صفحة 4 من 6 الأولىالأولى ... 23456 الأخيرةالأخيرة
النتائج 151 إلى 200 من 289
  1. #151
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    حدث هذا من زمان بعيد، عندما كان يعيش بألفة ووئام على بقعة جميلة من الأرض قرب بحيرة صغيرة، عدد من الحيوانات والطيور: حمار وحمامة وبطة وأوزة وأرنب وغراب.‏

    وفي أحد الأيام خطرت للحمار فكرة، فاقترحها على أصدقائه قائلاً:‏

    إننا مجموعة من الكسالى أيها الأصدقاء! نعيش عالة على هذه الأرض الكريمة نأكل ونشرب ونسرح ونمرح، ولم يخطر لنا أن نعمل عملاً نستفيد به من تربتها الخصبة.‏

    ما رأيكم في أن نزرع قسماً من الأرض قمحاً وشعيراً، نضمن بهما مؤونة الشتاء؟‏

    أعجبت الأصدقاء فكرة الحمار، وجلسوا يفكرون بخطة يبدؤون بها العمل.‏

    قال الغراب: أولاً علينا أن نحلف يميناً على أن نكون أمناء على الزرع ونحافظ عليه، حتى ينضج قمحاً وشعيراً.‏

    أقسم الجميع يمين الأمانة، وبدأ كل واحد منهم ينفذ العمل الذي أُسند إليه.‏

    كان إعداد التربة من نصيب الأرنب، الذي انطلق متحمساً ينكشها ويهيئها لتبذر فيها الحمامة والبطة والأوزة بذور القمح والشعير.‏

    ووقف الغراب على شجرة يراقب الطيور الغريبة ليمنعها من الاقتراب.‏

    أما مهمة الحمار فكانت الإشراف على تنفيذ العمل.‏

    بعد فترة من الزمن، نمت الحبوب سيقاناً يانعة تميس رؤوسها فرحاً بسنابلها الخضراء. وفي غمرة سعادة البطة والأوزة والحمامة والأرنب والغراب بهذا الإنجاز، لم يلحظوا أن الزرع كان يضمر ويقل شيئاً فشيئاً، إلى أن أصبح عليهم يوم لم يجدوا فيه للزرع أثراً. حرك الأرنب أنفه محتجاً، وهدلت الحمامة متألمة ومثلها فعلت البطة والأوزة، ونعب الغراب متأسفاً، بينما نهق الحمار بحدة متهماً الجميع بالخيانة.‏

    نظر كل واحد منهم إلى الآخر متسائلاً حائراً عن غريمهم آكل الزرع الذي انتظروا نضجه سنابل ذهبية شهوراً طويلة. لم يكن أحد منهم يملك الجواب، أو هكذا اعتقدوا.‏

    قالت الحمامة: لقد خطر لي خاطر، هل ترغبون في سماعه؟‏

    قالت البطة والأوزة: نعم، بكل سرور.‏

    وقال الأرنب والغراب: نعم، نرغب بسماعه.‏

    وقال الحمار: لا أريد أن أسمع شيئاً، فليس لديكم غير الحكي. ثم نهق ضجراً متبرماً.‏

    قالت الحمامة: عظيم، الأكثرية موافقة.‏

    على كل واحد منا أن يقف أمام البحيرة الصغيرة، ويحلف أنه لم يأكل الزرع، لنعرف من المذنب ومن البريء.‏

    وقفت الحمامة، وقالت: حم حم إذا أكلته، حم حم إذا لمسته، حم حم يرميني الله، حم حم في بحرة الله. ثم حركت جناحيها وطارت إلى الطرف المقابل.‏

    ووقفت البطة، وقالت: بط بط إذا أكلته، بط بط إذا لمسته، بط بط يرميني الله، بط بط في بحرة الله. وحركت جناحيها وطارت إلى الطرف المقابل.‏

    ووقفت الأوزة، وقالت: وز وز إذا أكلته، وز وز إذا لمسته، وز وز يرميني الله، وز وز في بحرة الله. وبلحظة كانت إلى جانب رفيقتيها في الطرف المقابل.‏

    ووقف الغراب وقال: قاق قاق إذا أكلته، قاق قاق إذا لمسته، قاق قاق يرميني الله، قاق قاق في بحرة الله. ورفرف بجناحيه وطار إلى الطرف المقابل حيث يقف أصدقاؤه الحمامة والبطة والأوزة.‏

    وجاء دور الحمار فراوغ وتململ، وطلب أن يسبقه الأرنب إلى ذلك. لكن الجميع أصروا عليه أن يبدأ قبل الأرنب ويحلف اليمين أمام البحيرة مثلما فعلوا.‏

    فوقف، وقال: حيق حيق إذا أكلته، حيق حيق إذا لمسته، حيق حيق يرميني الله، حيق حيق في بحرة الله. وما أن حاول القفز إلى الطرف المقابل، حتى وقع في البحيرة وغرق في مائها. فعرفوا أنه خائن العهد وآكل القمح والشعير، وقد نال جزاء ما صنع.‏

    * قصة من التراث الشعبي‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  2. #152
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    التقى فرخا دجاجة، في باحة أمام القن، وراحا يلعبان سوية. وفجأة أبصرا قطة، تقبل مسرعة نحوهما.‏

    صاح الأول: "ماما".‏

    وتمتم الثاني مذهولاً: "ماما!".‏

    وكالسهم أقبلت الدجاجة، وقد تملكها الغضب، وتصدت للقطة، وأجبرتها على الفرار.‏

    أسرع الأول إلى الدجاجة، يصيح فرحاً: "ماما".‏

    ووقف الثاني مذهولاً، فهو لم يعرف إلى الآن ما تعنيه كلمة "ماما". وكيف يعرف ذلك، وقد فقس منذ ثلاثة أيام فقط، في مفرخة كهربائية؟‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  3. #153
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    ضعف أسد، وتقدم به العمر، حتى عجز عن الصيد، وأضرّ به الجوع.‏

    وذات يوم، مرّ بضبع عجوز، يأكل من بقايا فريسة، عافها أسد فتيّ. فنظر إليه الضبع العجوز، وقال: "تفضل يا مولاي، الطعام وفير".‏

    وتوقف الأسد لحظة، ورمق الضبع العجوز بغضب مشوب بالمرارة. فأطرق الضبع العجوز برأسه، وقال: "آسف، يا مولاي، ظننت أن بك حاجة إلى بعض الطعام".‏

    ورفع الأسد العجوز رأسه، ومضى متحاملاً على نفسه، من غير أن يلتفت إلى شيء.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  4. #154
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    مسكينة الحمامة، ستحزن كثيراً، حين تعلم أنّ إحدى بيوضها قد سقطت من العش وانكسرت. سأعترف بأنني السبب، لكنها قد لا تتفهمني، وتشكوني لأمي، و.. لا، لن أعترف، سأقول لها: إن الريح دفعتها من العش، و.. لا.. لن تصدق هذا، سأقول لها: إن البلبل هو..، لن تصدق هذا أيضاً، إن البلبل معروف بهدوئه، وتصرفه العاقل. وجدتها، سأقول لها: إنه الغراب، نعم الغراب، إن الجميع يعرفون أنه عدواني.. ومخرب.. و.. آه.. لن أكون عندئذ عصفوراً صغيراً، بل غراباً، وأي غراب. يا للفضول اللعين، لقد أردت أن أتفحص البيضة، وأحتضنها، فانزلقت مني، و.. فلأعترف.. لعلي أبقى عصفوراً.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  5. #155
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    مثلما يعوي قطيع من الذئاب، راحت العاصفة تعوي. وقبع العصفور الصغير مرتجفاً تحت جناح أمه.‏

    وارتفع خلال العاصفة تغريد طائر، فأطل العصفور الصغير برأسه، من تحت جناح أمه، وقال: "ماما، اسمعي، هناك طائر يغرد".‏

    فقالت الأم: "هذا دجّ العواصف، وتغريده يرتفع كلما ارتفع عواء العاصفة".‏

    فخرج العصفور الصغير من تحت جناح أمه، وأصغى إلى تغريد الدجّ ملياً، ثم قال: "لتعوِ العاصفة، فلن يخيفنا عواؤها، ما دام بيننا مثل هذا.. الدجّ".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  6. #156
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    كان صوصو وبطبط وكتكوت يلعبون قرب شاطئ النهر، حين فاجأتهم الأفعى.‏

    فطار صوصو، ولاذ بأقرب شجرة.‏

    وأسرع بطبط، ولاذ بماء النهر.‏

    وبقي كتكوت وحده، وصاح مستغيثاً: "النجدة".‏

    وعلى الفور، أقبل القنفذ مسرعاً، وقد أشرع أشواكه الحادة.‏

    وما إن رأته الأفعى حتى تركت كتكوت ولاذت بالفرار.‏

    وعندئذ نزل صوصو عن الشجرة، وخرج بطبط من النهر، وتقدما خجلين من كتكوت.‏

    وغمز كتكوت للقنفذ، ثم قال: "لا عليكما، فقد لاذ أحدكما بالشجرة، ولاذ الآخر بالنهر، أما أنا فقد لذت بصديقي.. القنفذ".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  7. #157
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    أمر الملك حرسه: "هاتوا البلبل".‏

    فأسرع الحرس، وجاؤوا بالبلبل.‏

    واستدعى الملك الصائغ، وأمره: "اصنع قفصاً من ذهب".‏

    فصنع الصائغ القفص، وقدمه للملك.‏

    وأمر الملك وزيره: "ضع البلبل داخل القفص".‏

    وانحنى الوزير، وقال: "أمر مولاي".‏

    ثم وضع البلبل داخل القفص.‏

    عندئذ وقف الملك وسط حاشيته، وأمر البلبل: "غرد".‏

    وكم كانت دهشة الملك عظيمة، عندما لم ينفذ البلبل الأمر، وظلّ صامتاً داخل القفص.
    ‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  8. #158
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    كلما رأى البلبل كائناً مفيداً، تذكر أنه كائن لا فائدة فيه.‏

    وذات يوم، وقف حزيناً على غصن شجرة، وبدأ يغرد. وحين انتهى من تغريده، رأى الأرنب، والسنجاب، والقنفذ، يصغون إليه.‏

    قال الأرنب: "ما أجمل صوتك".‏

    وقال السنجاب: "لقد أفرحنا تغريدك".‏

    وقال القنفذ: "أرجوك يا صديقي، غرد ثانية وأفرحنا".‏

    وفرح البلبل، فها هو أخيراً يعرف فائدته. وفتح فمه، وأخذ يغرد من جديد.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  9. #159
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    دولة القلمون المستقلة - عاصمتها القدس الشريف
    المشاركات
    5,971

    افتراضي

    قصص الأطفال أجمل من قصص الكبار....فتلك كلها قتل وتشريد و جراح......ومعاناة!!!

  10. #160
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    جلست النملات الصغيرات في ضوء القمر يستمعن إلى صرصار يغني.‏

    تنهدت نميلة، وقالت: "يا للأغنية الحزينة".‏

    ونهرها نميل قائلاً: "اسكتي، دعينا نسمع".‏

    وتمتمت نملة: "لعله يغني الصيف الراحل".‏

    وتململ نميل متذمراً، ورفعت نملة رأسها، وقالت: "هناك حكاية تقول، إن الصرصار لجأ في ليلة شتاء باردة إلى نملة، فلم تفتح له الباب، و..".‏

    وبصوت واحد، صاحت أكثر من نملة: "هذه حكاية لا أكثر..".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  11. #161
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    احتل الغراب عش العصفور، وطرده بعيداً عنه. ومضى العصفور حزيناً، منكسراً، يبحث عن مكان، يبني فيه عشه.‏

    ورآه البلبل، وعرف بالأمر، فقال: "أنت مخطئ، ليس الحل أن تبني عشاً جديداً".‏

    وأدرك العصفور ما يرمي إليه، فتنهد، وقال: "من الصعب أن أستعيد عشي، إن الغراب أقوى مني".‏

    فرد البلبل قائلاً: "لكن عشرة عصافير أقوى من الغراب".‏

    في اليوم التالي، فوجئ الغراب بأكثر من مئة عصفور.. ينقضون عليه، فترك عش العصفور، وولى هارباً.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  12. #162
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    عاد الشبل، قبيل المساء، من جولته في الغابة، ولاحظت اللبوة جرحاً ينز دماً، فوق وجنته. فتفحصت الجرح، وقالت: "يبدو أنك تقاتلت مرة أخرى، يا بني".‏

    فرد الشبل متفاخراً: "قاتلت ضبعاً أكبر مني، وأثخنته بالجراح".‏

    ومسحت اللبوة الدماء من حول جرحه، وقالت: "سيفرح أبوك، إذا عرف أنك قاتلت الضبع لسبب يوجب القتال".‏

    وقال الشبل بحماسة: "قاتلته لأنه أراد أن يستأثر ببقايا حمار وحشي، تركها أحد الأسود".‏

    فأشاحت اللبوة عنه بوجهها، وقالت: "لن يفرح أبوك إذن".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  13. #163
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    حطت البطة، فوق البحيرة، قلقة، ومعها حطّ سرب البط. وانهمك البط في البحث عن الطعام، بينما اتجهت البطة نحو الشاطئ. ورأتها البطة العجوز، فأسرعت في إثرها.‏

    ووقفت البطة، فوق مرتفع، تتلفت حولها. واقتربت البطة العجوز منها، وقالت: "لم أرَ هذه البحيرة في طريقنا، من قبل".‏

    فردت البطة قائلة: "إنها بحيرة اصطناعية، ويبدو أنها أنشئت حديثاً".‏

    وتنهدت البطة العجوز بارتياح، وقالت: "لا تقلقي إذن، نحن على الطريق يا عزيزتي".‏

    فقالت البطة: "لن أقلق كثيراً لو كنت وحدي، إنني أقود السرب، وعليّ أن أصل به، في سلام، إلى بلاد الشمس".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  14. #164
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    حاول السنجاب العجوز، طوال سنين عديدة، أن ينسى شجرة اللوز، لكن بلا جدوى.‏

    ولجأ أخيراً إلى صديقه القندس، ورجاه قائلاً: "من فضلك، يا صديقي، اقطع هذه الشجرة، وخلصني منها".‏

    ونظر القندس إليه مستغرباً، فأطرق السنجاب العجوز رأسه، ولم يقل شيئاً. وماذا يقول، وقد سرق بذرتها في شبابه من أحد السناجب، وخبأها في حفرة نسي مكانها، فنبتت مع الربيع، وراحت تكبر.. وتكبر.. وتكبر؟‏

    وعمل القندس أسنانه القوية بالشجرة، حتى قطعها، وألقاها جثة هامدة على الأرض.‏

    لم يشعر السنجاب العجوز بالراحة، ويبدو أنه لن يشعر بالراحة أبداً، فقد ظلت شجرة اللوز حية في داخله، وظلت مع الزمن تكبر.. وتكبر.. وتكبر.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  15. #165
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    ابتلت عينا العصفورة بالدموع، حين رأت بيضتها، الأولى تفقس. وأطل العصفور من البيضة، وتطلع إلى أمه، وزقزق قائلاً: "ما الأمر، يا ماما؟".‏

    وابتسمت العصفورة فرحة، وقالت من بين دموعها: "هذه دموع الفرح، يا بنيّ، إنني فرحة بمولدك".‏

    وهنا رأى العصفور الصغير قطرات لدمعة تذرفها الغيمة، فقال: "ها هي الغيمة أيضاً تذرف دموع الفرح".‏

    فضمته أمه ضاحكة إلى صدرها، وقالت: "أنت محق، يا بني، فهي فرحة بآلاف الأزهار، التي ولدت حديثاً في الغابة".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  16. #166
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    أقبل السنونو على أمه مرة، وقال: "ماما، أريد أن أرى العنقاء".‏

    وابتسمت أمه، وقالت: "هذا ما أردته أنا أيضاً، عندما كنت في عمرك".‏

    فتساءل السنونو: "ورأيتها؟"‏

    وردت أمه قائلة: "ابحث أنت عنها، لعلك تراها، أو ترى ما هو أهم منها".‏

    ومضى السنونو محلقاً، يبحث عن العنقاء، فوق السهول.. والتلال.. والجبال.. والغابات.. والمدن.. وبعد أشهر، عاد إلى أمه، فسألته: "هل رأيت العنقاء، يا بني؟"‏

    ورد السنونو مبتسماً: "رأيت ما هو أهم منها، يا ماما، رأيت العالم".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  17. #167
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    بنى البلبل عشه بين أغصان شجرة زيتون، تطل على مسكن الخلد.‏

    وذات مساء، سمع البلبل الخلد الصغير يقول لأمه: "ماما، سكن بلبل شجرة الزيتون منذ أيام".‏

    فقالت الأم مستغربة: "بلبل، يا للعجب، لم أسمعه يغرد، ولو مرة واحدة".‏

    ورد الخلد الصغير قائلاً: "قال لي إنه لا يغرد خوفاً من الحدأة".‏

    فهزت الأم رأسها، وقالت: "البلبل الذي لا يغرد، يا بني، ليس ببلبل".‏

    وفي أول الليل، سمع الخلد الصغير البلبل يغرد بأعلى صوته. فأسرع إلى أمه، وقال: "ماما، اسمعي، البلبل يغرد".‏

    فابتسمت الأم، وقالت: "آه، الآن تأكدت أنه بلبل.. بلبل حقيقي".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  18. #168
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    جلست أنثى الطائر المقلد، في طرف العش، تصغي إلى مجموعة من البلابل، تغرد على شجرة قريبة. وتمنت لو أن صغيرها معها، ليصغي هو الآخر إلى البلابل، ويتعلم تغريدها.‏

    ومن مكان قريب، ارتفع فجأة صوت يصيح: هو.. هو.. اوو".‏

    وهبت البلابل متصارخة: "البومة".‏

    وهزت أنثى الطائر المقلد رأسها،‏

    دون أن تتحرك من مكانها، ثم صاحت:‏

    "تعال يا صغيري، تعال".‏

    وأقبل صغيرها ضاحكاً، لكنه كفّ عن الضحك، حين وجد أمه عابسة. فحط إلى جانبها، وقال: "يبدو أنني أخطأت، عفواً ماما، لن أقلد صوت البومة ثانية".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  19. #169
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    مالت الشمس للمغيب، ودبدوب ما زال يتلكأ في العودة إلى البيت. لا بد أن أمه ستعاقبه، فقد تبلل فراؤه، وتلوث بالأوحال. لتعاقبه أمه، نعم، لتعاقبه، لو أن الخطأ خطأه. لقد سقط أرنوب في حفرة موحلة، وكاد أن يختنق، فمدّ يديه نحوه، واحتضنه، و.. وتلوث فراؤه.‏

    وحثّ دبدوب خطاه، سيصارح أمه بالحقيقة، قد تعفو عنه، وقد.. ومن بعيد، رأى أم أرنوب تحدث أمه. آه لقد حانت ساعة العقاب، ولكن ما إن رأته أمه، حتى فتحت لـه ذراعيها، واحتضنته، رغم فرائه الملوث، وقالت مهللة: "أهلاً بدبدوبي البطل".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  20. #170
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    فوجئت العصافير، ذات يوم، بكائن غريب، شائك، يدخل البستان، الذي تعيش فيه.‏

    وتوقف هذا الكائن، قرب شجرة التوت. ثم تلفت حوله، وقال: "سأبني بيتي هنا".‏

    والتمت العصافير حولـه، تحدق إليه قلقة، حائرة. فابتسم الكائن الغريب، وقال: "أنا قنفذ، لنكن أصدقاء، ما رأيكم؟".‏

    ولاذت العصافير بالصمت، فقال القنفذ: "أنا يا أصدقائي، حيوان لبون، أقتات على الفئران والجرذان والأفاعي و..".‏

    وهنا، وبصوت واحد، صاحت العصافير: "أهلاً بك".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  21. #171
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    انقض الثعلب مرة على حمامة، وكاد أن يمسك بها، لو لم يره الضفدع، ويصيح بالحمامة محذراً: "أيتها الحمامة، اهربي، جاء الثعلب".‏

    وهبت الحمامة هاربة، ووقفت فوق الشجرة فصاح الثعلب منفعلاً: "أنتم، يا أبناء البيضة، كلكم جبناء".‏

    فردت الحمامة قائلة: "لكن النسر والصقر والنعامة من البيضة".‏

    وقال الضفدع: "وكذلك الديناصور".‏

    فصاح الثعلب: "الديناصور انقرض".‏

    وقال الضفدع: ها هو ابن عمه قادم".‏

    وانشق النهر عن فم ضخم، أسنانه كالخناجر. فصرخ الثعلب، وهو يلوذ بالفرار: "يا ويلتي، التمساح".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  22. #172
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    منذ أيام، تعلم العصفور الصغير الطيران، وراح يخرج وحده، ويطير فرحاً بين الأشجار.‏

    وذات يوم، رأى سلحفاة صغيرة، تسير ببطء فوق شاطئ البحيرة. فأسرع يرفرف حولها قائلاً: "يا لكِ من كائن بطيء، عاجز، مضحك، انظري إلي، إنني أسير، وأطير، و.. مهلاً، لا تنزلي إلى البحيرة، مهلاً، مهلاً، ستغرقين".‏

    لم تلتفت السلحفاة الصغيرة إليه، ومضت تغوص نحو الأعماق، حتى اختفت. فوقف العصفور الصغير فوق إحدى الأشجار، المطلة على البحيرة، وقال: "يا لحمقي، لم أعرف أن هذه السلحفاة تقدر على ما لا أقدر عليه".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  23. #173
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    دفع أرنوب باب مدرسة الأرانب، واندفع إلى الداخل لاهثاً.‏

    فقالت الأستاذة أرنبة للتلاميذ: "أيها الصغار، لقد ارتكب أرنوب الآن عدة أخطاء، فما هي؟"‏

    قال أرينب: "جاء متأخراً".‏

    وقالت أرينبة: "ودخل بلا إذن".‏

    وقالت أرينبة أخرى: "ولم يقل صباح الخير".‏

    فصاح أرنوب لاهثاً: "ليس هذا وقته.. أصغوا.. جاء الثعلب..".‏

    وفي الحال، لفته عاصفة من الغبار. وحين هدأت العاصفة، لم يجد أرنوب أحداً حوله، فقال: "لم يدعوني أكمل كلامي، نعم، جاء الثعلب، لكن الكلب تصدى له، وأجبره على الفرار".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  24. #174
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    توقفت النملة الصغيرة، ووضعت حبة الشعير على الأرض، وقالت: "آه تعبت، فلأرتح هنا قليلاً".‏

    ورآها العصفور، فحط إلى جانبها، وقال: "ما أكبر حبة الشعير هذه".‏

    فابتسمت النملة الصغيرة مزهوة، وقالت: "ستفرح ماما بها كثيراً".‏

    وعبس العصفور، متظاهراً بالحزن، وقال: "ابني الصغير جائع، ولم أعثر على ما أسكت به جوعه".‏

    لاذت النملة الصغيرة بالصمت لحظة، ثم دفعت حبة الشعير نحو العصفور، وقالت: "لا عليك، خذ هذه الحبة، لعلها تسد بعض جوعه".‏

    ضحك العصفور، وقال: "أشكرك يا عزيزتي، إنني أمزح، هيا، أحملي الحبة، وسأرافقك حتى البيت".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  25. #175
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    تساقط الثلج في بداية الشتاء، فوق أشجار الغابة. وحطت ندفة صغيرة على غصن من أغصان شجيرة البلوط. وتأوهت شجيرة البلوط ساخرة، وقالت: "آ.. ه".‏

    فردت الندفة الصغيرة قائلة: "لو عرفتِ ثقلي الحقيقي لما سخرت مني".‏

    وضحكت شجيرة البلوط، وقالت: "ثقلك! إنني أكاد لا أشعر بهذا.. الثقل".‏

    فقالت الندفة الصغيرة: "لا تتعجلي، ستشعرين به قريباً".‏

    وضحكت شجيرة البلوط ثانية، وقالت: "يبدو أنك لا تعرفينني جيداً، أنا شجيرة البلوط".‏

    وطوال ساعات، راحت ندف الثلج، تتراكم فوق شجيرة البلوط، حتى أثقلتها، وأحنت معظم أغصانها إلى الأرض، ولو لم تدفع الريح السحب، وتشرق الشمس، لانسحقت شجيرة البلوط، تحت ثقل ندفة الثلج ورفيقاتها
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  26. #176
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    حلّ عيد الأم في الغابة، وانهالت الهدايا أزهاراً من كل نوع، على الأمهات.‏

    أهدى الخشف أمه الغزالة زهرة نرجس. وأهدى الحمل أمه النعجة زهرة قرنفل. وأهدى الشبل أمه اللبوة شقيقة حمراء.‏

    أما الوقواق الصغير، فقد قطف زهرة بابنج، وقدمها هدية للعصفورة. فقالت العصفورة: "أيها الوقواق، اهدِ هذه الزهرة لأمك، أنا عصفورة".‏

    ورد الوقواق الصغير قائلاً: "أنت أمي، فقد حضنتني بيضة، ورعيتني صغيراً حتى كبرت، هذه الزهرة هدية مني لك، بمناسبة عيد الأم، أرجوك.. خذيها".‏

    ووسط تصفيق الجميع، أخذت العصفورة زهرة البابنج، وقالت بفرح: "أشكرك، أشكرك يا بني".‏

    الوقواق : من الطيور التي تضع بيوضها في أعشاش الطيور الأخرى، وتترك صغارها في رعاية الوالدين بالتربية.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  27. #177
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    ولد عصفور وكبر في منطقة منعزلة من الغابة، يغلب فيها وجود البلابل. وحين زقزق أول مرة، صمتت البلابل، وقد تملكها الذهول والانفعال.‏

    قال بلبل: "هذا صوت مغاير".‏

    وأضافت بلبلة: "وقبيح".‏

    وصاح بلبل فتي: "فليسكت".‏

    والتمتّ البلابل حولـه، وقال أحدهم: "أنت تعيش بيننا، وعليك أن تغرد مثلما نغرد".‏

    فرد العصفور الصغير قائلاً: "لكنكم بلابل، وأنا عصفور".‏

    واحتد البلبل الفتي، وقال: "اسكت وإلا..".‏

    عندئذ تقدم بلبل عجوز، وقال: "دعه يا بني، لصوته جماله، ومن حقه أن يزقزق كما يشاء".‏

    ولاذت البلابل بالصمت، ثم تفرقت مدمدمة. فابتسم البلبل العجوز، وقال: "صوتك جديد عليها، زقزق يا بني، زقزق حتى تعتاد على صوتك".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  28. #178
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    عاد سنجوب عند المساء إلى البيت، وعلى غير عادته، لم يأتِ إلا بقليل من البندق. فتطلعت أمه إليه، وقالت: "يبدو أن البندق قد قلّ في الغابة".‏

    فرد سنجوب قائلاً: "على العكس، يا ماما، إن الأشجار ما زالت مليئة بالبندق".‏

    قالت أمه: "لكن ما أتيت به اليوم قليل جداً".‏

    وهرب سنجوب بعينيه من أمه، ثم قال: "أعطيت بعضه لسنجوبة".‏

    تساءلت أمه: "أهي مريضة؟".‏

    فرد سنجوب: "لا".‏

    وابتسمت أمه قائلة: ".. آه فهمت".‏

    وقال سنجوب متأتئاً، وقد احمر وجهه: "إنها.. صغيرة".‏

    فقالت أمه: "هناك مئات الصغيرات".‏

    ووأوأ سنجوب قائلاً: "و.. و.. وضعيفة".‏

    وقالت أمه: "وهناك من هي أضعف منها".‏

    وتأتأ سنجوب: "إنها.. إنها..".‏

    فقاطعته أمه قائلة: "إنها.. إنها ما يصعب التعبير عنه".‏

    ونظر سنجوب إلى أمه مذهولاً، ولم ينبس بكلمة. فابتسمت أمه وقالت: "حينما كنت في عمر سنجوبة قدم لي أبوك حفنة من البندق، وكانت ألذ حفنة بندق تذوقتها في حياتي".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  29. #179
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    أقبلت العمة دبة من النهر متعبة، وتمددت في ظل شجرة الجوز، وأغمضت عينيها، علها تغفو قليلاً، وترتاح. سمعت أرنوب يتنطط نحوها، فأدركت أنه لن يدعها تغفو. وبالفعل، وقف أرنوب على مقربة منها، وصاح: "من الخطأ أن تصدقي كل ما يقال عن أن الأرانب شجعان".‏

    وهمهمت العمة دبة متظاهرة بالنوم. لكن أرنوب تابع قائلاً: "البارحة حدثتني أمي عن الجد الكبير أرنب وشجاعته، وقالت إنني أقرب اخوتي من الجد أرنب".‏

    وصمت أرنوب، ثم تأتأ مرعوباً: "أيتها العمة".‏

    وفتحت العمة دبة عينيها، ثم أغمضتهما، وقالت: "لا تخف، يا أرنوب، إنه مجرد.. ذئب".‏

    وشهق أرنوب، ووثب مرعوباً بين يدي العمة دبة. وقالت العمة وهي تغالب ضحكها: "أنا أعرف جدك الكبير أرنب، حقاً أنت أقرب إخوتك إليه".‏

    وتأتأ أرنوب قائلاً: "أرجوك.. احميني.. الذئب سيأكلني".‏

    فردت العمة دبة قائلة: "اطمئن، لن يأكلك، هذا ذئب الأرض".‏

    وحدق أرنوب في العمة دبة متسائلاً فقالت: "انظر إليه، إنه شديد الشبه بالضبع الصغير، أسنانه صغيرة، وأشداقه ضعيفة، لا يأكل إلا النمل الأبيض، والحشرات، والديدان، والثمار".‏

    ومنذ ذلك اليوم، لم تسمع العمة دبة، أرنوب يتحدث ثانية عن.. الجد الكبير أرنب.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  30. #180
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    قطع القندس شجرة، وراح يسحبها، ليتم بها بناء سد عبر الجدول. واعترضه قاقم عند الشاطئ، فهتف به: "أرجوك ابتعد عن طريقي، إنني مشغول".‏

    فقال القاقم من غير أن يتحرك من مكانه: "جئتك، يا صديقي، في حاجة".‏

    وتوقف القندس، ونظر إليه متسائلاً، فقال القاقم: "لي عدو، وأريدك أن تقتله بأسنانك القوية".‏

    فرد القندس: "أسنانك أيضاً قوية".‏

    وقال القاقم: "أسناني لا تؤثر فيه".‏

    وقال القندس: "لا شك في أن عدوك.. شجرة".‏

    وبحدة قال القاقم: "لقد حمت عدوي، رغم أني لم أعادها يوماً".‏

    ومرة ثانية نظر القندس إليه متسائلاً، فقال: "طاردت أرنباً، أرنباً فتياً، فاختبأ في حفرة بين جذورها، ولم تخبرني عن مكانه".‏

    وفي الحال، عاد القندس إلى شجرته، وقال: "دعني".‏

    قال القاقم: "لا تخذلني، أنت صديقي".‏

    فرد القندس، وهو يسحب الشجرة: "هذه شجرة طيبة، ولا يمكن أن أقطعها".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  31. #181
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    جلست الأم أرنبة أمام البيت، تراقب صغيرتها أرنوبة، التي كانت تلعب قرب النهر مع صديقتها سلحوفة. وعند الظهر نادت الأم أرنبة صغيرتها قائلة: "أرنوبة، حان وقت الغداء، تعالي ارضعي".‏

    وانطلقت أرنوبة إلى أمها، وهي تقول: "سلحوفة، انتظريني، سأعود بعد قليل".‏

    لكن سلحوفة لم تنتظرها، بل سارت باتجاه النهر قائلة: "أنا أيضاً سأذهب إلى أمي، وأرضع".‏

    وتوقفت أرنوبة، تنظر إليها مذهولة، حتى نزلت النهر، وغاصت إلى الأعماق. فأسرعت إلى أمها، وقالت: "ماما، قلت لي مرة، إن السلاحف الصغيرة لا تعرف أمهاتها".‏

    وابتسمت الأم أرنبة وقالت: "وقلت لك أيضاً، إنها لا ترضع".‏

    وقالت أرنوبة محتجة: "لكنك سمعتها، منذ لحظة، تقول...".‏

    فقاطعتها الأم أرنبة قائلة: "سلحوفة صغيرة مثلك، يا بنيتي، وقد قالت ما تتمناه".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  32. #182
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    مرت أنسام في البستان بنحلة تختبئ بين أوراق زهرة قرنفل، ولم تنطق النحلة بكلمة، وعرفت أنسام سبب اختبائها، فقد رأت عدداً من الزنابير تحوم في الجوار، فهتفت بهم: "أرجوكم، دعوا النحل وشأنه".‏

    فرد عليها زنبور: "امضي، هذا ليس شأنك".‏

    ومضت أنسام عائدة إلى البيت، ولما علمت أختاها بما حدث، غضبتا أشد الغضب. وصاحت ريح: "إنهم سيقضون على النحل، ويلحقون الضرر بالبستان، سأذهب إليهم، وأنذرهم، و..".‏

    وانتفضت عاصفة، وزأرت غاضبة: "كلا، لن يفهم الزنابير إلا لغتي".‏

    وعبثاً حاولت أختاها تهدئتها، فقد انطلقت بسرعة جنونية، تطيح بكل ما حولها وهي تزأر: "أيها الزنابير، سأحطمكم، وأخلص البستان من شروركم".‏

    وحين هدأت عاصفة، أدركت أنها حطمت بغضبها المجنون، الكثير من الأغصان.. والأعشاش.. وخلايا النحل.. و.. و.. ومع الفجر عادت إلى البيت، ووقفت مطرقة أمام أختيها وقالت: "سامحاني، يبدو أنني أخطأت".‏

    وأوت إلى فراشها متمتمة: "والأنكى أنني لم أحطم زنبوراً واحداً".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  33. #183
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    تسلل السمّاك الصغير من العش، دون علم أمه. وحلق فوق الجدول، يحاول أول مرة، أن يصطاد السمك. ورأى سمكة تتلاعب قرب سطح الماء، فانقض عليها، والتقطها بمنقاره.‏

    وحط السمّاك الصغير فوق أقرب شجرة، وهمّ بأن يبلع السمكة من ذيلها، ورآه سمّاك فتي، فانطلق نحوه، يصيح محذراً: "تمهل، لا تبلع هذه السمكة".‏

    وظن السمّاك الصغير أن السمّاك الفتي يريد أن يخطف السمكة منه، فسارع بابتلاعها. وإذا ذيل السمكة يسد حلقه، ويمنع عنه الهواء. وعلى الفور، مدّ السمّاك الفتي منقاره، وسحب السمكة بقوة. وشهق السماك الصغير، متقطع الأنفاس، ودمدم لاهثاً: "أشكرك.. آه.. كدت أختنق".‏

    فرد السمّاك الفتي قائلاً: "لقد حذرتك، لكنك لم تصغِ إلي".‏

    وأطرق السمّاك الصغير خجلاً، فقال السمّاك الفتي: "السمكة، يا عزيزي، لا تبلع من ذيلها، وإنما من رأسها، انظر".‏

    والتقط السمّاك الفتي السمكة بمنقاره، وألقاها إلى أعلى، والتقطها، من رأسها وبلعها بسهولة.‏

    ووقف السمّاك الصغير مذهولاً، وتمتم: "سمكتي".‏

    فتجشأ السمّاك الفتي، وقال: "لا درس بلا ثمن، يا صغيري".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  34. #184
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    نهضت مرة أخرى، متحاملاً على نفسي، ومرة أخرى تهاويت. آه يا إلهي، لا بد أنها النهاية هذه المرة. وتطلعت إلى الأعلى، فلاحت لي القمة، يغمرها الفجر، كأنها الحلم. عبثاً حذروني، وأكدوا، أن أحداً منا، نحن الحلازن، لم يبلغ هذه القمة، وأن الكثيرين، انتهوا عند سفوحها. لا، ها هي القمة، على مرأى مني. واندفعت بما تبقى لي من قوة، سأبلغها، سأبلغ هذه القمة، مهما كان الثمن، وتهاويت مرة أخرى، على السفح، خائر القوى.‏

    وأفقت على صوت فتي يحييني: "مرحباً".‏

    والتفت، يا لله، إنه صورة مني، عندما بدأت مسيرتي نحو القمة. وقبل أن أرد على تحيته، أشار إلى القمة، وقال: "سأقهرها".‏

    قلت بصوت واهن: "بني..".‏

    فقاطعني ضاحكاً: "ستحذرني، وتؤكد أن أحداً لم يبلغها، وأن الكثيرين انتهوا عند سفوحها، لكن مع ذلك.. سأقهرها".‏

    ابتسمت له، وقلت: "لست الأول، ولن تكون الأخير".‏

    وضحك ثانية ملوحاً لي، ثم استأنف مسيرته. تطلعت إليه، ورأيتني أزحف في إثره، خطوة بعد خطوة، حتى تلاشى، على طريق، يكاد لا ينتهي، نحو القمة.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  35. #185
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    في كل يوم، عند الغروب، أمضي إلى حديقة منزل، يقع في طرف القرية. فأحط على مصطبة، فوقها كمية من الحبوب، وقدح ماء. وعلى مسافة مني، تجلس امرأة عجوز، تنظر إليّ ولا تتحرك، وكأنها تخشى لو تحركت، أن أهب من مكاني، وأحلق بعيداً عنها.‏

    وذات مساء، مضيت إلى الحديقة، فلم أجد الحبوب، ولا قدح الماء، ولا المرأة العجوز.‏

    وتلفت حولي حائراً، قلقاً، أنا لا تهمني الحبوب، ولا قدح الماء، إن ما يهمني فقط.. المرأة العجوز.‏

    وحلقت حول المنزل، عَلّي ألمحها، أو أسمع صوتها، لكن، لا جدوى.‏

    ووقفت فوق شباك غرفتها، يبدو أنها مريضة، فقد رأيتها في المرة الأخيرة، شاحبة، متعبة، تكاد تتهاوى.‏

    ورفعت رأسي، وأخذت أغرد بأعلى صوتي، علها تسمعني، وتعرف إني أفتقدها.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  36. #186
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    عاد التم، بعد الظهر، إلى العش. وفوجئ باختفاء زوجته، وصغاره الأربعة.‏

    وخفق قلبه خوفاً، وغضباً. أهو الصياد؟ من يدري، لقد شكت زوجته، أياماً عديدة، من أن الكلب يطوف في الجوار، وتخشى أن يدل الصياد إلى عشهم.‏

    وانطلق محلقاً، يبحث عن زوجته، وصغاره الأربعة. وتناهى إليه، من بين القصب نباح كلب. فانقض عليه، وراح يضربه بجناحيه القويين. ولاذ الكلب بالفرار، جاراً ساقه المكسورة.‏

    وانطلق التم ثانية، يبحث بلا جدوى، عن زوجته، وصغاره الأربعة. وقبيل المساء، عاد إلى العش، وجلس فيه وحيداً، والدموع تغرق عينيه.‏

    ومن بين دموعه، رأى زوجته، في بياض الثلج، تعوم نحوه في الماء، تحمل فوق ظهرها الصغار الأربعة. وانتفض فرحاً، وأسرع يستقبلهم، فقالت زوجته: "سمعت نباح الكلب، عند الظهر، وخشيت أن يكون الصياد بصحبته، فأخذت الصغار، واختبأنا بين القصب".‏

    فقال التم، وهو يعوم إلى جانب زوجته: "اطمئني، لن تري الكلب ثانية، لقد كسرت ساقه".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  37. #187
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    عادت الحلزونة، بأسرع ما تستطيع، إلى البيت. فهي تخشى أن يخرج صغيرها حلزون في غيابها، ويتجول وحيداً على الشاطئ.‏

    وحالما وصلت البيت، هتفت: "حلزون".‏

    لكن حلزون لم يرد، وكيف يرد، وهو ليس في البيت؟ وحين عرفت الحقيقة، انطلقت نحو الشاطئ، تبحث عن حلزون من غير أن تبالي بما قد يواجهها من أخطار.‏

    وعلى منحدر قرب كومة الحشائش لمحت قوقعة، إنه هو، صغيرها حلزون. وانطلقت نحو القوقعة، تصيح لاهثة: "حلزون.. حلزون".‏

    وجمدت في مكانها، حين رأت القوقعة فارغة. وراحت تتمتم باكية: "يا ويلتي، لا بد أن النورس قد..".‏

    ومن بين الحشائش، ارتفع صوت تعرفه، يحذرها: "ماما.. النورس".‏

    وانتفضت خائفة، وسرعان ما تخلصت من قوقعتها، وانطلقت نحو كومة الحشائش، تختبئ إلى جانب صغيرها حلزون.‏

    وانقض النورس على القوقعة، الشبيهة بالحلزون تماماً. وحين أدرك أنها فارغة، أطلق صيحة غاضبة، ومضى مبتعداً لا يلوي على شيء.‏

    وتنفست الحلزونة الصعداء، فنظر صغيرها حلزون إليها، وقال: "يا للصدفة لقد هاجمني هذا النورس اللعين نفسه".‏

    وهزت الحلزونة رأسها، فيما يشبه العتاب، وقالت: "وفعلت بقوقعتك ما فعلته بقوقعتي".‏

    فغمز حلزون أمه، وقال متفاخراً: "لقد كبر ابنك".‏

    وحضنته أمه قائلة: "ستبقى ابني مهما تكبر".‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  38. #188
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    خطوت ببطء على رمال الشاطئ، متلفتة حولي بحذر. ولاحت فتاة تتقافز، وتنشد: "أمي، أحب الناس لي أمي.. ومن بالروح تفديني".‏

    وما إن رأتني أخطر بدرعي المفصص أمامها، حتى جمدت، وصاحت: "ماما".‏

    وأسرعت أمها إليها، وهي تهتف: "لا تخافي، يا بنيتي، إنني قادمة".‏

    وأخذتها بين يديها، وتساءلت: "ما الأمر يا بنيتي؟".‏

    وأشارت الفتاة إلي، فضحكت الأم، وقالت: "هذه سلحفاة، سلحفاة صغيرة".‏

    ونزلت الفتاة، واقتربت مني مترددة، وقالت: "ماما، لنأخذها معنا".‏

    وتراجعت خائفة، فقالت الأم: "بنيتي، لندعها لأمها، فقد تموت إذا أبعدناها عن أمها، مياه البحر".‏

    ثم أمسكت بيدها، وقالت: "هيا، يا عزيزتي، إن بابا ينتظرنا".‏

    وانطلقتا معاً، تتراكضان على رمال الشاطئ، والفتاة الصغيرة تنشد: "أمي، أحب الناس لي أمي.. ومن بالروح تفديني".‏

    واستأنفت سيري، أخطو ببطء على رمال الشاطئ، آه أمي، يا للكلمة السحرية، ما إن تصيح: "ماما"، حتى تمتد إليك يدان، وتأخذانك، و.. انتفض قلبي، إذ لمحتُ ظلاً يحوم حولي، يا إلهي، إنه النورس.‏

    وانطلقت مسرعة نحو البحر، والظل يجدّ في مطاردتي، فصحت بأعلى صوتي: "ماما".‏

    ومن البحر، أسرعت إلي موجة، أخذتني بين أحضانها، وهربت بي بعيداً عن النورس، إلى أعماق البحر.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  39. #189
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    سمع الدغناش أغرودة، وبهره جمالها، برغم غرابة النغم. فهب من عشه، وحلق مسرعاً نحو مصدر الأغرودة. ورأى دغناشة، أصغر منه قليلاً، تغرد على أحد الأغصان. فحط على غصن قريب منها، وراح ينصت مأخوذاً.‏

    وتوقفت الدغناشة عن التغريد، وحدقت إليه ملياً، ثم قالت: "أنت تشبهني".‏

    فرد الدغناش قائلاً: "نعم، فأنا دغناش".‏

    وهتفت الدغناشة فرحة: "أنا إذن دغناشة".‏

    فهزّ الدغناش رأسه، وقال: "طبعاً".‏

    ثم أضاف: "لكن ما غردته ليس أغرودة دغناش، بل عصفور".‏

    فقالت الدغناشة: "أنت محق، فقد ربتني عصفورة، بعد أن اختطفت الحدأة أمي".‏

    ومن بين الأشجار، ارتفع تغريد، فتطلعت إليه متسائلة، فقال الدغناش: "هذا طائر حسون".‏

    وبعد قليل، ارتفع تغريد مختلف، فقال: "وهذا صغنج".‏

    فابتسمت الدغناشة، وقالت: "حسن، أصغِ".‏

    وغردت الدغناشة مثل الحسون، ثم مثل الصغنج، فابتسم الدغناش، وقال: "غردت مثل الحسون والصغنج، أنت دغناشة، غردي كدغناشة".‏

    فردت الدغناشة محرجة: "لا أعرف، غرد أنت".‏

    وبدأ الدغناش يغرد، فانصتت الدغناشة مبهورة، وحينما انتهى من أغرودته، قالت: "آه.. لا روع من تغريدك.. أعني.. تغريد الدغناش".‏

    وهنا هبّ الدغناش من مكانه، وحط إلى جانبها، وقال: "لا عجب.. فأنا أغرد أمامك.. أعني.. أمام دغناشة".‏

    الدغناش : طائر مغرد، يستطيع تعلم أغاريد الطيور الأخرى.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  40. #190
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    وقف صهيب أمام صورة جدّه المعلّقة على حائط الصّالون، والمؤطّرة بإطار مذّهب لمّاع.‏

    كان الجد يضع طربوشاً أحمر، لـه شرّابة سوداء، عيناه لوزيتان أنفه إجاصي، أمّا شارباه فكانا كثيفين ومعقوفين، كجناحي سنونوة.‏

    مدّ صهيب أصابعه إلى شفته العليا، جسَّها، كانت ملساء ناعمة، قطّب جبينه، وقال مخاطباً الصّورة:‏

    -جدّي.. من أين اشتريت شواربك؟‏

    ابتسم الجدّ، قال:‏

    -الشّوارب لا تباع، عندما تكبر ستنبت لك شوارب.‏

    -لقد كبرت، صرت في الصّفّ الرّابع‏

    -ما زلت صغيراً، لا تستعجل، ستمرّ الأيّام، ويصبح لك شوارب كشواربي.‏

    استدار صهيب بنزق، شاهد زينب- أخته التوأم- نائمة على الأريكة وشعرها الأشقر الطّويل ممدد على المخدّة.‏

    لمعت عيناه، أحضر حقيبته، فتحها، أخرج مقصّاً صغيراً وصمغاً.‏

    مشى على رؤوس أصابعه، وضع أذنه على باب غرفة نوم والديه، سمع شخيراً، قال:‏

    -إنّهما نائمان، سأغتنم الفرصة، قبل أن يصحوا من قيلولتهما.‏

    اقترب من زينب، بهدوء وحذر، ماسكاً المقصّ ذا الشّفرتين الحادّتين، قبض على خصلة شعر صغيرة، وقصّها.‏

    تنفّس بعمق، ذهب إلى المرآة، وضع صمغاً على شفته العليا، وبدأ يلصق الشّعرات المقصوصة.‏

    بعد قليل، كان لصهيب شاربان طويلان أشقران.‏

    نفخ صدره كديك، ومشى متبختراً، عائداً إلى صورة جدّه.‏

    -انظر يا جدّي، لقد صرت رجلاً.‏

    تنهّد الجدّ، قال:‏

    -ألم أقل لك لا تستعجل، لماذا لا تسمع الكلمة؟ أنت ما تزال صغيراً وضعيفاً.‏

    غضب صهيب، قال:‏

    - بل أنا كبير وقوي، انظر.‏

    ركض إلى الطاولة، أزاح عنها الزهريّة، أمسكها من طرفيها، وما إن رفعها حتى اختلّ توازنه، فسقط، وسقطت فوقه.‏

    هرع إليه الأبوان فور سماعهما الصّوت، بينما جلست زينب تعرك عينيها.‏

    أزاح الأب المنضدة عن صغيره، اطمأن على سلامته، وطلب منه أن يحكي له ما جرى.‏

    كانت زينب تعود للنّوم، عندما كان أخوها يروي قصّته، فجأة سمعت عبارة:‏

    -اقتربت من زينب، أمسكت خصلة من شعرها، وقصصتها.‏

    نطّت زينب كأرنب، ركضت إليه باكية صائحة:‏

    -قصصت شعري؟! سأنتف شواربك شعرة شعرة.‏

    -اتركي شواربي.. آخ.. آخ..‏

    أمسكت الأم زينب، أدخلتها غرفة النّوم، قائلة:‏

    -لا تبكي يا حبيبتي، سيطول شعرك، تعالي، سننام معاً.‏

    اقترب الأب من صهيب، قال:‏

    -اسمع يا صغيري، عندما كان جدّك في مثل سنّك، لم يكن لـه شوارب لكن عندما كبر، قوي جسمه، ونبت شاربه، انظر إلى شاربك المنتوف لقد سقط على الأرض لأنّه مزيّف، المفروض أن تأكل وتدرس لتكبر وتصبح "شابّاً مشورباً"، قويّاً بجسمه وعقله.‏

    اقتنع الصغير بكلام والده، وراح ينتف ما تبقّى من شاربه المزيّف، بينما كان الجد يضحك، وهو يفتل بأصابعه شاربيه الكثيفين والمعقوفين، كجناحي سنونوة.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  41. #191
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    رياض.. يحبّ قراءة مجلاّت الأطفال، ويجد متعة في صفحة التّسليات. فما إن يمسك المجلّة، حتى يفتح على صفحة التسليات، ويبدأ بحلّ المتاهة. والمتاهة – كما تعرفون- عبارة عن طرق متعددة، متعرّجة، كلّها مقفلة سوى طريق واحد مفتوح.‏

    كان رياض يمسك بالقلم، ويسير عبر الطّرق، ليكتشف الطريق المفتوح. مرةً.. يدلّ الطّفل الذي يحمل بيده إبريق الماء على الطّريق الموصل إلى الأصيص، ليسقي الوردة الجميلة الحمراء.‏

    ومرة.. يساعد الطفلة ذات الجديلتين الحلوتين، للوصول إلى لعبتها التي ترتدي ثوباً مزركشاً بالزّهور والفراشات.‏

    اليوم.. حدث أمر مثير؟!‏

    فتح رياض كعادته على صفحة التسليات، نظر إلى متاهته، فرأى في طرفها الأول صيّاداً يرتدي لباساً جميلاً، وبيده بندقيّة لمّاعة، وفي طرفها الثاني، أرنب صغير لونه أبيض.‏

    أمسك القلم، وبدأ يكتشف الطريق، فجأة.. توقّف خائفاً، تذكّر أنّ الصّياد سيطلق النّار على الأرنب، ويقتله.‏

    ارتجفت يده، لكنّه استطاع التخلّص.‏

    أتعرفون ما فعل؟ سأقول لكم:‏

    تظاهر رياضٍ أنّه توقّف لأن الطريق مسدود، الحقيقة أن الطّريق لم يكن مسدوداً، هو سدّه،‏

    رسم خطاً بالقلم فانسدّ، أمّا الطريقان الثّاني‏

    والثّالث فكانا مسدودين.‏

    وضع رياض القلم، نظر إلى الصّياد، فوجده ينظر باتّجاهه غاضباً مصوّباً البندقيّة نحوه.‏

    خاف رياض، وبدأ يرتجف.‏

    لكن.. ما إن نظر إلى الأرنب، حتّى هدأ، وتحوّل خوفه إلى سعادة كبيرة، فأرنبه الحبيب، كان مسروراً جدّاً، حتّى إنّه صار ينطّ فرحاً..‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  42. #192
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    الصّديقة (ريم الكاتب)، ليتك تبذلين جهداً في تحسين خطّك، الخاطرة الّتي أرسلتها ملأى بالأخطاء الإملائية، ننصحك بالمطالعة، أهلاً بك صديقة للمجلّة.‏

    ألقت ريم مجلّة الأطفال جانباً، ركضت إلى خزانتها، وأحضرت النسخة الثّانية لخاطرتها، ثمّ ذهبت إلى المطبخ، وقالت لأمّها غاضبةً:‏

    -ماما.. هل هذه الخاطرة سيّئة؟!‏

    مسحت الأم يديها المبلّلتين بالمنشفة، ثمّ جلست على الكرسي وبدأت تقرأ بصوت مسموع:‏

    البحر‏

    البحر كالسّماء الصّافية، و...‏

    توقّفت الأم فجأة، قرّبت الورقة من عينيها، ثمّ نظرت إلى ريم وقالت:‏

    -ما هذه الكلمة يا ريم؟ إنّها غير واضحة، فخطّك رديء.‏

    تلعثمت ريم، بلعت ريقها، وقالت:‏

    -هدير.‏

    تابعت الأمّ القراءة:‏

    وهدير أمواجه مثل صوت الرّعد، إنّه كبير جداً جداً، وعندما تصطع. ومرةً ثانية توقّفت تسأل:‏

    -ما هذا يا ريم؟ كيف تستبدلين حرف السّين في كلمة تسطع بحرف الصّاد؟!‏

    احمرّ وجه ريم، بينما تابعت الأم القراءة:‏

    عندما تسطع الشمس على وجهه، يلمع مثل المرايا، الأطفال يسبحون كأنّهم أسماك صغيرة، إنّ البحر المالح هو الذي يشعرني بالانتعاش.‏

    توقّفت الأم عن القراءة، مسحت على شعر صغيرتها، قالت:‏

    -يجب أن تهتمّي بدراستك، وتقرئي قصصاً كثيرة، وأعدك أن أشتري لك كلّ أسبوع مجلّة أطفال.‏

    وفعلاً.. صارت ريم تقرأ المجلاّت التي تحضرها أمّها، إضافة لاهتمامها بدروسها.‏

    بعد عدة أشهر، وما أن فتحت ريم على صفحة الرّدود السّريعة حتّى خفق قلبها، ركضت فرحة إلى أمها، وقالت:‏

    -ماما.. ماما، اقرئي ردّ المجلّة على قصّتي الأخيرة.‏

    أمسكت الأم المجلّة، وقرأت:‏

    -الأديبة الصّغيرة (ريم الكاتب)، أنت موهوبة، ترقّبي نشر قصّتك الجميلة في العدد القادم، وشكراً.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  43. #193
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    أمسكت مزنة مجلّة الأطفال، وبدأت تقلّب صفحاتها، وما أن وصلت إلى صفحة التسليات، حتّى انتبهت إلى المربّع الكبير، الذي يضمّ مربّعات صغيرة بيضاء، وأخرى سوداء.‏

    وضعت مزنة المجلّة جانباً، وتوجّهت إلى منضدتها، لتحضر قلمها الأسود ثمّ بدأت تقرأ السّطور الأفقيّة كي تحلّها.‏

    1-الاسم الأوّل لخليفة أموي.؟‏

    قطبت مزنة جبينها، وقالت:‏

    -إنّهم كثير، سأطمس مربعات هذا السّطر بالأسود، وأنتقل إلى السّطر الثاني.‏

    2-حرف جر.‏

    -نسيت حروف الجر، سأطمس هذا السّطر أيضاً، فربّما يكون السّطر الثالث أسهل.‏

    3-من الأمراض السّارية؟‏

    -أف.. ما هذه الأسئلة؟ سأطمسه أيضاً وأنتقل إلى المربّعات العمودية.‏

    1-عاصمة دولة عربية.‏

    -وكيف أعرفها وأنا لا أحبّ أن أنظر في الخرائط؟ سألوّن المربعات بالأسود، وأنتقل إلى العمود الأخير.‏

    5-كلمة مشابهة لكلمة جهل.‏

    فكّرت مزنة طويلاً، ثم قالت:‏

    -هذه اللّعبة مزعجة، سأطمس المربعات الأربعة المتبقية.‏

    وفور انتهائها، لاحظت أنّ المربع الكبير، بدا كلّه أسود مظلماً، فجأة.. عرفت أنّ الكلمة المشابهة لكلمة جهل، هي ظلام
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  44. #194
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    دخلت مها بوّابة العمارة مسرعة، نطّت على الدّرج برشاقة مدّت سبّابتها، وضغطت زرّ الجرس، فرنّ رنيناً طويلاً.‏

    -على مهلك.. على مهلك، سأفتح، مالأمر؟‏

    -افتحي يا ماما.. افتحي.‏

    فتحت الأمّ الباب، وقبل أن تستفسر من صغيرتها عن سبب تسرّعها، سألت مها:‏

    -ماما.. أين علاء؟‏

    -في الصّالة، ما الأمر؟‏

    ركضت مها نحو الصّالة، وهي تفتح حقيبتها.‏

    كان علاء يعلّق صدّارة المدرسة على المشجب، حين دخلت مها لاهثة، تقول:‏

    -علاء.. لقد نشروا صورتينا في مجلّة الأطفال، تعال لترى.‏

    رمى علاء الصّدارة على الكرسي، اقترب من أخته، قائلاً:‏

    -صورتي منشورة، أين؟ أرني إيّاها.‏

    قلبت مها على صفحة التّعارف، قالت:‏

    -تفرّج، هذه صورتك، وهذه صورتي، لاحظ، لا يوجد أحد من أصدقائنا الأطفال يضع نظارة سواي، أتعرف؟ كنت لا أطيق وضعها، لكنّها تبدو رائعة بإطارها المدوّر، آه كم أبدو جميلة.‏

    أمسك علاء المجلّة، تأمّل صورته مبتسماً، ثم قام متوجّهاً إلى خزانته، مخرجاً مقصّه الصّغير.‏

    سألته مها بدهشة:‏

    -لماذا المقصّ يا علاء؟‏

    -سأقصّ صورتي، لألصقها على دفتري.‏

    -لا تفعل، ستشوّه الصّفحة.‏

    -هذا ليس شأنك، الصّفحة ملأى بالصّور، وأنا لا أحبّ أن يزاحمني أحد.‏

    -لكنّهم أصدقاؤك.‏

    -أنا لا أعرفهم.‏

    -تعرّف عليهم، انظر، كلّهم ظرفاء.‏

    قطّب علاء جبينه، زمّ شفتيه، وبدأ يقصّ صورته.‏

    بعد قليل، وحينما انتهى من لصقها على صفحة بيضاء، اقتربت منه مها، وقالت:‏

    -انظر يا علاء، صورتك تبدو حزينة، لقد كانت أجمل قبل القصّ، مؤكّد أنّها تشعر بالوحدة والملل، كان عليك ألاّ تقصّها.‏

    فكّر علاء بكلام أخته، تأمّل صورته، وفجأة.. انتزعها ثمّ أحضر لاصقاً شفّافاً، ولصقها في مكانها من جديد..‏

    فرحت مها، نظرت إليه بمودّة، عانقته، قالت:‏

    أحسنت، لقد أعدت للصّفحة جمالها، ولوجهك إشراقه.‏

    نظر علاء إلى الصّفحة، فرأى وجوه الأطفال، فرحة ضاحكة، كأنّها تقول له:‏

    -مرحباً بصديقنا الجديد.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  45. #195
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    سمع قلم الرّصاص صوت أنين، نظر حوله، فشاهد الورقة التي كان يرسم فوقها منذ قليل، تتلوّى بألم.‏

    تعجّب القلم، وسأل مستفسراً:‏

    -ما بك يا صديقتي، لماذا تتألمين؟‏

    تململت الورقة، وقالت:‏

    -لأنّك ظالم، وقلبك أسود، فالأقلام ترسم الخطوط برقّة وانسياب أمّا أنت، فترسم بوحشيّة، انظر إلى شكل العصفور الذي رسمته، ألا ترى أنّك خدشتني أثناء الرّسم، إنّني أتألم، بينما تستلقي أنت مرتاحاً ولا ينقصك سوى أن تغنّي.‏

    شعر قلم الرّصاص بالحرج، وقال:‏

    -عذراً يا صديقتي، إنّ خدشي إيّاك ليس ذنبي، لأنّ اليد التي تمسكني بقسوة هي السّبب، فأنا أشعر بالاختناق من شدّة الضغط ومع هذا أصبر، في سبيل أن يرسم الأطفال رسوماً حلوة.‏

    اقتنعت الورقة بكلام القلم، وابتسمت راضية، ثمّ اقتربت منه، كأنّها تريد أن تسمعه تغريد العصفور المرسوم فوقها.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  46. #196
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    جلس نبيل وليلى إلى مائدة الإفطار متقابلين‏

    نظرت ليلى إلى باقة الورد أمامها، قالت:‏

    -الله.. ما أحلى الورود، إنّها تفتح الشّهيّة.‏

    تلمّظ نبيل، قال:‏

    -صحيح، لكن أين الطّعام؟ أنا لا أرى سوى ملعقتين.‏

    ثم مدّ يده ليمسك الملعقة، لكنّه توقّف وقال:‏

    -انظري يا ليلى، الملعقتان تشكلان رقم سبعة.‏

    تعجّبت ليلى، قالت:‏

    -تقصد ثمانية.‏

    -لا.. سبعة يا كسولة.‏

    غضبت ليلى، قالت:‏

    -قلت لك ثمانية يا غبي.‏

    تعالت الأصوات، سبعة، ثمانية، كسول، غبيّة.‏

    فجأة.. حضرت الأم ممسكة بيدها صحناً مليئاً (بالفول المدمّس). وضعت الصّحن على الطّاولة، قالت:‏

    -لمَ الصراخ... عيب.. ما القصة؟‏

    قال نبيل محتدّاً:‏

    -أليس هذا هو الرقم سبعة؟ وأشار إلى الملعقتين.‏

    ضربت ليلى الطاولة بقبضتها الصغيرة، قالت:‏

    -بل ثمانية.. ثمانية، ألا تفهم؟!‏

    ضحكت الأم، قالت:‏

    -طيّب.. ليجلس كلّ منكما مكان الآخر، ويقرأ الرّقم.‏

    وفور تبادلهما، سألت الأم:‏

    -اقرأ يا نبيل.‏

    خجل نبيل، وتمتم قائلاً:‏

    -ثمانية.‏

    -وأنت يا ليلى، اقرئي.‏

    حكّت ليلى رأسها، قالت:‏

    -سبعة.‏

    أمسكت الأم الملعقتين، وقدّمتهما لصغيريهما، قائلة:‏

    -كان يجب أن تتناقشا بهدوء، لتصلا إلى نتيجة سليمة، الآن.. تفضّلا بالأكل، قبل أن يبرد الفول.‏

    ابتسم الصغيران، وراحا يأكلان بشهيّة.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  47. #197
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    وضع يزن دفتر الرّسم وعلبة الألوان على المنضدة وجلس قبالة أخته سارة، ليلعبا لعبة التخيّل.‏

    قال يزن:‏

    -ابدئي يا سارة، وحدّدي حرفاً، كي أرسم شكلاً يشبهه.‏

    فكّرت سارة قليلاً، قالت:‏

    -لنبدأ من الحرف الأوّل، الألف.‏

    أمسك يزن القلم الأخضر، ورسم شجرة سرو، يقف على رأسها طائر جميل، ثمّ قال:‏

    -شجرة السّرو هي الألف، والطائر يمثّل الهمزة.‏

    ابتسمت سارة راضية، وقالت:‏

    -حدّد لي حرفاً، وسأرسم له شكلاً مناسباً.‏

    دفع يزن الدّفتر باتّجاه سارة، وقال لها:‏

    تخيّلي شكلاً لحرف الباء.‏

    حكّت سارة رأسها، ثمّ أمسكت بالقلم البنّي، وراحت ترسم زورقاً صغيراً، وبدل النقطة، رسمت سمكة صغيرة.‏

    صفّق يزن قائلاً:‏

    -ما رأيك أن نصطاد هذه السّمكة بالصّنارة؟‏

    صاحت سارة:‏

    -الصّنارة المعقوفة، تشبه حرف الحاء!!‏

    رسم يزن الصّنارة أمام الزّورق، فجأة، نطت سارة فرحة، وقالت:‏

    -أ.. ح.. ب، الله – أُحِبْ- ما أروع هذه الكلمة.‏

    نظر يزن دهشاً إلى الصّفحة، فتخيّل أنّها تمتلئ بالأزهار والعصافير والأشجار.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  48. #198
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    على حائط ممّر طويل، وبجانب ساعة نحاسيّة الأرقام، عُلّق ميزان حرارة زئبقي.‏

    مرةً.. حاول الميزان أن يرتاح، لكنه لم يستطع، التفت إلى السّاعة قال:‏

    -ساعة، هل سيبقى الطقس متقلّباً؟ أنا لا أستطيع الرّاحة، بطني الكبيرة تؤلمني، فكلما ارتفعت درجة الحرارة أو انخفضت، تحرّك زئبقي واندفع عبر عنقي الطوّيل، لماذا لا تبقى الحرارة ثابتة؟‏

    تكّت السّاعة عدّة تكّات، قالت:‏

    -إذا بقيت الحرارة ثابتة، فلن تتغيّر الفصول، ولن يتبدّل اللّيل والنّهار.‏

    -لكنّني تعبت لكثرة الصّعود والهبوط.‏

    -ميزان.. اسمع هذه القصة:‏

    ذات يوم كُسر أحد مسنناتي، أنت لم تكن قد علّقت بجانبي بعد لقد توقفت مدّة ثلاث وعشرين ساعة، في البداية فرحت، لأنّ عقاربي داخت لكثرة الدّوران، لكن، بعد فترة قصيرة شعرت بالملل، لأنّني لم أعد أشير إلى مواعيد الاستيقاظ والطّعام والنّوم.‏

    صار وجهي المدوّر شاحباً ومريضاً، لم أشعر بالحياة تعود إلي إلاّ بعد أن تمّ إصلاحي، وعدت إلى عملي.‏

    فكرّ الميزان ذو العنق الطّويل، بكلام السّاعة، وقال:‏

    -أشكركِ يا صديقتي، لقد شجّعتني على العمل، سيبقى زئبقي يرتفع وينخفض:‏

    مع كل بزوغ شمس وطلوع قمر.‏

    مع كل هبوب ريح وهطول مطر.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  49. #199
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    عند الفجر، نطّ الدّيك على سطح الخم، صفّق بجناحيه الملونين، وصاح:‏

    -كوكو.. كوكو..‏

    فتح الحمار عينيه الكبيرتين، ضرب الأرض بحافره، وقال غاضباً:‏

    -اخرس أيّها الدّيك، ما هذه العادة؟ كلّ صباح توقظ الحيوانات بصوتك البشع، لقد قطعت مناماً جميلاً كنت أراه.‏

    تضايق الدّيك، فصار لون عرفه كالدّم، لكنّه ضبط نفسه، وقال:‏

    -وماذا رأيت، يا حمار؟‏

    -رأيت بيدرنا مزّيناً بالمصابيح، الحيوانات تجلس حوله بشكل دائري، البطة، الكلب، المعزاة، أنت ودجاجاتك، إضافة إلى ابني الصّغير (جحّوش) أمّا أنا- الحمار- فكنت أقف على ظهر البيدر، واضعاً في عنقي طوقاً من الورد كنت أغنّي، بمناسبة عيد الحصاد، بينما كانت الحيوانات تتمايل طرباً.‏

    ضحك الدّيك حتّى كاد يقع من فوق الخم، وقال:‏

    -حمار.. ما هذا الكلام، كيف تسمح لك الحيوانات بالغناء، وصوتك من أنكر الأصوات.؟ على كل حال إنّه حلم لا أكثر.‏

    غضب الحمار، نصب أذنيه على شكل رقم 11- وقال:‏

    -ديك.. الزم حدودك، واعرف مع من تتكلّم، أنا مطرب، أباً عن جد، صوتي جميل ومؤثّر، حتى أنّني أستطيع أن أجعل كل من يسمعني يرقص فرحاً.‏

    ابتسم الدّيك ابتسامة خفية، قال:‏

    -طيّب.. إذا كنت صادقاً، أسمعنا صوتك، وسنرى.‏

    هزّ الحمار رأسه، فتحرّكت أذناه الطّويلتان كمروحتين، أغمض عينيه، أخذ نفساً عميقاً، وراح ينهق.‏

    سمعت الحيوانات نهيق الحمار، فراحت تفكّر في طريقة للخلاص.‏

    البطّة.. ركضت إلى المستنقع، وغطست تحت الماء كي لا تسمع شيئاً.‏

    الكلب.. ترك بيت الحراسة، وجرى إلى مسكبة البصل، قلع بصلتين، وأدخلهما في أذنيه.‏

    المعزاة.. أمسكت أذنيها الطوّيلتين بأظلافها، وربطتهما تحت ذقنها كي لا يتسرّب إليهما الصّوت.‏

    أمّا الدّيك، فقد دخل القن، مغلقاً الباب خلفه.‏

    فجأة.. خرج صاحب المزرعة من بيته، ركض صوب حماره صائحاً:‏

    -هش.. هش، صرعتنا.‏

    فتح الحمار عينيه، وبدل أن يشاهد أصدقاءه يرقصون فرحين رأى صاحبه يقترب منه عابساً، حاملاً اللّجام بيده.‏


    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

  50. #200
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    AUSTRALIA
    المشاركات
    3,952

    افتراضي

    بطلة قصتنا عصفورة، والقصة حدثت منذ عام، وبدأت.... في صباح خريفي جميل، وقفت العصفورة زقزوقة على شجرة كينا قبالة إحدى المكتبات، كثيراً ما كانت زقزوقة تقف على تلك الشجرة دون أن تثيرها الصحف و المجلات الملونة.‏

    هذا اليوم..... تغيّر حالها.‏

    هاهي ترفرف أمام واجهة المكتبة بعصبية، تصعد... تهبط... تنقر الزجاج بمنقارها و... تقرأ خبراً مصوراً نشرته إحدى الصحف على صفحة الغلاف.‏

    يقول الخبر:‏

    "فاز البلبل كناري بجائزة أجمل عصفور في العالم، وقد أُهدي قفصاً ملكياً صنع من الذهب الخالص، وسيتم وضع القفص والكناري في غرفة زجاجية مطلة على نهر الورد ليتفرج الناس عليهما.‏

    حزنت زقزوقة، حطّت على غصن قريب من الواجهة، ناظرة إلى البلبل بحسد. فجأة... حطَّ رفيقهازقزوق بجانبها، وقال مبتسماً:‏

