إخواني لم أكن أتوقع أنه وإلى زماننا هذا من يشكك في شرعية العمل الإسلامي المنظم ( بل في وجوبه) ومن ينظر إلى البيعة وكأنها بدعة ولقد سبقنا إليها السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين .
لا أريد أن أتوقف عند الأدلة الكثيرة التي وردت في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب العمل الجماعي ، وإنما سأتوقف عند البعض منها .
قوله تعالى "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر "والأمة هي الجماعة ، فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وجعل القيام به شريطة الفلاح " وأولئك هم المفلحون"
قوله تعالى " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " وهذا ليس عملا فرديا ، فالمسلمين لا يقدرون على تحقيق أمور الإسلام العامة إلا بإجتماعهم وتعاونهم ، فكيف يتم تعاونهم في حال تفرقهم وإختلافهم ، بل هم في حال تفرقهم يعطلون العمل بهذه الآية .
يقول الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه الجزء الأول الصفحة 168
( ولفظ الجماعة جاء في السنة على معنيين :
الأول : يطلق على جماعة المسلمين الكبرى وفي هذا المعنى جاء قوله صلى الله عليه وسلم : " من فارق جماعة المسلمين قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " . وقوله : " من فارق الجماعة فإقتلوه". وهذا الحكم يطبق عندما يكون للمسلمين جماعة وإمام .
الثاني : يطلق على المجموعة التي تقابل الإنفراد ولو كانوا ثلاثة فهم أفضل من الإثنين والواحد ، ومما جاء بهذا المعنى ما روي عن عمربن الخطاب رضي الله عنه أنه قام خطيبا بالجابية فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا خطيبا كقيامي فيكم فقال :" أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد ألا من سره بحبحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو مع الإثنين أبعد ولا يخلون رجل بإمرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن " وفي مسند الإمام أحمد " عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة " .
وفي تأصيل شرعية العمل الجماعي المنظم يقول ابن تيمية رحمه الله ( وأما لفظ الزعيم فإنها مثل لفظ الكفيل والقبيل والضمين ، قال تعالى" ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " فمن تكفل بأمر طائفة فإنه يقال هو زعيم . فإن كان تكفل بخير كان محمودا على ذلك وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبا ، فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم .... فإن الله ورسوله أمرا بالإجتماع ونهيا عن التفرقة والإختلاف ) الفتاوى11/92
وفي سنن أبي داوود عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم " وفي مسند الإمام أحمد :" لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم " قال شيخ الإسلام ابن تيمية : فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الإجتماعات أن يولي أحدهم ، كان هذا تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك ) ويقول أيضا (فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الإجتماع القليل العارض في السفر ، تنبيها بذلك على سائر أنواع الإجتماع )
أخي أبو حسن : هل طاعة الأمير هنا واجبة ؟
وقد ورد في الحديث الصحيح " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصي الأمير فقد عصاني" يقول العلامة المودودي رحمه الله( ومن الوجهة الدينية الخالصة فإن طاعة أفراد الجماعة لأميرهم في المعروف جزء لطاعتهم لله ورسوله ، وإذا كان الإنسان لم يقم بأمر هذه الدعوة إلا مع الإعتقاد بأنه إنما يقوم بأمر الله ورسوله ، وهو لم يرض بأحد أميرا على نفسه إلا إبتغاء لوجه الله وتقربا إليه ، فهو بطاعته له في أوامره المشروعة إنما يطيع الله ورسوله في حقيقة الأمر )
وأما البيعة فهي بيعة على جزئية من جزئيات الإسلام كالبيعة على بذل الجهد في الدعوة إلى الله عز وجل مثلا ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على جزئيات من أمور الإسلام من باب التأكيد عليها منها :
1) بيعة الرضوان تحت الشجرة ، فقد جاء فيها عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وغيره أنهم قالوا :" بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نفر" وفي رواية " على الموت " - متفق عليه -
2) البيعة على الهجرة : روى الإمام أحمد في مسنده عن الحرث بن زياد الساعدي الأنصاري أنه " أتى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وهو يبايع الناس على الهجرة ".
3) ومن أوضح هذه المبايعات المبايعة على أن لا يسألوا الناس شيئا : فعن عوف بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة ، فقال : " ألا تبايعون رسول الله ؟ " وكنا حديث عهد ببيعة ، فقلنا قد بايعناك يا رسول الله ، ثم قال :" ألا تبايعون رسول الله؟" فقلنا قد بايعناك يا رسول الله ، ثم قال :" ألا تبايعون رسول الله ؟" قال فبسطنا أيدينا وقلنا : قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك ؟ قال :" على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا والصلوات الخمس وتطيعوا(وأسر كلمة خفية) ولا تسألوا الناس شيئا" فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه - رواه مسلم -
وقد بايع الصحابة بعضهم بعضا على بعض أمور الإسلام فقال الحافظ ابن حجر ( أن عكرمة نادى من يبايع على الموت فبايعه عمه الحارث وضرار بن الأزور في أربعمائة من المسلمين ، وذلك سنة خمس عشرة من خلافة عمر فقتلوا كلهم إلا ضرارا )
وهذا الإمام الزاهر بشر الحارث الحافي الشيخ الرباني كما وصفه الذهبي بايعه أهل عصره إماما للعامة ... إحياء علوم الدين ج2 ص 23
وكان أبو نصرالخزاعي وكان من المحدثين الكبار قد بايعه علماء عصره على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وأما ابنه أحمد بن نصر فقد أخذ البيعه من علماء عصره كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية عند كلامه عن أحداث سنة 231 وذكر أن العلماء بايعوه على نقض البيعه للواثق لما أقام البدعة بحد السيف وذكر هذه البيعة ابن حجر في تهذيب التهذيب ووصفوه بالشهيد لأنه رضي الله عنه بعد أخذ البيعة أرسل إثنين في أرجاء البلاد ليجمعوا له الجموع ووقت مع أنصاره ساعة الصفر وهي يوم أربعاء وبسبب خطأ إرتكب إنكشف أمره فأحضره الواثق وقال له : دع عنك الذي خرجت له ما قولك بالقرآن مخلوق هو ؟ قال : لا ، قال : ما رأيك برؤية الله تعالى ، فقال : يقول تعالى" وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة" فقال: أنا أكفر برب هذه صفه ثم يأمر بالسيف فضربه ضربه على عنقه ثم طعنه في بطنه وأمر برأسه ففصلت عن جسده .
فماذا يقول إزاء هذه البيعة من يعتبرها بدعة في الدين أو الذين ينكرون لفظ الشهيد على من قتل في مثل هذه الظروف .

إن العمل الجماعي واجب شرعي لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، والبيعة على جزئية من أمور الإسلام أمر جائز ، وأن الحكم بفساده وعدم جوازه لا يستند إلى برهان ولا حجة .