتنقه وبكى وودعه، فكان ابن عمر رضي الله عنه يقول: غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، فرأى من الفتنة وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير.

ولقد نصحه أخوه محمد بن الحنفية رضي الله عنه قائلا : يا أخي إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك. وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى.

وكتب إليه عبد الله بن جعفر رضي الله عنه كتابا يحذره أهل العراق ويناشده الله إن شخص إليهم.

وجاءه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: يا أبا عبد الله ! إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف.
وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: غلبني الحسين على الخروج، وقلت له: اتق الله في نفسك والزم بيتك ولا تخرج على إمامك.

أما الفرزدق فقد لقي الحسين رضي الله عنه في الطريق فسلم عليه وقال له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب. فسأله الحسين رضي الله عنه عن أمر الناس وما وراءه فقال له: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.
فقال له: صدقت، لله الامر من قبل ومن بعد، يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه. وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته، ثم حرك الحسين راحلته وقال: السلام عليكم ثم افترقا.

وقال أبو واقد الليثي رضي الله عنه: بلغني خروج الحسين بن علي رضي الله عنه فأدركته بملل فناشدته الله أن لا يخرج فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما خرج يقتل نفسه، فقال: لا أرجع.

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: كلمت حسينا فقلت: اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فوالله ما حمدتم ما صنعتم فعصاني.

وقال سعيد بن المسيب: لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له.

وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إن لم يفعل إنما يساق إلى مصرعه. وتقول: أشهد لسمعت عائشة تقول إنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يقتل الحسين بأرض بابل " فلما قرأ كتابها قال: فلابد لي إذا من مصرعي ومضى.

وأتاه بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: يا بن عم قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأذكرك الله في نفسك.فقال. جزاك الله يا بن عم خيرا، مهما يقضي الله من أمر يكن. فقال أبو بكر: إنا لله وإنا إليه راجعون، نحتسب أبا عبد الله عند الله.

خروج الحسين رضي الله عنه

(للكلام بقية)