قال القاضي عياض : المراد بالحديث أنّ المؤمن ينبغي إذا حضر مجلسًا ووجد أهله على منكر : أن يستر عوراتهم ، ولا يشيع ما يرى منهم ، إلا أن يكون أحد هذه الثلاثة ، فإنه فساد كبير ، وإخفاؤه إضرار عظيم .

ولقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم على زوجته حفصة حين أسر لها بأن حرّم العسل على نفسه ، أو حرّم مارية القبطية ، أو أخبرها أنّ أباها وأبا عائشة يكونان خليفته على أمته من بعده ، فلما أخبرت به غيرها ،

وأطلع الله نبيه على ما وقع منها من إخبار غيرها ، عرّف النبي صلى الله عليه وسلم حفصة بعض ما أخبرت به ، وأعرض عن تعريف بعض ذلك .


وفي هذا نزل قول الله تعالى في مطلع سورة التحريم :


  1. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
  2. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
  3. وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ

سورة التحريم ، الآية 1-3

وكان من سمو أخلاق الصحابة الكرام حفظ السرّ ، فبعد أن تأيمت حفصة ابنة عمر( صارت بلا زوج لوفاته عنها ) عرض عمر على عثمان وأبي بكر الزواج بها ، فامتنعا ، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم – فيما أخرجه مسلم عن ابن عمر- ذكرها ، فقال أبو بكر ، فلم أكن لأُفشي سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولو تركها النبي لقبلتها .


و كذلك السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها أسرّ لها النبي صلى الله عليه وسلم مرتين ببعض الأخبار ، فامتنعت عن إخبار السيدة عائشة رضي الله عنها بتلك الأخبار ، قائلة :

ما كنت لأّفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرّه . فلما توفي النبي ، قالت عائشة لفاطمة – فيما يرويه البخاري ومسلم عن عائشة – عزمت عليك بما لي عليك من الحق ، َلمَا حدّثيني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

فقالت فاطمة : أما الآن فنعم ، أما حين سارّني
في المرة الأولى ، فأخبرني أنّ جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين ، وأّنه عارضه الآن مرتين ، وإني لا أرى الأجل – أجل النبي – قد اقترب ، فاّتقي الله واصبري ،فإنه نِعم السَلف أنا لك ، فبكت فاطمة ،

ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جزع فاطمة مما
أسرّ لها ، سارّها في المرة الثانية ، فقال : (( يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين ، أو سيدة نساء هذه الأمة )) فضحكت فاطمة رضي الله عنها .

وكذلك أم أنس بن مالك قالت لابنها – فيما رواه مسلم عن ثابت عن أنس – لا تخبرنّ بسرّ رسول الله أحدًا ، قال أنس : والله لو حدّثت به أحدًا لحدثتك به يا ثابت .

والخلاصة : إنّ كتم سر ّ الأصدقاء والمعارف وترك إفشائه من مكارم الأخلاق والآداب الإسلامية العالية .

انتهى ... و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .