وقلت في المقامات [ مقامات كتبتها العام السابق يسر الله إتمامها ] عن الشيخ رشيد رضا :
المقامة الطرابلسية
قال ابن معدان : لما قفلت الأجناد إلى جلق وحملت ما وسق واتسق وانطلقت الخيل وانطلق السبيل والتصق إلى بلدة من أكوار الشآم تمتعت برؤيتها الحدق وعصمت من الريق وكل قول مختلق ففتقت العين ما رتق وعاذ القلب برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب
فبرز إلينا رجل من القلمون هيئته هيئة الفياس قد أعجب الناس فإذ هو محمود الشكل محمد أرشده الله رشيد فرضى رضا المسدد فعلا علو علي المفرد فحمدت طرائقه وزينت بالبهاء مدراكه فهو الشمس للغبرا وسورة في تاج الأبحر الخضرا، ثم رأينا مناره وعلمه ودياره ،وقد اجتمعت عليه الجحاجح والبئر بما فيه ناضح فإن كنت مايح فادل بدلوك تخرج فالحاً حتى وإن كنت ماتحاً
هنيئاً لكم يا طالبي سيبِ كفِّه أبيحت قَلِيباً فليفز دلوُ ماتحِ
وقد ملك الرشيد المفاتح وقد كان وعده مرقوب بعيداً عن مواعيد عرقوب قريباً إلى القلوب بعيداً عن العيوب إن جرى اللسان بوصفه ربض وإن رأته العين لجف ماؤها ونضب فبسيطه مديد وكفه طويل ووافر ولعيوبه مجتث وفي علومه متقارب:
مَديد الغِنى من كَفِّه مُتقارِبٌ لِمُنْتَزَحٍ عَن بابِهِ وَمُصاقِبِ
أجارَ من الإظْلامِ ثاقِبُ نُورِهِ فَلا زالَ جاراً لِلنجومِ الثّواقِبِ
فهو رب المناقب غاب القوم عن إدراكه فكل متدراك من الورى
كثرت عليه الطير في حوماتها يا طير كل الصيد في جوف الفرا
فهرملت همم القوم العجوز ، ومضوا إلى مركوز يخصفون عوارهم وشنارهم لعل مائدة التوبة تتنزل على القوم وتغمرهم الأوبة ولكن سفينة النوح غادرت واستقرت على الجودي واستوت والقيت عصا
الحياة فتكون نهر طالوت فغرف القوم غرف المسرف فتاهوا في بيداء المعصية ونزلت بهم الآفة المردية، فنبح كلب الكهف إلى ما يغضب الله وما كف فبيتهم بيت عنكبوت وهو أوهى البيوت فرضوا بأقل قوت
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
فالقوم أعداء له وخصوم
ثم قلت في آخر المقامة هذه الأبيات مخاطباً فيها الشيخ رشيد :
فَهَزَزْتَ نخل العلم من أوتاده *فتساقطت رطب الفهوم بأرضه
أظهرت مكنون العلوم وخلته * كالرِّسلُ يَظْهرُ زُبْدُهُ مِنْ مَخْضِهِ
وصَدَفْتَ عن لَعِبِ الغرامِ ولَهْوِهِ * وعَدَلْتَ عن رَفْعِ النَّسيبِ وخَفْضِهِ
مازلت أسمع كل ما قد قلته * قُم سل تَنل فُه ره تعد بعرضه


رد مع اقتباس