    ـ صباح الخير يا حلوة، كيف الحال؟‏

    ردّت زقزوقة بفتور:‏

    ـ بخير..‏

    قال زقزوق... بدهش:‏

    ـ ما بك يا رفيقي، هل رماك أحد الأولاد بحجر؟‏

    ـ لا...‏

    ـ طيّب ما القصّة... خبّريني؟‏

    انتفضت زقزوقة، وقفت قبالة رفيقها، قالت:‏

    ـ ألست جميلة؟‏

    ـ بل.. أنت أجمل عصفورة في العالم.‏

    ـ إنَّك تجاملني.‏

    لم يصدّق زقزوق ما سمع، لماذا تكذِّبه... لماذا تصرخ في وجهه؟!...‏

    تمالك نفسه، وقال بهدوء:‏

    ـ زقزوقة... مابكِ.. خبّريني؟..‏

    أشارت بجناحها إلى المجلّة، قالت:‏

    ـ انظر... ذاك أجمل عصفور في العالم ولست أنا كما تدّعي، لقد صنعوا لـه قفصاً من الذهب الخالص، ووضعوه في أحلى مكان... على ضفة نهر الورد ضمن بيت من الزجاج كي يراه الناس ويمدحوه، وفوق كل هذا نشروا صورته في الصحف والمجلاّت.‏

    هزَّ زقزوق رأسه، قال:‏

    ـ هاها... الآن عرفت السبب، أرجوكِ... لا تنزعجي، يكفي أنك في عينيَّ أحلى عصفورة في العالم.‏

    ـ هذا لا يكفي... المهم أن أصبح أحلى عصفورة في عيون الجميع.‏

    ـ ومن قال أنك لست حلوة في عيون الجميع؟ الكل يحبِّكِ...‏

    ـ لا تخدعني. لو كنت كما تقول لانتخبوني ملكة للجمال بدلاً من ذاك الكناري. أفْ. ثم طارتْ... تاركة رفيقها واقفاً على الغصن كالتمثال.‏

    انقضى ذلك اليوم.. ومرَّ بعده يوم ويومان وثلاثة و....‏

    زقزوق يبحث عن خطيبته، على أغصان الأشجار... قرب نافورة الماء، وفي شقوق الحيطان. يسأل عنها حتى العصافير الصغيرة ذوات المناقير اللينة دون أن يعرف أنَّها تقف على سلك كهرباء في طرف المدينة. ومع من؟ مع طائر سنونو.‏

    إنها المرة الثالثة التي يتحادثان فيها، يقفان على السلك نفسه، وكالعادة تبدأ هي الحديث:‏

    ـ متى ستسافر جهة الجنوب.. أقصد إلى نهر الورد؟..‏

    ـ سأهاجر بعد يومين، إلى تلك المنطقة الدافئة، بدأت أشعر بالبرد، ألم أخبرك بذلك من قبل؟...‏

    ـ بلى... لكنني أحببتُ أن أذكركَ، أرجوك مُرَّ على...‏

    ـ سأمرَّ على ذلك الكناري..... والله سأمر، سأسأله عن وجبات طعامه... وشرابه، مواعيد نومه واستيقاظه.‏

    ـ ولا تنسَ أن تسأله: كيف يمكنني التقدم للمسابقة.‏

    ـ حاضر.... وسأخبرك الجواب في الربيع المقبل.‏

    ـ على كل حال سأذكرك قبل رحيلك بساعة.‏

    وقبل الرحيل بساعة، يلمح زقزوق رفيقته واقفة مع طائر السنونو، إنهما يتحدثان... يزقزقان... ويتعانقان عناق الوداع.‏

    أحسّ زقزوق بقلبه ينكسر، طار إليها بعد أن رحل طائر السنونو، وبصوت حزين، قال:‏

    ـ لماذا هجرتني وأحببت ذلك السنونو؟ الظاهر أن شكلي لم يعد يعجبك...‏

    ردّت زقزوقة بانزعاج:‏

    ـ إنَّه مجرّد صديق.‏

    رفرف زقزوق فرحاً، قال:‏

    ـ إذاً ما زلت تحبينني... آه... سنتزوج في الربيع القادم، سأبني لك أحلى عش.‏

    ـ لا...‏

    ـ ماذا قلتِ؟!..‏

    ـ أقصد أننا لن نتزوج قبل أن أفوز بجائزة أجمل عصافير العالم، فهمت... أم أشرح لكَ.‏

    ـ لكن...‏

    ـ لا تحاول إقناعي. أنا مصمّمة.‏

    ثم طارت... وتركته.‏

    وتدور الفصول.. ينتهي الخريف... فيأتي الشتاء، يرحل الشتاء، فيقبل الربيع.‏

    تبتسم الشمس... تتفتح الزهور... تنتشر العطور... تزقزق العصافير.... و..... ترجع أسراب السنونو بعد غياب طويل.‏

    تدور في سماء المدينة فرحانة، تشدو أغنية الدفء.‏

    يضحك الأطفال وتهتزّ الأزاهير و....‏

    تقف زقزوقة باضطراب على سلك الكهرباء.... ناظرة إلى أسراب السنونو، علّها تلمح صديقها وقد جاءها بالجواب.‏

    ويترك طائر السنونو سربه، يتجه إلى زقزوقة كالشهاب، يقف بجوارها، تعانقه زقزوقة قائلة:‏

    ـ حمداً لله على سلامتك... هل قابلت الكناري.؟..‏

    ضحك طائر السنونو، قال:‏

    ـ هذه عادتكِ.... لا تتغيّر، تسألين مباشرة عن أموركِ، أَيْ نعم... قابلته.‏

    ـ رائع. وماذا قال؟...‏

    ـ اسمعي. قال بالحرف الواحد: لكي تصبحي أحلى الحلوات يجب أن تفطري بذور تين، وتتغدي نصف دودة أرض، ولا يجوز إطلاقاً أن تتعشي... كي لا تسمني، ويقل جمالك.‏

    ـ والشراب... ماذا قال عنه؟..‏

    ـ قال: اشربي قطرات الماء السائلة على تويجات الأزهار.‏

    ـ تقصد قطرات الندى؟...‏

    ـ نعم... نعم... لعن الله النسيان.‏

    ـ ومواعيد النوم.‏

    ـ هذه سهلة. زيدي ثلاث ساعات على ساعات نومك المعتادة.‏

    ـ فهمت.. والآن جاء دور السؤال الأهم: كيف يمكنني التقدم للمسابقة.‏

    أطرق طائر السنونو قليلاً، قال:‏

    ـ صراحة.... للمسابقة شرط صعب.‏

    ـ ماهو؟..‏

    ـ أن تعيشي في قفص، فالمتسابقون هم من طيور الأقفاص تحديداً..‏

    ـ بسيطة. سآكل وأشرب وأنام حسب النظام الذي وضعه الكناري لمدة شهر ثم أدخل إلى أحد البيوت، فيمسكني أصحابه ويضعونني في قفص.‏

    ـ وحريتك؟...‏

    ـ ما فائدة الحرية؟..‏

    ـ فائدتها أنها تشعرك بالسعادة...‏

    ـ أغمضت زقزوقة عينيها، قالت:‏

    ـ سعادتي الوحيدة هي أن أصبح أجمل عصافير العالم.‏

    وتشرع زقزوقة بتنفيذ خطتها بسرية تامة، بعيداً عن الجميع. ورفيقها المسكين. يبحث عنها من شروق الشمس وحتى الغروب، همّه الوحيد أن يجدها مهما كان الثمن.‏

    وبعد شهرين من التعب، يسمع زقزوق صدفة صوت زقزوقة.‏

    يقف على الحائط باحثاً عن مصدر الصوت و....‏

    يكاد يموت حزناً، لقد لمح زقزوقته حبيسة قفص صغير، قضبانه من الحديد الصدئ إنّه معلّق على حائط الشرفة، جانب حزمة من الثوم.‏

    كان اللقاء مؤثراً، طار زقزوق إليها... رأته... ضربا بجناحيهما قضبان القفص... زقزقا... نفشا ريشيهما... حكّا منقاريهما... وبصوت مبحوح بدأ زقزوق الكلام:‏

    ـ زقزوقة... كيف حالك يا رفيقتي؟..‏

    ـ بخير... بخير...‏

    وراحت تبكي.‏

    ـ تماسكي يا حلوة... كوني قوية.... أخبريني. كيف وصلت إلى السجن..؟‏

    ـ آه يا رفيقي العزيز، أرسلت طائر السنونو سراً إلى الكناري لأعرف سرَّ جماله، ثم فعلت مثلما يفعل، ضحَّيت بحرّيتي... لكن للأسف لم يسمحوا لي أن أشترك بالمسابقة.‏

    ـ لماذا؟...‏

    ـ تصوّر... قالوا إنني بشعة، معهم حق... فالقفص سبب شحوبي، لقد سئمت الحياة بداخله، لكن العجب أن الكناري أيضاً يعيش في قفص.‏

    ـ صحيح... لكنه ولد فيه، عشَّه صحن خزفي مبطن بلبّاد، أمّا أنت فولدت في البراري فوق غصن نضر، حيث الشمس والهواء العليل، ومن المستحيل القول أن الطبيعة مثل القفص.‏

    بكت العصفورة بحرقة، قالت:‏

    ـ معك حق... لكن ما نفع الندم؟ يالغبائي... أصبحت أبشع عصفورة في العالم.‏

    قال زقزوق مشفقاً:‏

    ـ لا تقولي هذا، ما زلت أحلى عصفورة في الدنيا.‏

    نظرت زقزوقة إلى رفيقها دهشة، تأملته طويلاً... شعرت أنها تراه للمرة الأولى، تفحّصت منقاره... ريشه... عينيه، كان يبدو جميلاً... ساحراً... إنه أحلى من طائر الكناري بعشر مرّات، على الرغم من أنه يأكل في الوجبة الواحدة خمس دودات أرض بدلاً من نصف دودة.‏
    اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لجدي علي عزالدين قبيطر مغفرة تغشاه من فوقه ومن أسفل منه..

صفحة 4 من 6 الأولىالأولى ... 23456 الأخيرةالأخيرة

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •