النتائج 1 إلى 11 من 11
  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي خلاصة السيرة المحمدية ومقدمة في حكم الإحتفال بالمولد - الشيخ العلامة محمد رشيد رضا

    بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    فمع اقتراب ذكرى مولد خير الخلق، سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، نقدّم لكم مختصرا لسيرته صلوات ربي وسلامه عليه، اختصرها العلم العلامة والحبر البحر الفهامة، المتقن الفقيه المتفنن والمفسر المحقق القدوة، شيخ المحدثين في عصره ومصره الشيخ محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا بن علي خليفة القلموني الطرابلسي البغدادي القاهري المصري، رحمه الله رحمة واسعة.

    وقد نشر الشيخ رشيد رحمه الله هذا المختصر في مجلة المنار على حلقات تحت عنوان "ذكرى المولد النبوي"، ثم قام بطبعه في كتيب مستقل تحت عنوان "خلاصة السيرة المحمدية"، بعد أن أضاف إليه وحذف منه أمورا. لكني لم أقف على هذا الكتاب، فنقلت لكم الأصل الذي نشره في مجلة المنار.

    وقد قام الشيخ رحمه الله بعد نشر هذه السيرة في مجلته المنار، بنشر مقالة بعنوان "مقدمة لذكرى المولد" ذكر فيها حكم الإحتفال بالمولد النبوي، وأقوال المجيزين والمانعين. وقد ارتأيت أن أضع هذه المقالة قبل وضع السيرة، لأنها بحكم المقدمة لها.

    وسأقوم بعون الله برفع الموضوع على حلقات ليتيسر متابعته. وأدعو الأخوة والأخوات الأعضاء للصبر على قراءته ومتابعته رغم طوله لما فيه من فوائد بإذن الله.

    كما سأقوم بإغلاق الموضوع حتى الإنتهاء من رفعه لكيلا تتداخل مشاركات الأعضاء مع أصل الموضوع... وبعد الإنتهاء منه سأقوم بفتحه ليتسنى لمن شاء من الأعضاء التعليق عليه...

    أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد وأن يلهمنا الصواب ويوفقنا دائما لسبيل الرشاد...

    وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا...

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    مقدمة لذكرى المولد النبوي
    فيها بيان تاريخ الاحتفال بالمولد وحكمه شرعًا

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وآله وصحبه ومَن والاه. أما بعد:

    فإن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف قد صار عادة عامة، وقد اختلف في كونها بدعة حسنة أو بدعة سيئة كما سيأتي، والمشهور أن المُحْدِث لها هو أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن علي بن بكتكين التركماني الجنس الملقب الملك المعظم مظفر الدين صاحب إربل [1] أحدثها في أوائل القرن السابع أو أواخر القرن السادس، فإن السلطان صلاح الدين ولاه على إربل في ذي الحجة سنة 586 وتوفي سنة 630.

    وقد كان سخيًّا متلافًا صاحب خيرات كثيرة، وكان ينفق على الاحتفال بالمولد ألوفًا كثيرة، ففي تاريخ ابن خلكان أنه كان ينصب له مقدار عشرين قبة من الخشب، كل قبة منها أربع طبقات أو خمس طبقات، له قبة منها والباقي للأمراء وأعيان دولته، وكانوا يزينون هذه القباب في أول شهر صفر بأنواع الزينة الفاخرة، وكان يكون في كل قبة جوق من الأغاني وجوق من أرباب الخيال ومن أصحاب الملاهي، بل كانوا لا يتركون طبقة من الطبقات بغير جوق من تلك الأجواق. وكان الناس يتركون كل عمل في تلك الأيام، فلا يبقى لهم شغل إلا التفرج والدوران على القباب.

    قال ابن خلكان: فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئًا كثيرًا زائدًا عن الوصف وزفَّها بجميع ما عنده من الطبول والأغاني والملاهي حتى أتى بها إلى الميدان ثم يشرعون في نحرها وينصبون القدور ويطبخون الألوان المختلفة، فإذا كانت ليلة المولد[2] عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة ثم ينزل وبين يديه من الشموع المشتعلة شيء كثير، وفي جملتها شمعتان أو أربع - أشك في ذلك - من الشموع الموكبية التي تحمل كل واحدة منها على بغل ومن ورائها رجل يسندها وهي مربوطة على ظهر البغل. فإذا كانت صبيحة يوم المولد أنزل الخلع من القلعة إلى الخانقاه على أيدي الصوفية على يد كل شخص منهم بقجة، وهم متتابعون، كل منهم وراء الآخر، فينزل من ذلك شيء كثير، لا أتحقق عدده.

    ثم ذكر عرضه الجند وتوزيعه تلك الخلع بعد ذلك على الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء ومد السماط. وكان قد ذكر قبل ذلك أن الناس كانوا يأتون هذا الموسم في إربل من بغداد و الموصل و الجزيرة و سنجار و نصيبين وبلاد العجم وتلك النواحي، فلا يزالون يتواصلون من شهر المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول.

    لخصت هذا من تاريخ ابن خلكان الذي وصف ما رآه بعينيه؛ لأن ما يُعمل بمصر الآن يشبه ما كان يعمل في إربل، إلا أنه دونه عظمة ونفقة، فهَاهُنا تنصب قباب أو خيام النسيج الجميلة لعزيز مصر ولوزارات حكومته ولبعض الوجهاء في دائرة واسعة ويختلف إليها الناس من أول شهر ربيع الأول، يسمعون في بعضها وعظ الوعاظ، وذكر أرباب الطرق المعروفة. ويرأس الاحتفال شيخ مشايخ طرق الصوفية، ويقيم بجانب خيمته مأدبة فاخرة في مساء اليوم الحادي عشر من الشهر، يحضرها كبار العلماء وكثير من الوجهاء، ويكون الاحتفال الأكبر في الليلة الثانية عشرة في خيمته فيجتمع فيها مَن حضر المأدبة، ويؤمها الأمراء والوزراء، حتى إذا ما انتظم جمْعهم حضر عزيز مصر بحاشيته، وتقرأ بين يديه قصة المولد، فيخلع على مَن يقرأها خلعة سنية، وتدار بعد قراءتها كؤوس الشراب المحلّى وصواني الحلوى الجافة. ثم ينصرف العزيز إلى خيمته وهي بجانب قبة شيخ الشيوخ، فيمكث فيها ساعة زمانية، يشاهد في أثنائها زينة الألعاب النارية، ثم ينصرف وينصرف الأمراء والوزراء، ويظل الناس يطوفون على تلك الخيام المزينة بالأنوار الكهربائية وغير الكهربائية عامة ليلتهم. وفي ضحوة ذلك اليوم يحضر نائب العزيز قبة شيخ الشيوخ فتعرض عليه مواكب الصوفية، يتقدم كلَّ طريقة شيخُها، وهم يهللون أو يتلون الأوراد، ويقف كل منهم أمام شيخ الشيوخ قليلاً، فيحييه، ثم ينصرف.


    الهوامش:

    (1) إربِل بوزن إثمد، وضبط في المتن بفتح الباء غلطًا.

    (2) هي الليلة التاسعة من ربيع الأول على المختار عند المحدثين، أو ليلة 12 منه على المشهور عند الجمهور، وكان مظفر الدين يراعي الخلاف، فيجعلها ليلة تسع في سنة، وليلة 12 في أخرى.


  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    وقد استحسن جماهير المسلمين الاحتفال بالمولد في مشارق الأرض ومغاربها ويجتمعون لقراءة قصته في المساجد، ومنهم مَن يجعل لها دعوة خاصة في البيوت، وهذه لا تتقيد بجعلها في تاريخ الميلاد النبوي، ولكن أنكر هذا الاحتفال بعض العلماء، وعدَّه بدعة مذمومة؛ لأنه عُدَّ موسمًا وشعارًا دينًا وعبادة غير مشروعة، يظن العوام أنها مشروعة؛ ولما يقترن به من المنكرات الأخرى.

    وقال بعضهم: إنه بدعة حسنة؛ لأنه عبارة عن الشكر لله تعالى على وجود خاتم أنبيائه وأفضل رسله بإظهار السرور في مثل اليوم الذي وُلد فيه، وبما يكون فيه من الصدقات والأذكار، وقد ألف الجلال السيوطي رسالة في عدِّه بدعة حسنة في جواب مَن سأل عن حكمه شرعًا، وعرفه بقوله:
    هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة في مبدإ أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط، فيأكلون، وينصرفون من غير زيادة على ذلك.
    وذكر أن الحافظ ابن حجر سُئل عنه، فأجاب بقوله: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن جرد في عمله المحاسن، وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، ومَن لا فلا.
    ثم بيّن أن الحافظ خرجه على حديث الصحيحين في صيام عاشوراء شكرًا لله تعالى على إنجائه فيه موسى نبيه، وإغراق فرعون عدوه، قال: فيُستفاد منه الشكر لله على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من بروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم؟
    وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء ومَن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، وتوسع قوم، فنقلوه إلى أي يوم من السنة، وفيه ما فيه. فهذا ما تعلَّق بأصل عمله. وأما ما يعمل فيه فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من الإطعام وإنشاد شيء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة، وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك فينبغي أن ما كان من ذلك مباحًا بحيث يتعين للسرور بذلك اليوم - لا بأس بإلحاقه به وما كان حرامًا أو مكروهًا فيمنع وكذا ما كان خلاف الأولى. اهـ.

    وقد يقال: لماذا لم يقم بهذا الشكر أحد من الصحابة والتابعين ولا الأئمة المجتهدين ولا أهل القرون الثلاثة الذين شهد الشارع لهم بالخيرية؟ فهل كان صاحب إربل التركماني ومَن تبعه أعلم وأهدى منهم وأعظم شكرًا لله تعالى؟
    ويقال مثل هذا في تخريج الحافظ ابن رجب إياه على تعليل صيام يوم الإثنين بأنه يوم وُلد فيه صلى الله عليه وآله وسلم، وسيأتي مزيد بيان لحجة المخالف.

    وخرجه السيوطي على أصل آخر استنبطه من تخريج شيخه الحافظ، وهو ما رواه البيهقي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقّ عن نفسه بعد النبوة، (قال):
    مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته، كما كان يصلي على نفسه؛ لذلك فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه الآيات وإظهار المسرات. اهـ.

    وهذا تخريج ضعيف من وجوه:
    (أحدها) أن هذا الحديث منكر كما قال راويه البيهقي، بل باطل كما قال النووي في شرح المهذب.
    (ثانيًا) أنه لو صح لكان دليلاً على استحباب عقّ الإنسان عن نفسه ولم يقل بهذا أحد.
    (ثالثها) جعل قولهم: إن العقيقة لا تعاد حجة على الحديث على تقدير صحته، مع كون عبد المطلب عقّ عنه صلى الله عليه وسلم.
    (رابعها) أنه لو كان تشريعًا لعمل به الصحابة وغيرهم وقال به أئمة الفقهاء أو مَن بلغه منهم.
    (خامسها) أن يوم البعثة كان أوْلَى بهذا الشكر من يوم الولادة؛ لأن النعمة والرحمة إنما كانت برسالته صلى الله عليه وسلم بنص قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 107).

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    وحجة المنكرين في هذا الباب أن كل بدعة دينية تعد من العبادات المحضة أو تُجعل من شعائر الدين - فهي محظورة؛ لأن الله تعالى أكمل الدين وأجمعت الأمة على أن أهل الصدر الأول أكمل الناس إيمانًا وإسلامًا، وأن كل بدعة ليست من هذا القبيل - كالمنافع الدنيوية والوسائل التي يقوَّى بها أمر الدين والدنيا كالمدارس والمستشفيات والملاجئ الخيرية التي يثاب صاحبها بحسن نيته فيها - فإنها تعد بدعة حسنة، والتحقيق أن هذه لا تسمى بدعة شرعية، وإنما يطلق عليها اسم البدعة لغةً، فلا تدخل في عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث الصحيح عند مسلم: (شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)؛ لأن موضوع الحديث المحدثات في أمر الدين، ولكنها تعد من السنن الحسنة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة) -الحديث (وهو في صحيح مسلم أيضًا) فقد رَغَّبَ أمته بهذا الحديث في الاختراع النافع لها في دينها ودنياها، ولكن ليس لأحد أن يخترع في الدين نفسه شيئًا.

    ثم إن البدعة الدينية إما أن تكون اختراع عبادة أو شعارًا دينيًّا لا أصل لهما وإما أن تكون تخصيصًا لعبادة مشروعة بزمان معين أو مكان معين أو هيئة معينة لم يخصصها بها الشارع. ومن هذا النوع عَدَّ الفقهاء صلاة الرغائب في رجب وصلاة ليلة النصف من شعبان من البدع المذمومة. قال النووي في المنهاج:
    وصلاة رجب وشعبان بدعتان قبيحتان مذمومتان. وقد سمّى الشاطبي هذا النوع بالبدع الإضافية، وسمى النوع الأول البدع الحقيقية. وأطال في بيان ذلك في كتابه (الاعتصام) وفصله تفصيلاً.

    هذا، وإن ما يعهد من الاحتفال بالمولد ليس عبادة مأثورة عن الشارع يؤتى بها على الوجه المشروع، ولا هو عمل دنيوي محض، بل يجمعون فيه عبادات يأتون بها أو ببعضها على وجه غير مشروع، وبين لعب ولهو، بعضه مباح وبعضه محظور، وقد كان يكون في احتفال القاهرة خيام يرقص فيها النساء المتهتِّكات مكشوفات الصدور والبطون، كما يحصل دائمًا في غيره من احتفالات الموالد - كالمولد الحسيني والمولد البدوي - وما هو شر من ذلك، ولكن قد أبطل هذا كله من الاحتفال الذي يكون في القاهرة، ولله الحمد.

    وقد حاول مَن ذكرنا من العلماء تخريجه على أصل شرعي بإبطال ما يكون فيه من اللهو والاقتصار فيه على عمل الخير، ولولا تخصيص تلك العبادة بالزمان والمكان والصفات المخصوصة التي تشبه بها الشعائر والعبادات المشروعة وتلتبس بها - لما احتيج في تخريجه إلى ما تكلفوه.

    وأما اجتماع الناس في مثل القباب والخيام التي تنصب في العباسية، وتزين بالمصابيح والأنوار الكهربائية، وإظهار البهجة والسرور، بذكرى مولد ذي الضياء المعنوي والنور، وذكر إخراج الله الخلق بهديه من الظلمات، وما آتاه من الهدى والآيات - فهو في نفسه من المباحات، المقرونة بالمستحبات والمندوبات، بشرط أن يخلو من البدع والمنكرات، وأن لا يعد من الشعائر الدينية ولا من العبادات، فإذا كان بحيث يظن العامة أنه مطلوب شرعًا حرم فعله قطعًا، بل كان بعض الصحابة يتركون بعض المسنونات؛ لئلا تظن العامة أنها من الواجبات، ومن هنا صرح الشاطبي في (الاعتصام)[3] بكون اتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عيدًا من البدع، وأفتى ابن حجر المكي بأن القيام عند ذكر ولادته صلى الله عليه وسلم بدعة، وذكر أن الناس يفعلونه تعظيمًا وقال: (فالعوام معذورون لذلك بخلاف الخواص)[4] وقد علل فتواه بأن القيام يوهم العامة أنه مندوب، ويزاد عليه أن بعضهم يظن أنه واجب، وقد يعلل أيضًا بأنه يُفعل بهيئة العبادة لما يكون من الصلاة المخصوصة المعينة بالعدد في أثنائه.

    ولكن لم يأخذ أحد بهذه الفتوى، فما زال العلماء يقومون كغيرهم ولم نَرَ لهم ردًّا للفتوى بدليل أرجح من دليلها، ولعل أكثر العوام يعتقدون وجوب هذا القيام لالتزام العلماء وسائر الناس له، ولو فطنوا لِتَرْك أحدٍ له لعدُّوه فاسقًا متهاونًا بالدين أو كافرًا مارقًا منه!، ولعلك لو اقترحت على جماعة العلماء - الذين يحضرون قراءة قصة المولد - تركه في بعض الأوقات ليعلم العامة أنه غير واجب لما تجرءوا على ذلك.


    الهوامش:

    (3) ص34 من الجزء الأول.

    (4) ص 60 الفتاوى الحديثية له.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    والحق أن قصد التعظيم هو الذي زين للعوام والخواص أمثال هذه البدع. فإن من طباع البشر أن يبالغوا في مظاهر تعظيم أئمة الدين أو الدنيا في طور ضعفهم في أمر الدين أو الدنيا؛ لأن هذا التعظيم لا مشقة فيه على النفس، فيجعلونه بدلاً مما يجب عليهم من الأعمال الشاقة التي يقوم بها أمر الدين أو الدنيا، وإنما التعظيم الحقيقي بطاعة المعظم والنصح له والقيام بالأعمال التي يقوم بها أمره، ويعتز دينه إن كان رسولاً، وملكه إن كان ملكًا. وقد كان السلف الصالح أشد ممن بعدهم تعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم ثم للخلفاء، وناهيك ببذل أموالهم وأنفسهم في هذه السبيل. ولكنهم دون أهل هذه القرون التي ضاع فيها الدين في مظاهر التعظيم اللساني.

    ولا شك أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بكل تعظيم، وليس من التعظيم الحق له أن نبتدع في دينه بزيادة أو نقص أو تغيير أو تبديل لأجل تعظيمه به، وحسن النية لا يبيح الابتداع في الدين؛ فقد كان جُل ما أحدث أهل الملل قبلنا من التغيير في دينهم عن حسن نية، ومازالوا يبتدعون بقصد التعظيم وبحسن النية؛ حتى صارت أديانهم غير ما جاءت به رسلهم!

    ولو تساهل سلفنا الصالح كما تساهلوا وكما تساهل خلفنا الذين اتبعوا سَنَنهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع - لضاع أصل ديننا أيضًا، ولكن السلف الصالح حفظوا لنا الأصل، فالواجب علينا أن نرجع إليه ونعَض عليه بالنواجذ، ويجب على العلماء أن يبينوا للناس الإحداث والبدع محذرين منها، كما يجب عليهم أن يبينوا لهم الفرائض والسنن مرغّبين فيها، والبيان يحصل بالقول والفعل والإقرار والترك، كما أن التشريع حصل بذلك؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يترك بعض سننه لئلا تُفرض.

    قال الإمام الشاطبي في الاعتصام[5]:
    وقد ثبت في الأصول أن العالِم في الناس قائم مقام النبي صلى الله عليه وسلم، والعلماء ورثة الأنبياء، فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الأحكام بقوله وفعله وإقراره، كذلك وارثه يدل على الأحكام بقوله وفعله وإقراره، واعتبر ذلك ببعض ما أحدث في المساجد من الأمور المنهي عنها، فلم ينكرها العلماء أو عملوا بها فصارت تعد سننًا ومشروعات كزيادتهم مع الأذان: (أصبح ولله الحمد)... إلخ.

    وقد أطال في هذه المسألة وبيَّن مفاسد السكوت قبل هذه العبارة وبعدها، ولا سيما عمل (الخواص من الناس بالبدعة عمومًا وخاصة العلماء خصوصًا) وذكر في هذا السياق أن علماء الصحابة كانوا يتركون بعض السنن لئلا يظن الناس أنها واجبة، ومن ذلك أن أبا بكر وعمر و ابن عباس تركوا التضحية في عيد النحر؛ لئلا يظن الناس أنها واجبة[6] - على أن بعض الفقهاء بعدهم قال بوجوبها - ونُقل عن الإمام مالك أنه قال في الموطأ - في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان - إنه لم يَرَ أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، قال: ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يُلحق أهل الجهالة والجفاء برمضان ما ليس منه لو رأوا رخصة من أهل العلم، ورأوهم يقولون ذلك. اهـ. وقد كان الإمام مالك يعرف الحديث في صيامها، وكلامه يدل على ذلك، كما قال الشاطبي ولكنّ سد ذرائع البدع اقتضى ترك هذا المستحب، ومالك من أشد الأئمة تشديدًا في ذلك.

    ومما نقله عنه الشاطبي وغيره قوله: (مَن أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله يقول: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} (المائدة: 3)، فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا. اهـ [7]، وقوله عندما سئل عن القراءة في المساجد: (لم يكن بالأمر القديم، وإنما هو شيء أُحدث، ولم يأتِ آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، والقرآن حسن). اهـ [8].


    الهوامش:

    (5) ص269، ج2.

    (6) ص276، ج2 من الاعتصام.

    (7) ص149 و150، ج2.

    (8) ص168، ج2 من الاعتصام.


  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    وجملة القول: إن خلط العبادات الدينية باحتفالات الزينة واللهو وجعْل ذلك عملاً واحدًا عن باعث ديني - هو الذي يجعل مجموع تلك الأعمال من قبيل الشعائر الدينية ويوهم العوام أن تلك العادات - وكذا العبادات المبتدعة في هيئتها وتوقيتها وعددها - من أمور الدين المشروعة بهذه الصفة ندبًا أو وجوبًا، كما قال الفقيه ابن حجر في مسألة القيام عند ذكر ولادته عليه أفضل الصلاة والسلام وما يكون فيه من الصلاة المخصوصة كما قلنا.

    وأما قراءة قصة المولد فهي عبارة عن قراءة شيء من الحديث والسيرة النبوية كما قال السيوطي، ولكن كثيرًا من الناس كتبوا (موالد) حشوها بالأحاديث الموضوعة والمنكرة وفي بعضها وصف النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يليق كالتغزُّل بجماله. وكنت منذ سنين أتمنى لو يوجد بين أيدي الناس رسائل في هذا الموضوع يتحرى فيها الصحيح المفيد، عسى أن يستبدل بها بعض ذلك الضار السيئ التأثير، بيد أنني كنت أتحامى أن أكتب في ذلك شيئًا باسم المولد؛ لئلا أكون محدِثًا أو مساعِدًا أو مقرًّا لما لم يفعله السلف الصالح.

    ثم كان أن دعاني في غرة ربيع الأول من عام 1334 شيخ مشايخ طرق الصوفية بمصر السيد عبد الحميد البكري[9] إلى مأدبة أعدها في داره وسماع قصة المولد بعدها، فأجبت الدعوة، وتوسلت بها إلى تنفيذ تلك الفكرة؛ إذ كنت علمت من أحاديث جرت بيني وبينه أنه من محبي الإصلاح للطرق الصوفية وغيرها، وهنالك كلّمته في قصص الموالد المشهورة ووجوب تغييرها، فاستحسن ذلك، فقلت له: أرأيت إذا كتبتُ شيئًا في هذا الموضوع أتستبدل به ما يُقرأ عندك في الاحتفال الرسمي وغيره؟ قال: نعم، فانتهزت هذه الفرصة لبيان الحق في هذه المسألة شكلاً وموضوعًا، ثم شرعت في كتابة شيء من ذلك في ساعات المساء من النهار، فأتممته في بضعة أيام متفرقة، لم تتم أسبوعًا، وكتبت أكثره في دار البكري، وكنت أُطْلعه على ما أكتب، فيُسرّ به، ولكنه جاء طويلاً لا يمكن أن يُقرأ في الحفلة الرسمية كله، فاختصرنا منه نسخة قُرئت من الحفلة الرسمية، فكانت موضع إعجاب أهل الفهم والذكاء من الوزراء والكبراء وغيرهم من أهل الروية.

    ثم اطلع على ما كتبت كله بعض أهل العلم ومحبي الإصلاح فرغبوا إليَّ في طبعه ونشره، ورأوا أنه من أحسن ما يُنشر في هذا العصر لبيان حقيقة دعوة الإسلام وكليات الدين وخلاصة السيرة النبوية، فشرعت في طبعه وزدت فيه عند الطبع حديث البعثة وقصة الهجرة وما تلاها من الخاتمة ومسائل أخرى في أثناء الكلام. طبعته في المنار ثم جردته منه، وطبعته على حِدَتِه، وحذفت مما طبع في المنار جملة وجيزة اقتبستها من (رسالة التوحيد)، وزدت مسائل أخرى قليلة.

    فكان فوق ما كنت أقدر وأتوخى في هذا المقام، الذي اعتيد فيه الاختصار، فجاء كتابًا وجيزًا حاويًا لخلاصة الحقائق المتفرقة في أسفار التاريخ والسيرة النبوية، وكتب التفسير والحديث والعقائد الإسلامية، مبينًا لِكُنْه الإسلام وحقيقته، وكليات أحكامه وحكمته، بعبارة يسهل على الناس فهمها، ويتيسر لمريد الحفظ حفظها، وحروف مضبوطة بالحركات، وأسجاع غير متكلفات، فهو جدير بأن يُقرأ في البيوت وفي المحافل، وبأن يُلقَّن لطلاب العلوم الدينية والدنيوية في المدارس، وإذا اكتفى سامعوه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذكره فُرادى ولم يرفعوا أصواتهم بصيغة مخصوصة في أوقات معينة - لا يكون في قراءتهم ولا سماعهم له شبهة على الابتداع الحقيقي ولا الإضافي.

    وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله وصحبه ومَن تبعهم في هديهم إلى يوم الدين.

    وكتب هذا في 5 رمضان سنة 1335
    محمد رشيد رضا

    الهوامش:

    (9) بيت البكري من أشهر بيوتات مصر، ينتسبون إلى الصديق رضي الله عنه، ويلقبهم الجمهور بقلب السيد كالعلويين.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    خلاصة السيرة المحمدية
    أو
    ذكرى المولد النبوي


    كتبنا رسالة في ذكرى المولد النبوي الشريف بيَّنَّا فيها كيفية نشأة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، ومعنى اصطفاء الله تعالى له ولأهل بيته ولقومه ولأمته، وحكمة ظهوره في العرب الأميين دون شعوب المدنية في عهده، وخبر البعثة والدعوة الإسلامية. وسنجعل لها مقدمة نبين فيها ما ينبغي بيانه نطبعها معها على حدة، وهذا نص الذكرى:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    نحمدك اللهم حمد الشاكرين، أن بعثت فينا محمدًا خاتم النبيين والمرسلين، وأرسلته رحمة للعالمين، واختصصت بمنتك به الأميين وسائر المؤمنين، واستجبت به دعوة إبراهيم، وحققت به بشارة عيسى والنبيين

    {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} (البقرة: 127-129)
    {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} (الصف: 6)
    {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} (آل عمران: 81)
    {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} (آل عمران: 164)
    {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} (الجمعة: 3-4)

    نحمدك اللهم ونصلي على هذا النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه الذين أقاموا الدين، ومن تبعهم في هداهم وهديهم إلى يوم الدين. أما بعد:

    فإن الاحتفال بذكرى المولد النبوي في شهر ربيع الأول، عادة أحدثها في القرن السابع الملك المظفر أبو سعيد صاحب إربل، من البلاد التابعة الآن لولاية الموصل، ثم انتشرت هذه العادة في الأقطار، وقد بَزَّت مصر بها جميع الأمصار، والفائدة التي ينبغي أن تُتَوَخَّى [1] في هذا اليوم الذي فَضَلَ الأيام، هي التذكير بخلاصة تاريخ النبي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ ليتذكر المؤمنون منة الله عليهم ببعثته، وتتغذى أرواحهم بزيادة الإيمان وكمال محبته، ويحرصوا على إقامة دينه وإحياء سنته. وها نحن أولاء نُشَنِّف الأسماع بفرائد من نسبه وحسَبه [2] ومزايا قومه وعشيرته، وأخبار مولده وتربيته، وكيفية معيشته في نفسه، وزواجه وسيرته مع أهله، تمهيدًا لبيان المقصد الأهم الأعظم، وهو نبأ بعثته صلى الله عليه وسلم؛ مستمدين ذلك من الكتاب العزيز والسنة الثابتة عند المحدثين، وما تمس الحاجة إليه مما أثبته ثقات المؤرخين، معرضين عن الروايات الموضوعات، والواهيات والمنكرات، التي عُني الكثيرون بنقلها لما فيها من الخوارق والغرائب، مبالغة فيما أجازه العلماء من قبول الأخبار الضعيفة في المناقب، ولما يُرْجَى من حسن تأثيرها في قلوب العوام، مع الغفلة عما يُخْشَى من ضد ذلك في نابتة هذه الأيام، على أن لنا فيما لا يُحْصَى من الفضائل والمناقب المشهورة والمتواترة، ما يُغني عن جميع الروايات الضعيفة والمنكرة، وبذلك يعرف قدر الإصلاح العظيم، الذي أرسل الله به هذا النبي الكريم، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.

    ***
    قومه ونسبه صلى الله عليه وسلم

    {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ} (آل عمران: 33) إذ جعل فيهم النبوة والهداية للمتقدمين والمتأخرين، ثم اصطفى كنانة من آل إسماعيل بن إبراهيم، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفى سيد ولد آدم من بني هاشم، فكان آل إسماعيل أفضل الأولين والآخرين، كما كان بنو إسحاق أفضل المتوسطين؛ إذ كانت هداية الأنبياء من بني إسحاق وغيرهم خاصة، وهداية هذا النبي من آل إسماعيل عامة، فبه أكمل الله تعالى الدين، وأتم نعمته على العالمين، كما اقتضته سنته تعالى في النُشوء والارتقاء، التي كانت في البشر أظهر منها في سائر الأحياء.

    كيف كان اصطفاء الله تعالى لهذه الأصول من الأمة العربية، الذي ثبت في صحيح مسلم وغيره من كتب السنة السنية؟ وبماذا امتاز قوم خاتم الرسل الكرام، فَفَضَلوا به غيرهم من الأقوام، حتى استعدوا به لهذا الإصلاح الروحي المدني العام، الذي اشتمل عليه دين الإسلام، على ما طرأ عليهم من الأمية وعبادة الأصنام، وما أحدثت فيهم غلبة البداوة من التفرق والانقسام؟

    الجواب:

    كانت العرب ممتازة باستقلال الفكر وسعة الحرية الشخصية، أيام كانت الأمم تَرْسُفُ [3] في عبودية الرياستين الدينية والدنيوية، محظورًا عليها أن تفهم غير ما يلقنها الكهنة ورجال الدين من الأحكام الدينية، وأن تخالفهم في مسألة عقلية أو كونية أو أدبية، كما حظرت عليها حرية التصرفات المدنية والمالية.

    كانت العرب ممتازة باستقلال الإرادة في جميع الأعمال، أيام كانت الأمم مذللة مُسَخَّرة للملوك والنبلاء المالكين للرقاب والأموال، يستخدمونها كما يستخدمون البهائم، ويُصرفونها كما يصرفون السوائم [4] لا رأي لها معهم في سلم ولا حرب، ولا إرادة لها في عمل ولا كسب.

    كانت العرب ممتازة بعزة النفس، وشدة البأس، وقوة الأبدان، وجرأة الجنان، أيام كانت الأمم مؤلفة من رؤساء أفسدهم الإسراف في الترف، ومرؤوسين أضعفهم البؤس والشظف [5] وسادة أبطرهم بغيُ الاستبداد، ومسودين أذلهم قهر الاستعباد.

    كانت العرب أقرب إلى فضيلة المساواة بين الأفراد، من غير شرائع تُحْتَرَم بالاعتقاد، ولا قوانين تكفلها قوة الأجناد. أيام كانت الأمم تنقسم إلى طبقات، يرتفع بعضها على بعض عدة درجات، لا بفضائل ذاتية، من علمية أو عملية، بل بحكم وراثة الخلف الطالحين [6] للسلف المستكبرين، باستبداد الملك أو تقاليد الدين.

    كانت العرب ممتازة بالذكاء واللوذعية، وكثير من الفضائل الموروثة والكسبية. كقِرَى الضيوف، وإغاثة الملهوف، والنجدة والإباء، [7] وعلو الهمة والسخاء والرحمة والإيثار[8] وحماية اللاجئ وحرمة الجار. أيام كانت الأمم مرهقة بالأثرة والأنانية [9] والأنين من ثقل الضرائب والأتاوى [10] الأميرية، ورؤساؤها منغمسين في الشهوات البهيمية، وفساد الأخلاق قد عمَّ الراعي والرعية.

    كانت العرب قد بلغت أَوْج الكمال، في فصاحة اللسان وبلاغة المقال، وكادت تتحد لغات قبائلها أو لهجاتها العربية، وتسود المُضَرِيَّة منها على الحِمْيَرِيَّة، بما كان لقريش وغيرها من الرحلات التجارية، والأسواق الأدبية، فاستعدت بذلك للوحدة القومية وللتأثر والتأثير بالبراهين العقلية والمعاني الخطابية والشعرية وللتعبير عن جميع العلوم الإلهية والشرعية، والفنون العقلية والكونية أيام كانت الأمم تنفصم عُرَى وحدتها بالتعصبات الدينية والمذهبية، وتتفرق وشائجها [11] بالعداوات الجنسية، وتتمزق دولها بالحروب الأجنبية والأهلية.

    فتلك أمهات مزايا الأمة العربية، التي أعدها الله تعالى بها للبعثة المحمدية، والسيادة الدينية والمدنية، بعد أن طال العهد على مدنيتهم العادية، واستعمارهم للبلاد الكلدانية البابلية، والبلاد الفينيقية (السورية) والمصرية، التي تشهد له سيادة لغتهم للُّغات السامية، وبقاياها في اللغة الهيروغليفية [12] وبعد أن غلبت عليهم الأمية، وخرافات الوثنية، وعصبية الجاهلية.

    وجملة مزاياهم أنهم كانوا أسلم الناس فطرة، على كون أمم الحضارة كانت أرقى منهم في كل فن وصناعة. والإصلاح الإسلامي مبني على تقديم إصلاح الأنفس باستقلال العقل والإرادة وتهذيب الأخلاق على إصلاح ما في الأرض من معدن ونبات وحيوان؛ أي إن الله تعالى كان يُعِدُّ هذه الأمة بهذا الإصلاح العظيم، الذي جاء به محمد عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.


    الهوامش:

    (1) تتوخى: تتعمد وتخص بالطلب والقصد.

    (2) الحسب: ما يُعد من مفاخر الآباء.

    (3) ترسف: تمشي مشية المقيد- يشبه تصرفها في استعباد الرؤساء لها بمشي الأسير في قيوده.

    (4) السوائم: المواشي الراعية.

    (5) الشظف: بفتحتين ضيق المعيشة.

    (6) الخلف: بسكون اللام الذين يخلفون غيرهم في الشر، والطالحون بالطاء: الفاسدون فهو ضد الصالحين.

    (7) النجدة: مضاء عزم يبعث على المضي فيما يعجز عنه غيره، والإباء: الترفع عن الخسائس.

    (8) الإيثار: تقديمك غيرك على نفسك بما تحتاج إليه مما تملك.

    (9) الأثرة: تقديم نفسك على غيرك ولو ما هو أولى به منك فهي ضد الإيثار، والأنانية: المبالغة في حب النفس الحامل على الأثرة، وهو نسبة إلى كلمة (أنا).

    (10) الضرائب: جمع ضريبة وهي ما يضرب على العبيد ونحوهم من المال يؤدونه أقساطًا، ومنها الجزية، وضريبة الأرض الخراج والأتاوى جمع إتاوة وهي الرشوة، وتطلق على الخراج ونحوه.

    (11) الوشيج والوشيجة: اشتباك القرابة وتداخل بعضها في بعض وأصله شجر الرماح ونحوه مما يشتبك.

    (12) أقدم مدنية وحضارة عرفها التاريخ مدنية الكلدانيين والبابليين في العراق والمصريين في مصر والفينيقيين في سورية وقد ثبت لدى بعض علماء العاديات (الآثار القديمة) أن أهلها من بلاد العرب.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    ***
    اصطفاء كنانة وقريش وبني هاشم

    أما اصطفاء الله لكنانة الشيخ الجليل، من سلالة نبيه الذبيح إسماعيل، فيفسره ما كانت تحفظه العرب من أخبار كرمه ونبله، ومنها أنه كان على سُنة جده إبراهيم الخليل لا يأكل وحده. وقد نقل الحافظ في شرح البخاري أنهم كانوا يحجون إليه لعلمه وفضله. ومما يؤثر عنه من الحِكَم الجلية، كما روي في السيرة الحلبية: رب صورة تخالف المخبرة، قد غرت بجمالها، واختبر قُبح فعالها، فاحذر الصور، واطلب الخبر.
    فهذا دليل على ما وصف به من العلم والحكمة، وأما حج العرب إليه فإنه دليل على أنه كان بمثابة التعارف، ومعقد رابطة الاجتماع والتآلف.

    وأما اصطفاء الله تعالى لقريش الميامين الغُرُّ، وهم ذرية فهر بن مالك، وقيل: جده النضر. فقد كان بما آتاهم الله من المناقب العِظَام، ولا سيما بعد سكنى مكة وخدمة المسجد الحرام؛ إذ كانوا أصرح ولد إسماعيل أنسابًا، وأشرفهم أحسابًا وأعلاهم آدابًا، وأفصحهم ألسنة، وهم الممهدون لجمع الكلمة. فقد نقل أهل السير أن مالك بن النضر كان ملك العرب، وأن كعب بن لؤي كان يجمع قومه ويعظهم يوم الجمعة، وكانوا يسمونه يوم العَرُوبَة، وأنهم كانوا يُجِلُّونه في حياته، ثم إنهم أرَّخُوا بموته، وأن قُصَيًّا هو الذي جمع شمل قبائل قريش بمكة؛ إذ كان هو الوارث لمن كانوا يتولونه من خزاعة [13]. وقد تَمَلَّك عليهم فَمَلَّكُوه، إلا أنه قد أقر للعرب ما كانوا عليه. وذلك أنه كان يراه دينًا في نفسه، لا ينبغي له تغييره ولا لغيره من بعده (قال ابن إسحاق) وهو الذي أنشأ الندوة، وجعل بابها إلى الكعبة، وقد أجمعت قريش على طاعته وحبه، فكانت إليه الحِجَابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، ثم وزعت المناصب بعده على الزعماء [14].

    وأفضل من ذلك كله ما وُقِّفُوا له في حداثة الرسول من التحالف الذي عُرِف بحلف الفضول؛ إذ تعاقدوا وتعاهدوا أن لا يجدوا بمكة مظلومًا إلا قاموا معه، وكانوا عونًا له على من ظلمه، إلى أن تُرَدَّ مظلمته. وفي حديث الزبير بن العوام عند الطبراني، ومثله حديث أم هانئ في معجمه الأوسط كتاريخ البخاري (فضَّل الله قريشًا بسبع خصال: فضَّلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبد الله إلا قرشيّ [15] وفضَّلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون. وفضَّلهم بأنه نزل فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين، وهي {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} (قريش: 1) - وفضلهم بأن فيهم النبوة والخلافة، والحجابة والسقاية).

    كان ذلك كله من ارتقاء قريش واستعداد العرب للإسلام، ولكن هذه القوى المعنوية كلها وجهت لمعاداته عليه أفضل الصلاة والسلام.

    ***
    وأما اصطفاء الله تعالى لبني هاشم

    فقد كان بما امتازوا به من الفضائل والمكارم، فقد روى أبو نعيم من حديث المستورد الفهري رضي الله عنهُ: (إن فيهم خصالاً أربعًا: إنهم أصلح الناس عند فتنة، وأسرعهم إقامة بعد مُصيبة. وأوشكهم كَرَّةً بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم، وأمنعهم من ظلم الملوك). وكان جدهم هاشم صاحب إيلاف قريش، الذي أخذ لهم العهد من قيصر الروم على حمايتهم في رحلة الصيف، وروي أنه هو الذي سَنَّ الرحلتين، وأخذ العهود بها من الحكومتين، حكومة اليمن العربية، وحكومة الشام الرومية، فاتسعت بهما معيشة قريش، وأمنوا في تجارتهم من كل خوف، وقد امتن الله عليهم بذلك في القرآن، بما عُدت به التجارة من أشرف أعمال الإنسانية، وإنما أطلق لقب هاشم على عمرو بن عبد مناف؛ لأنه أول من هشَّم الثريد للمسنتين العجاف[16]، وكان يُشبع منه كل عام أهل الموسم كافة، كما أشبع منه قومه في سنة القحط والمجاعة، على أن مائدته كانت منصوبة لا تُرْفَع في السراء ولا في الضراء، وزاد عليه ولده عبد المطلب فكان يُطعم الوحش وطير السماء، وكان أول من تحنث بغار حراء، وروى أنه حرَّم الخمر على نفسه، وجعل ماء زمزم للشرب فحرَّم أن يُغْتَسَل به.

    فجملة ما امتاز به آله صلى الله عليه وسلم على سائر قومه الأخلاق العلية، والفواضل والفضائل النفسية، وكانوا أبعد من سائر قريش عن الكِبْر والأَثَرَة والأمور الحربية، ولذلك غلبوا على الرياسة حتى بعد الإسلام، وحكمة ذلك ظاهرة لأولي الأحلام، فهو أنفى للشُّبَه عن رسالته عليه أفضل الصلاة والسلام.

    ***
    سرد نسبه صلى الله عليه وسلم

    بعد هذا التذكير بمناقب قومه، والتفسير لاصطفاء الله تعالى لقبيله وآل بيته، نُشَنِّفُ الأسماع بنسبه المحفوظ بالتفصيل، المتواتر اتصاله بنبي الله إسماعيل، فنقول: هو سيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب واسمه شيبة الحمد، ابن هاشم واسمه الذي سماه به أبوه عمرو، ابن عبد مناف واسمه المغيرة، ابن قصي ولُقِّب بمُجَمِّع؛ إذ جمع قريشًا في تلك الحظيرة ابن حكيم الذي لُقِّبَ ّبكلاب، والكلاب مصدر كالمكالبة، ومعناه المجاهرة بالعداوة والمناصبة، ابن مرة والمراد به الجلد القوي ابن كعب وهو منقول من كعب الرمح الرُّدَيني، ابن لؤي، وهو تصغير لواء أو لأي أو لأي [17] ابن غالب بن فهر ومعناه الحجر الصغير [18] وهو قريش على المعتمد عند الجماهير، ابن مالك بن النضر واسمه قيس، والنضر هو الحسن المشرق الوجه، ابن كنانة ومعناه وعاء السهام من الجلد، ابن خزيمة وهو تصغير اسم المرة من الخزم [19]، ابن مدركة واسمه عامر أو عمرو، ابن إلياس بن مضر وهو معدول عن ماضر، ومعناه اللبن الأبيض أو الحامض الخاثر، ابن نزار من النزر ومعناه القليل، ولعله سمي به تفاؤلاً بقلة وجود مثله في ذلك الجيل، ابن معد وهو مشتق من المعد، وهو الجذب السريع والذهاب في الأرض، وورد في الحديث المرفوع وفي نصيحة عمر للجيش: (تمعددوا) أي تشبهوا بمعد في خشونة العيش، ابن عدنان، وهو من عدن بمعنى أقام في المكان.

    وفي حديث ابن عباس (كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد على ملة إبراهيم فلا تذكروهم إلا بخير) [20] وروى الزبير بن بكار من وجه آخر مرفوعًا: (ولا تسبوا مُضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين) [21] فهذا ما كان يسرده الرسول من نسبه كالدر النظيم، وهو واسطة عقده عليه أفضل الصلاة والتسليم.

    نسب تحسب العُلا بحُلاه * قلدتها نجومها الجوزاء
    حبذا عقد سُودد وفخار * أنت فيه اليتيمة العصماء

    ***
    زواج عبد الله بآمنة والحمل بالنبي وولادته صلى الله عليه وسلم

    انحصر نسل هاشم في عبد المطلب فلم يكن له سواه، ووُلد لعبد الطلب أبو طالب والعباس وحمزة وعبد الله. وقد زوَّج عبد الله آمنة ابنة وهب بن عبد مناف بن زهرة، زهرة أخو جده قصي بن حكيم بن مرة، وقد بنى عليها في بيت أهلها وأقام معها فيه ثلاثة أيام، فلم تلبث أن حملت بالنبي عليه الصلاة والسلام، ولم تجد في حمله ثقلاً ولا وحمًا كما هو شأن المحصنات الصحيحات الأجسام، وقد روى الحاكم وصحَّحه البيهقي في مراسيل خالد بن معدان، أن الصحابة سألوه صلى الله عليه وسلم عن هذا الشأن، فقالوا: يا رسول الله خَبِّرْنا عن نفسك. وفي حديث أبي أمامة عند ابن سعد وأحمد وغيرهما: ما كان بدءُ أمرك؟ فقال: (دعوة أبي إبراهيم [22]، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نُور أضاءت له بصرى من أرض الشام) وقد ثبت أن هذه رؤيا كانت في المنام، ولكنها رؤيا صادقة لا أضغاث أحلام، وصحَّح ابن حبان أن ذلك النور تمثل لعينيها حين أخذها المخاض فوضعته عليه أفضل الصلاة والسلام.

    ***
    تاريخ ولادته وخبر رضاعته وحضانته صلى الله عليه وسلم

    وُلد صلى الله عليه وسلم سَوِي الخلق، جميل الصُورة صحيح الجسم، وكانت ولادته في عام الفيل، في الليلة الثانية عشرة أو التاسعة من شهر ربيع الأول الموافقة للعشرين من شهر إبريل، وكان ذلك العام هو الحادي والسبعين بعد الخمس مائة من مولد المسيح عليهما الصلاة والسلام، وقد تُوفي والده وهو حمل، فكفله جده شيبة الحمد، فأرضعته أمُّهُ ثلاث أيام، وكذا ثويبة مولاة أبي لهب عدة أيام، وكانت نساء قريش لا يرضعن الأولاد فعهد جده بإرضاعه إلى حليمة السعدية، وجعله في قبيلتها بالبادية؛ لينشأ في العيشة الخلوية، ثم ردته حليمة إلى أُمه بعد أربع سنين، فحضنته إلى أن تُوفيت وله ست سنين، فأصبح صلى الله عليه وسلم يتيم الأبوين، فكفله بعدها جده عبد المطلب سنتين، ثم تُوفي بعد أن أوصى به أبا طالب عمه، فحاطه بعنايته كما يُحوط ولده وأهله، إلا أنه كان لفقره يعيش عيشة القشف، فلم يتعود صلى الله عليه وسلم نعيم الترف، وذلك من عنايته تعالى بتربية هذا المُصلح العظيم، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.


    الهوامش:

    (13) قد كان ذلك بتزوجه لحبى بنت حليل الذي كان آخر من ولي منهم قال ابن إسحاق: فلما انتشر ولد قصي وكثر ماله وعظم شرفه هلك حليل، فرأي قصي أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبني بكر وأن قريشًا قرعة إسماعيل بن إبراهيم وصريح والده، ثم قال بعد بيان ما كان في ذلك من أمره، فولي قُصي البيت وأمر مكة إلخ.

    (14) كان لقريش من المناصب غير تلك الخمسة الأشناق والعمارة والسفارة والأعنة والقبة، والأموال المحجرة للمعبودات كالأصنام، والأيسار الذي منه الاستقسام بالأزلام، الذي يرجح به بين الإقدام والإحجام وقد عابهم عليها الإسلام: (فالحجابة) هي السدانة أي خدمة المسجد الحرام (والسقاية) توزيع الماء المحلى والقراح على جميع الحجاج (والرفادة) إسعاف الفقراء والمساكين ولا سيما الحجاج المنقطعين (والندوة) الشورى لإجالة الرأي في الأمور العظام التي اجتمعوا فيها بعد البعثة للائتمار بالنبي عليه الصلاة والسلام (واللواء) راية قريش وكانت تسمى العقاب، (والأشناق) تحمل الدايات والمغارم لمنع انتشار التعادي والتخاصم (والعمارة) حفظ بناء المسجد الحرام قيل وحفظه من اللغط وهجر الكلام (والسفارة) قيادة الفرسان في أيام الطعان أو الرهان، (والقبة) الخيمة الرسمية التي تنصب وقت الحرب ويجتمع فيها ما يجهز به الجيش.

    (15) أي لا يعبده ويوحده أحد؛ لأن أناس منهم إذ كانوا على ملة إبراهيم وكانت الوثنية قد شملت العرب كلهم كما شملت غيرهم.

    (16) المسنتون اسم فاعل من أسنت القوم أصابتهم السنة والقحط، والعجاف جمع أعجف وعجفاء وهم الذين ضعفوا وهزلت أبدانهم، العبارة مأخوذة من قول ابن الزبعري في مدح هاشم:
    عمرو العلا هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف.

    (17) اللواء معروف واللأي الثور الوحشي ويكنى به عن حسن العينين واللأي البطء.

    (18) الفهر الحجر الذي يؤخذ باليد عادة ويدق به الشيء وقيل: مطلقًا.

    (19) الخزم: نظم اللآلئ في السلك.

    (20) عزاه الحافظ في فتح الباري إلى تخريج أبي جعفر بن حبيب في تاريخه المحبر قوله: وربيعة ومضر؛ أي ابن نزار بن معد، قوله: وأسد هو ابن خزيمة.

    (21) قال الحافظ: وله شاهد عند ابن حبيب من مرسل سعيد بن المسيب أي ومراسيله أصح المراسيل.

    (22) أي أنا مصداق دعوته التي حكاها الله عنه في قوله {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} (البقرة: 129) الآية- ومصداق بشرى عيسى برسول يأتي من بعده.

    التعديل الأخير تم بواسطة أبو حسن ; 08-03-2009 الساعة 09:15 PM

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    ***
    معيشته في الحداثة وكسبه وزواجه صلى الله عليه وسلم

    وُلد صلى الله عليه وسلم يتيمًا، ونشأ في قومه فقيرًا، ومات والده في سن الشباب، ولم يترك له مالاً إلا خمسة جمال وبضع نعاج، وكان قد أَلِفَ رعي الغنم مع إخوته في الرضاع، فصار يرعى لأهل مكة، فيوفر على كافله أبي طالب بما يأخذ على ذلك من الأجرة، ثم سافر مع عمه أبي طالب في تجارته إلى الشام، وله من العمر اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام، وهنالك رآه بحيرا الراهب، وبشر به عمه أبا طالب، وحذره من اليهود عليه، بعد أن رأى خاتم النبوة بين كتفيه، ثم إنه سافر إلى الشام مرة ثانية، مُتَّجِرًا بمال خديجة تجارة المضاربة، فأعطته أفضل ما كانت تعطي غيره؛ إذ جاءت تلك التجارة بأرباح مضاعفة، بل جاءت بسعادة الدنيا والآخرة.

    كانت خديجة بنت خويلد بن عبد العزى بن قصي، أعقل وأجمل امرأة في قريش، كانت تُدعى في الجاهلية [الطاهرة]، لما لها من الصيانة والفضائل الظاهرة، ولمَّا حدَّثها غلامها ميسرة بما رأى منه عليه الصلاة والسلام في رحلته معه إلى الشام، من الأخلاق العالية، والفضائل السامية، وما قاله بحيرا الراهب لعمه أبي طالب، تعلقت رغبتها بأن تتخذه بعلاً، بل تَرَقَّتْ أفكارها إلى ما هو أعلى [23] فتم ذلك الزواج الميمُون، وكان هو ابن خمس وعشرين وهي ابنة أربعين، وتُوفيت بعد البعثة بعشر سنين، ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم عليها، ولا أحب أحدًا مثلها، وكان طول عُمُره يذكرها، حتى كانت عائشة تغار منها ولم ترها، قالت من حديث لها: فذكرها يومًا من الأيام، فأخذتني الغيرة فقلت له عليه الصلاة والسلام: هل كانت إلا عجوزًا قد أبدلك الله خيرًا منها؟ فغضب ثم قال: لا والله ما أبدلني خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء) [24] وفي صحيح مسلم عنها (أنها ما غارت على امرأة كما غارت على خديجة وهي لم ترها)، وعللت ذلك بكثرة ذكره إياها. قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة يقول: (أرسلوا إلى أصدقاء خديجة) فأغضبته يومًا وقلت: خديجة! فقال: (إني قد رُزقت حبها) وفي رواية عزاها الحافظ في الإصابة إلى الصحيح أنه قال: (إني لأحب حبيبها) [25] - فهذا هو الوفاء الكامل اللائق بذلك النبي الكريم، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.

    ***
    البعثة النبوية وجملة سيرته - صلى الله عليه وسلم – قبلها

    كان -صلى الله عليه وسلم- وسطًا في قومه وأمته، ولكنه أرقاهم بل أرقى البشر في زكاء نفسه وسلامة فطرته، نشأ يتيمًا شريفًا، وشب فقيرًا عفيفًا، ثم كان زوجًا محبًّا لزوجه مخلصًا لها، ولم يتول هو ولا والده شيئًا من أعمال قريش في دينها ولا دنياها، ولا كان يعبد عبادتهم، ولا يحضر سامرهم ولا ندوتهم، ولم ينظم الشعر كما كانوا ينظمون، ولا عُني بالخطابة كما كانوا يعتنون، ولم يؤثر عنه قول ولا عمل يدل على حب الرياسة، أو البحث في شئون السياسة، ولم يشاركهم في شيء من خرافات الجاهلية وضلالات الشرك، ولا من المفاخرات الكلامية وشئون الغزو والحرب، بل كان يحب العزلة، ويألف الوحدة، وروي أنه في حداثته حضر سمرهم مرتين، ألقى الله فيهما عليه النوم.

    وحب العزلة والانكماش معروف عن كثير من الناس، وإنما كان -صلى الله عليه وسلم- يمتاز في نشأته الأولى، على الأتراب، بالتزام الصدق والأمانة وعلو الآداب، فبذلك كان له فيهم المقام المكين، حتى لقبوه بالأمين. على هذا الحال كان -صلى الله عليه وسلم- حين بلغ أشُدّه واستوى، وكملت من جسده السليم ونفسه الزكية جميع القوى- لا طمع في مال ولا سُمعة، ولا تطلَّع إلى جاه ولا شهرة.

    وكان أول ما بُدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح[26] واضحة، ثم حبب إليه الخلاء[27] وكان يخلو بغار حراء [28] فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد[29] ثم يرجع إلى خديجة فيتزود[30] حتى جاءه الحق وهو على هذا الشأن بنزول القرآن عليه في شهر رمضان؛ بأن تمثل له الروح الأمين جبريل، ولقنه عن ربه أفضل التنزيل. قال له: اقرأ. فقال: (ما أنا بقارئ) كرر ذلك ثلاث مرات، وهذا من أمر التكوين لا من تكليف ما لا يُطاق، وكان الملَك بعد كل جواب يغُطّه أي: يضمه إلى صدره ويعصره، حتى يبلغ منه الجهد مبلغه، وحكمة ذلك أن تغلب فيه الروحانية على البشرية، ويستعد لتلقي الآيات الإلهية، فيكون واسطة بين الخلق والخالق، ومنتهى الحاضر ومبدأ الغائب ولما أرسله في الثالثة قال: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق: 1-5) أي: كن قارئًا بعد أن كنت أُمّيًّا، باسم ربك الذي خلق الإنسان الناطقَ من علق ولم يك شيئًا، لا باسمي ولا باسمك، ولا بحولي وقوتي ولا بحولك وقوتك، فهو القادر على جعلك قارئًا لآيات ربك، التي اقتضى جوده وكرمه أن يرسمها بالوحي في لوح قلبك، وعلى تعليمك من الكتاب والحكمة ما لم تكن تعلم، كما علّم الإنسان بالقلم وغير القلم ما لم يكن يعلم.

    فرجع -صلى الله عليه وسلم- بهذه الآيات إلى خديجة يرجف فؤاده، وقد ارتعد بدنه ولكن حُفظ رشاده، فقال: (زمّلوني زمّلوني) فزمّلوه؛ أي: لففوه بالثياب ودثّروة، حتى إذا ذهب عنه الروع أخبر خديجة الخبر، وقال: (لقد خشيت على نفسي) أي: الهلاك أو الضرر، فقالت له: كلاَّ والله ما يحزنك[31] الله أبدًا، إنك لَتصل الرحم[32] وتحمل الكلّ [33] وتُكسب المعدوم[34]، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق [35]. ثم فتر الوحي ثلاث سنين، قوي فيها الاستعداد واشتد الشوق والحنين. قال: (بينما أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء) وذكر أنه رُعب منه أيضًا. ولكن كان ذلك دون الرعبة الأولى، فرجع إلى أهله فتزمّل وتدثّر، فأُنزل عليه: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ} (المدثر: 1-5) ثم حمي الوحي وتتابع، وبلَّغ -صلى الله عليه وسلم- دعوة ربه فاشتد عليه أذى المشركين وتتايع. [36] فما هذا النبأ العظيم الذي جاءه بعد الأربعين، وما ذلك الأمر العظيم الذي دعا إليه بعد ثلاث وأربعين، فغيّر الله به على يديه تاريخ البشر أجمعين، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم.


    الهوامش:

    (23) روى الفاكهي في كتاب مكة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب فاستأذنه أن يتوجه إلى خديجة، فأذن له وبعث بعده جارية يقال لها: نبعة، فقال: انظرى ما تقول له خديجة، قالت نبعة: فرأيت عجبًا، ما هو إلا أن سمعت به خديجة فخرجت إلى الباب فأخذت بيده فضمتها إلى صدرها ونحرها، ثم قالت: بأبي أنت وأمي والله ما أفعل هذا الشيء، ولكني أرجو أن تكون أنت النبي الذي ستبعث، فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي وادع الإله الذي يبعثك لي، قالت فقال لها: (والله لئن كنت أنا هو قد اصطنعت عندي ما لا أضيعه أبدًا، وإن يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيعك أبدًا) ويؤيد هذا ما ورد في كيفية بدء الوحي في الصحيح، أن خديجة قالت له حين خاف على نفسه عاقبة ما أصابه من المجهد، عندما ظهر له الملك (كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) وكذا ما ثبت من أنها كانت تعد له الزاد، لينقطع إلى التحنث في غار حراء، وروى الواقدي بسنده إلى نفيسة بنت أمية أخت يعلى قالت: كانت خديجة امرأة شريفة جلدة كثيرة المال، ولما تأيمت كان كل شريف من قريش يتمنى أن يتزوجها، فلما سافر النبي صلى الله عليه وسلم في تجارتها ورجع بربح وافر رغبت فيه، فأرسلتني دسيسًا إليه، فقلت له ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال (ما في يدي شيء) فقلت: فإن كفيت ودعيت إلى المال والجمال والكفاءة؟ قال: (ومن؟) قالت: خديجة، فأجاب.

    (24) وفي رواية (إذ حرمني أولاد النساء) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب وكذا الدولابي في الذرية الطاهرة من طريق وائل بن داود - وقد وثقه أحمد- عن عبد الله البهي - وهو مقبول- عنها قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بسيئة أبدًا.

    (25) كذا في الإصابة ورواية الاستيعاب عنها: (وإن كان ليذبح الشاة فيتتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهن) والصدائق جمع صديقة.

    (26) الفلق بالتحريك المطلق يطلق على الصبح وهو من فلق الشيء بمعنى شقه وفرقه فرقين فإن ضوء الصبح شق الظلام مستطيلاً ثم مستطيرًا ومنه: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ} (الأنعام: 96) وبهذا المعنى أضيف إلى الصبح، والمعنى أنه كان يرى الرؤيا فتقع كما رأى إذ تنطبع المعاني في مرآة روحه الصقلية كما هي، فهذا ضرب من الوحي وكانت مدته قبل وحي اليقظة الصريح ستة أشهر من ربيع الأول شهر ولادته إلى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن.

    (27) الخلاء بالمد الاختلاء والانفراد.

    (28) الغار نقب في الجبل، وحراء بالكسر أحد الجبال المحيطة بمكة على يسار الذاهب منها إلى منى والغار في أعاليه مشرف على مكة، بحيث ترى منه الكعبة، كما يشرف على ما دونه من تلك البقاع فهو حسن الموقع جيد الهواء، يتسع للمختلي فيه مجال الفكر، والشعور بعظمة الرب.

    (29) أصل التحنث توقي الحنث؛ أي: الإثم وتجنبه وفسره الزهري في الحديث بالتعبد، قيل: كان يعبد الله على ملة إبراهيم وقيل بالتفكر خاصة، واختلف في عدد الليالي التي كان يقيمها ويتزود لمثلها.

    (30) التزود: اتخاذ الزاد من طعام وماء.

    (31) يحزنك من الحزن وهي رواية أبي ذر، وعند غيره ما يخزيك من أخزاه بمعنى فضحه وأهانه.

    (32) أي: تحسن للأقارب بما يليق لكل منهم.

    (33) الكل بالفتح الثقيل حملاً أو عيالاً أو طبعًا والمُتعب أي تحمل أثقال الناس أو تحمل المتعب على ما يركبه من الإبل أو الدواب.

    (34) أي: تكسب المحتاج ما هو عادم له.

    (35) النوائب النوازل والمصائب والحوادث؛ أي: تعين الناس في كل أمر غير باطل وهذه كلمة جامعة في بيان فضائله -صلى الله عليه وسلم- وهو يدل على فضل خديجة وعقلها واعتقادها أن من يلتزم الحق وعمل الخير لا يحزنه الله ولا يخزيه، والحديث في الصحيحين، وتتمته باختصار قليل: فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل ابن عمها وكان قد تنصر في الجاهلية، ويكتب من الإنجيل بالعبرانية، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي فقالت له: اسمع من ابن أخيك فقال ورقة: يا ابن أخي ماذ ترى؟ فأخبره -صلى الله عليه وسلم- خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى ياليتني فيها جذع؛ أي شاب (ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أوَ مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي.

    (36) التتايع (بالياء قبل العين) التهافت والإسراع في الشر أو التتابع (بالباء الموحدة) فيه.
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو حسن ; 09-03-2009 الساعة 06:48 AM

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    ***
    تبليغ الدعوة الإسلامية وخلاصتها

    إن ذلك اليتيم العائل في حداثته، الراعي الشريف التاجر القنوع في شبيبته، الزوج المخلص لزوجته، الوالد العطوف على بناته وصبيته [37] الأمي الذي لم يقرأ سِفْرًا، ولا كتب سطرًا، ولا شِعرًا، ولا ارتجل نثرًا، الناشئ في الأمة الأمية، التي فرقتها نزعات العصبية، واستحوذت عليها نزعات الوثنية، وغلبت عليها حمية الجاهلية، وأمست عاصمتها الدينية الدنيوية، ذات حكومة شبيهة بالعُرفية، ليس لها رئيس متبوع، ولا قانون مشروع؛ قام فيها يدعوها إلى توحيد يجتث جراثيم الوثنية، بتوحيد الربوبية والألوهية؛ وإلى استبدال الكتاب والعلم بتلك الأمية، واستبدال الحكمة بتلك الجاهلية، وإلى تزكية الأنفس من تلك الخرافات والتقاليد الوراثية، وإلى استعمال عقولها وحواسها في العلم والعرفان، والانتفاع بجميع ما في الأكوان؛ لأن الله تعالى سخرها للإنسان.

    بل قام يدعوها إلى ما هو أكبر من ذلك شأنًا، وأعم فائدًة ونفعًا، - قام يدعوها إلى كتاب مهيمن على الكتب السماوية، ودين أُنزل لإصلاح جميع البرية، وشريعة عادلة سماوية اجتهادية، تستأصل تلك الفوضى الاجتماعية، وتكفل لهم السعادة الإنسانية، بإعتاقها البشر من رِقّ السيطرة الروحية والسياسية، وجعلهم أحرارًا مستقلين في فهم العقائد الدينية، وأداء العبادات التي يتقربون بها إلى العزة الإلهية. وجعل أمرهم شورى بينهم في الأحكام السياسية والمدنية، وجعل المفاسد وحِفظ المصالح أساسًا للأمور الأدبية والشرعية، وجعل الإخلاص وحسن النية في الأمور الدينية والعادية، مما يستعد به الإنسان للحياة الأبدية، وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضًا تقوم به الأفراد وتتعاون عليه الجماعات؛ لأنه سياج الفضيلة ومقوِّم الأخلاق والعادات. وجعل القتال ضرورة تقدر بقدرها، ويُجتهَد في إضعاف ضررها وشرها، فلا يقتل فيها النساء ولا الأولاد، ولا الأُجراء ولا العُباد؛ ولا يمثل فيها بالقتلى [38] ولا يُذَفف على الجرحى؛ [39] ومتى رجحت كفتنا بالإثخان [40] في الأعداء، نكتفي بالأسر عن سفك الدماء، {فَإِمَّا مَناًّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد: 4)، [41] وتزول الضرورة التي أوقدت نارها، وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ جَنَحْنا لَهَا، [42] لأننا أحق بها وأهلها، إلى غير ذلك من ضروب الإصلاح، وأسباب الفوز والفلاح. ومن أهمها أحكام الرق، بما رغب وأوجب فيها من العتق. وأحكام اليتامى والنساء، في الحقوق والإرث والتصرف في الأموال، وحسْبُك من هذا الإصلاح العظيم، قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: 228).

    قام ينبههم بأنه رسول من عند الله إلى جميع الأمم، من العرب والعجم، وأنه أوحي إليه هذا القرآن لينذرهم به ومن بلغ [43] ويتلو عليهم قوله تعالى: {تبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} (الفرقان: 1) وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (سبأ: 28)؛ ويخبرهم عن الله عز وجل بأنه سينصره عليهم، ويبشر المؤمنين منهم بأنهم هم الذين يحملون دعوته إلى غيرهم، وأن الله سيفتح لهم مصر والشام، ويعطيهم ملك كسرى وقيصر، وأنهم سيكونون هم الأئمة الوارثين، {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} (النور: 55).

    قام - صلى الله عليه وسلم - بهذه الدعوة الكبرى، وذكر بها قومه فأعرض الأكثرون عن الذكرى، ولم يعقل أذكى قريش وأعقلهم لها سببًا إلا الجنون، أو نَبْز الداعي إليها بلقب شاعر أو كاهن مفتون؛ إذ كانوا يعلمون أنه لم يكن لديه شيء من الأسباب والوسائل، لما هو دونها بمراحل؛ لا حول ولا قوة، لا مال لا عصبية لا سليقة في الشعر تجذب القلب، لا تمرّن على الخطابة يؤثر في اللُّب، كما يعلمون أنه طُبِع على الصدق، وعاش طول عمره عيشة الجد، فكان أقرب ما توصف به تلك الدعوة إلى الظنون، أن قالوا: إنها نزعة من نزعات الجنون.

    ولولا ما أيده الله تعالى به من الآيات والبراهين، وأعظمها هذا القرآن الحكيم والنور المبين، ولولا تصديق الله تعالى إياه بالفعل، كما صدقه بذلك القول الفصل لقال بقولهم ذاك في كل حين من بلغته دعوى تلك الدعوة من المتقدمين والمتأخرين، {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُون[44] * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ المَفْتُونُ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [45] (القلم: 1-7).

    أي برهان على النبوة أعظم من هذا، أميٌّ قام يدعو الكاتبين إلى فهم ما يكتبون وما يقرؤون، بعيد عن مدارس العلم صاح بالعلماء ليمحصوا ما كانوا يعلمون. في ناحية عن ينابيع العرفان جاء يرشد العرفاء، ناشئ بين الواهمين هبّ لتقويم عِوج الحكماء. غريب في أقرب الشعوب إلى سذاجة الطبيعة، وأبعدها عن فهم نظام الخليقة والنظر في سننه البديعة، أخذ يقرر للعالم أجمع أصول الشريعة، ويخط للسعادة طرقًا لن يهلك سالكها، ولن يخلص تاركها.

    (ما هذا الخطاب المُفحِم؟ ما ذلك الدليل المُلجِم؟ أأقول: ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم؟ لا، لا أقول ذلك، ولكن أقول كما أمره الله أن يصف نفسه: إن هو إلا بشر مثلكم يوحى إليه. نبي صدّق الأنبياء، ولكن لم يأت في الإقناع برسالته بما يلهي الأبصار، أو يحيّر الحواسّ، أو يدهش المشاعر، ولكن طالب كل قوة بالعمل فيما أعدت له، واختص العقل بالخطاب وحاكم إليه الخطأ والصواب، وجعل في قوة الكلام وسلطان البلاغة وصحة الدليل، مبلغ الحُجة وآية الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) [46].

    كان مثله -صلى الله عليه وسلم- في إثبات ما جاء به مثل رجل في بلد كثرت فيه الأمراض، ولم يكن لدى أهله طبيب ولا علاج، فادّعى أنه طبيب يبرئ العلل، فكذبوه فأثبت دعواه بالعلم والعمل، إذ جاء بكتاب عالج به أولئك المرضى الذين أعضل داؤهم، واختلفت أمراضهم، فشُفُوا وعادت إليهم صحتهم؛ إلا مَن أعرض عن دوائه، حتى هلك بدائه، بل الأمر أعظم من ذلك.

    ألا إن مداواة أمراض الأمم الروحية والاجتماعية، أعز وأعسر من مداواة الأمراض الجسدية، وتتوقف على علوم كثيرة لا على علم واحد، يُدرس الآن منقولها ومعقولها في كثير من المدارس، وما أكثر من درسها في كتبها، وتلقاها عن أساتذتها، يقدر على إصلاح أمة من الأمم بالعمل بها، فما القول في أميّ نشأ بين أميّين، قام بذلك الإصلاح الذي تغير به تاريخ البشر أجمعين، في الشرائع والسياسيات وسائر أمور الدنيا والدين، وامتد مع لغته في قرن واحد من الحجاز إلى آخر حدود أوربة من الغرب، وإلى حدود بلاد الصين من جهة الشرق، حتى خضعت له الأمم، ودالت لدولته الدول، وكانت تتبعه في كل فتوحه الحضارة والمدنية، والعلوم العقلية والكونية، على أيدي تلك الأمة الحديثة العهد بالأمية، التي علمها القرآن أن إصلاح الإنسان يتبعه إصلاح الأكوان، فهل يمكن أن يكون هذا إلا بوحي من لدن حكيم عليم، وتأييد سماوي من الإله العزيز القدير الرحيم، اختص به ذلك النبي الأميّ الكريم، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم؟

    ***
    مناهضة الدعوة، وإلجاء الرسول إلى الهجرة

    بدأ دعوته -صلى الله عليه وسلم- بإنذار عشيرته الأقربين، ممن في مكة من قريش ومن الموالي والوافدين، فلقي أشد الجحود والإيذاء من قومه، حتى صدوه عن تبليغ دعوة ربه، عملاً بقول أبي لهب: خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب عليه. وقد أخرجوا عمه أبا طالب وآله من مكة؛ لأنه لم يخل بينهم وبينه، فجمع أبو طالب بني هاشم والمطلب، ودخل بهم ومعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في الشِّعب، وأجمعت قريش مقاطعتهم، وعدم مصاهرتهم، وأن لا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم شيئًا، ولا يقبلوا منهم صلحًا، إلا أن يسلموا محمدًا للقتل، فمكثوا ثلاث سنين في الشِّعب، وهم في أشد البلاء والجهد، وكان بعض ما مسهم من الضرر، أن أكلوا ورق الشجر؛ ثم اشتد إيذاء قريش له ولمن آمن به بعد وفاة خديجة وأبي طالب، وقد توفيا في عام واحد، فعرَض نفسه على القبائل في موسم الحج، لعله يجد من يحميه للقيام بهذا الأمر، فلم يحمه من قريش أحد، ولكن آمن به في موسم الحج ستة نفر من أهل يثرب [47] ثم آمن به آخرون منهم في موسم آخر، وصاروا يدعون أهل المدينة إلى الإسلام، وأرسل إليهم -صلى الله عليه وسلم- من يعلّمهم القرآن.

    ففشا الإسلام فيهم، وجاءه في الموسم الثالث امرأتان وثلاثة وسبعون رجلاً منهم، فبايعوه على التوحيد الخالص لربهم وإلههم، وأن يمنعوه- أي يحموه- مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، فتمهدت له بذلك أسباب الهجرة، وكان قد هاجر جمهور من آمن به إلى الحبشة، فأمر من بقي أن يهاجروا إلى المدينة مختفين، فكان القادرون يهاجرون أرسالاً متتابعين، وقد علم أكابر قريش بالأمر، وأن الرسول سيتبع أصحابه بالسر، ففزعوا إلى الحيلة والمكر، وبينما كان أبو بكر -رضي الله عنه- يهيئ راحلتين وزادًا ودليلاً للهجرة مع الرسول من مكة، كان رؤساء قريش يأتمرون [48] بالرسول -صلى الله عليه وسلم- في دار الندوة، فبعضهم يرى نفيه وبعضهم يرى حبسه وبعضهم يرجّح قتله، ثم أجمعوا على أن يأخذوا من كل قبيلة شابًّا جلدًا، [49] يقفون أمام داره ليلاً، حتى إذا خرج ضربوه بسيوفهم ضربة رجل واحد؛ ليتفرق دمه على القبائل، فيرضى بديته بنو هاشم، فلما وقف أولئك الشبان على بابه، أمر عليًّا بأن ينام في فراشه ويتدثر ببرده، وخرج -صلى الله عليه وسلم- من بينهم، ولم ينظره ولا شعر به أحد منهم، بل كانوا ينظرون من فروج الباب، فيرون النائم فيظنون أنه هو النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ وذلك قوله تعالى في كتابه المبين: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ} [50] (الأنفال: 30).

    خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تلك الليلة من داره إلى دار أبي بكر، ثم خرجا متزودين من خوخة[51] فيها واستخفيا في الغار المعروف بغار ثور[52]، وكانا قد استأجرا دليلاً ماهرًا من المشركين ليرحل بهما، وأعطياه راحلتيهما وأمَّناه على سرهما[53] وواعداه غار ثور بعد ثلاث، فكتم أمرهما ووافاهما في الميعاد، ولما علمت قريش بخروجهما، خرجت بالقافة في طلبهما[54] حتى إذا ما انتهوا إلى باب الغار، صرف الله عنه القلوب والأبصار، وفي الصحيحين أن أبا بكر قال: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا. فقال: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا) ولما كان بعد ثلاث جاء الدليل فرحل بهما، وأردف أبو بكر مولاه عامر بن فهيرة فهاجر معهما، وكانت نار الطلب قد خمدت عنهما، وجعل المشركون لمن جاءهم بهما دية كل واحد منهما، وقد كان ما كان من حِفظ الله وإكرامه لهما.

    ولما بلغ الأنصار خروجه -صلى الله عليه وسلم- من مكة، كانوا يخرجون صبيحة كل يوم ينتظرونه في الحَرّة[55] ولا يرجعون إلى الديار، إلا بعد أن تغلبهم الشمس على الضلال[56] حتى وافاهم بقباء [57] يوم الإثنين ثامن ربيع الأول فتلقوه بالإكرام، وقام فيها مدة أربعة أيام، وكان نزوله في بني عمرو بن عوف، وبنى فيها مسجدها الذي أسس على التقوى من أول يوم، ثم دخل المدينة يوم الجمعة عند دخول الشمس في بُرج الميزان، وهو أول الاعتدال الخريفي في الزمان، فكان ذلك رمزًا لما في شريعته من الاعتدال، وكونها آخر الشرائع الإلهية التي يبلغ بها الدين غاية التمام والكمال، وقد أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الواد، ثم ركب فأخذوا بخطام ناقته: هلم إلى العدد والعدة والمنعة والسلاح[85]. فقال: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) وكلما مرت بدار من دور الأنصار رغبوا إليه في النزول عليهم وهو يقول: (دعوها فإنها مأمورة) وما زالت تمر بدار بعد دار، إلى أن بركت في موضع مسجده اليوم من دور أخواله بني النجار [59] فبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله فأدخله في بيته، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (المرء مع رحله) وأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حجرته ومسجده، واستحضر في أثناء ذلك أهل بيته من مكة المكرمة [60]

    ولم يفرح الأنصار بشيء كفرحهم بقدومه -صلى الله عليه وسلم- ومثله عودته إليهم بعد الفتح الأعظم[61] وأي شرف وفخر وسعادة في الحياة وبعد الممات، أعظم من هذه السعادة التي افتخر بها شاعرهم بهذه الأبيات:
    ثوى في قريش عشرة حجة * يذكر لو يلقى حبيبًا مواتيا[62]
    ويعرض في أهل المواسم نفسه * فلم يرَ من يؤوي ولم ير داعيا[63]
    فلما أتانا واستقرت به النوى * وأصبح مسرورًا بطَيْبة راضيا[44]
    وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم * بعيد ولا يخشى من الناس باغيا[65]
    بذلنا له الأموال من حِلّ مالنا * وأنفسنا عند الوغى والتآسيا[66]
    نعادي الذي عادى من الناس كُلهم * جميعًا، وإن كان الحبيب المصافيا[67]
    ونعلم أن الله لا رب غيره * وأن كتاب الله أصبح هاديا[68]


    الهوامش:

    (37) صبيته لقاسم وعبد الله والطيب والطاهر وقيل: الطيب والطاهر لقبان لعبد الله وهؤلاء من خديجة كبناته الأربع، وإبراهيم من مارية القبطية.

    (38) التمثيل بالقتيل تشويهه بقطع بعض أعضائه كجدع الأنف وصلم الأذنين وقلع العينين.

    (39) التذفيف على الجريح الإجهاز عليه؛ أي: إماتته.

    (40) الإثخان في الأعداء إضعافهم بكثرة من يقتل منهم ومن رحمة الإسلام وإصلاحه إبطال لما كانت الأمم تستبيحه من استئصال أعدائها ولم يكتف بمنع قتل من لا يقاتل منهم حتى أمر بأن يكف عن قتل المقاتلين أنفسهم إذا ضعفوا وأمنا شرهم، وأن نكتفي حينئذ بأسرهم، وخيرنا في الأسرى بين المن عليهم بإطلاقهم وفك أسرهم بلا مقابل، وبين فداء أسرانا عندهم إن كان لنا عندهم أسرى وذلك قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوَهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَناًّ بَعْدُ} (محمد: 4) إلخ.

    (41) الأوزار جمع وزر وهو الحمل الثقيل ويطلق على الذنب، والمعنى حتى تنقضي الحرب بوضع المحاربين لأثقالها من السلاح والذخائر عن أنفسهم- وقيل بترك الكفار للعدوان والذنوب الموجبة لها.

    (42) السلم ضد الحرب وكلاهما مؤنث اللفظ.

    (43) أي: وينذر به كل من بلغه ووصلت إليه دعوته من سائر الأمم.

    (44) أي: غير مقطوع.

    (45) النبذة الآتية التي أولها (أي برهان) وآخرها (تنزيل من حكيم حميد) مقتبسة من رسالة التوحيد لشيخنا الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى.

    (46) هذا آخر ما اقتبسناه من رسالة التوحيد وفيها بعده الكلام على القرآن.

    (47) هي المدينة المنورة.

    (48) يتشاورون في الأمر.

    (49) القوي الصابر.

    (50) المكر: التدبير الخفي الذي يفضي بالمذكور به إلى ما لا يعلم ولا يحتسب ويكون في الشر غالبًا وقد يكون لإبطال الشر أو للخير، ومنه مكر الله عز وجل، والإثبات: الاعتقال، والإخراج: النفي.

    (51) الخوخة: الكوَّة النافذة والباب الصغير في الباب الكبير.

    (52) ثور: اسم جبل معروف من جبال مكة، والغار لا يزال فيه إلى اليوم.

    (53) فيه من العبرة ما كان عند العرب من الأمانة والصدق والوفاء.

    (54) القافة جمع قائف، وهو الذي يعرف الآثار، فإذا رأى أثر الأقدام أو الأخفاف أو الحوافر في الأرض استدل بها على عددها ووجهة سيرها.

    (55) الحَرّة: موضع ظاهر المدينة من جهة مكة فيه حجارة سود.

    (56) أي: عندما يقرب وقت الظهر ويتقلص ظلال الجدر حتى كأن الشمس تغالب المستظل بها عليها.

    (57) موضع بظاهر المدينة فيه قرية، وأصله اسم لبئر كانت هناك فهو مؤنث ممنوع من الصرف ويصرف بمعنى الموضع، وتبصر أيضًا.

    (58) الخِطام: الحبل الذي يوضع في مِخطم الراحلة أي أنفها لتُقاد به وهلم إلخ حكاية لقولهم، أي قائلين: هلم أي أقبل وتعالَ إلى قوتي الكثرة والاستعداد.

    (59) هم قبيلة من الأنصار، وهم أخواله -صلى الله عليه وسلم- من جهة جده عبد المطلب فإن أمه سلمى بنت عمرو منهم.

    (60) أرسل -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة وأبا رافع وأعطاهما بَعيرين وخمسمائة درهم فأحضروا فاطمة وأم كلثوم ابنتيه وسودة بنت زمعة زوجه التي تزوجها بعد خديجة وأسامة بن زيد وأمه أم أيمن وأما بنته زينب فلم يمكِّنها زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج وقد خرج من هؤلاء عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، ومنهم عائشة فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان.

    (61) هو فتح مكة.

    (62) ثَوى أقام الحِجَّة بالكسر السنة، والبُضع ما بين 3 إلى 9 أي: أقام ثلاث عشرة سنة بمكة يُذَكِّر ويعظ بالدعوة إلى الله في أثنائها، وإنما دعا في عشر منها.

    (63) المواسم مجمع الحج، فلم ير من يؤويه أي يجعل له مأوى أي منزلاً يأمن فيه على نفسه، ولم ير داعيًا إلى ذلك أو إلى الله بمساعدته ونصره.

    (64) النَّوى وِجهة المسافر التي ينويها بسفره، وطَيْبَة: المدينة يُروى البيت في سيرة ابن هشام هكذا: فلما أتانا أظهر الله دينه... فأصبح مسرورًا بطيبة راضيا.

    (65) الباغي المعتدي ويروى البيت هكذا:
    فأصبح لا يخشى من الناس واحدًا * قريبًا ولا يخشى من الناس نائيا.

    (66) الوَغَى: الحرب والتآسي مثل التعازي ما يتسلى به المرء عن المكاره.

    (67) أي: نعادي الذي عاداه من جميع الناس، وإن كان من قبل حبيبًا لنا لا يؤثر عليه أحدًا.

    (68) يروى هذا البيت بألفاظ أخرى في سيرة ابن هشام، وفيها أبيات أخرى أيضًا.
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو حسن ; 09-03-2009 الساعة 08:45 PM

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    ***
    أخلاقه وسيرته بعد الهجرة مع المؤمنين وحاله مع أهل الكتاب والمشركين

    كان -صلى الله عليه وسلم- أكرم الخلق أخلاقًا، وأعلاهم فضائل وآدابًا، امتاز بذلك في عهد الجاهلية، فكيف يدرك كنهه بعد النبوة، وقد خاطبه العلي العظيم، بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4) وكان جامعًا بين اللُّطف والتواضع والدماثة، وبين العزة والوقار والمهابة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه[69]، وجامعًا بين الرأفة والرحمة والحياء، وبين الشجاعة والحزم والمضاء، فكان في حومة الوَغى أثبت الناس، وكانوا يلوذون به إذا اشتد البأس [70] حتى إنه ثبت وحده في يوم أُحد، ولكنه لم يقتل بيده غير أُبي بن خلف [71] وإنما كان يدافع عن نفسه وغيره دفاعًا، ويرشد المقاتلين بالتدبير والتثبيت إرشادًا، ولم يكن ينتقم لنفسه، ولا يُحابي في الحق عشيرته ولا أبناء جنسه، وكان على حلمه الواسع، لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان أجود من الريح المرسلة، والسحب المنهملة، وكان أعظم الناس صبرًا، وأحسنهم لله وللناس شكرًا[72]، وكان يجب اليُسر ويأمر به، ويكره العُسر ويَنهى عنه[73]، يأكل من الطعام ما وجد، لا يأبى المستلَذ منه نسكًا. ولا يتحراه تنعُّمًا وترفًا، ولكنه كان يعتني بأمر الماء[74]، ويحب الطِّيب والنساء، وكان يُكثر الوصية بهن وباليتامى والأرقّاء، ليمحو من أنفس الناس احتقار الضعفاء.

    كان -صلى الله عليه وسلم- يربي المؤمنين بالقرآن، وبما آتاه الله من الخُلق العظيم والعرفان، فآخى بين المهاجرين والأنصار، حتى إنهم كانوا يتقاسمون المال والعقار، وألَّف الله به بين قلوب الأوس والخزرج فأصبحوا بنعمته تعالى إخوانًا، وكانوا في الجاهلية أعداء لا يألو أحدهما الآخر بغيًا وعدوانًا، وكان يشاور أصحابه في الأمر، ويساوي بينهم في الإقبال والبشر، ويوقِّر كبيرهم ويرحم صغيرهم، ويُكرم فقيرهم، ويعود مريضهم، ويشيِّع ميتهم، ويقبل هديتهم، ويجيب دعوتهم، ويكون معهم كأحدهم.

    فأما اليهود من أهل الكتاب، الذين كانوا في تلك الرحاب، فقد وادعهم وأقرهم على دينهم، وأمنهم على دمائهم وأموالهم، على أن لا يحاربوه، ولا يُظاهروا ولا يوالوا[75] عدوهم عليه، وأن لهم النصر على المؤمنين، وينفقون معهم ما داموا محاربين، وأن لهم دينهم وللمسلمين دينهم، سواء في ذلك مواليهم وأنفسهم، ولكنهم ما لبثوا أن نقضوا عهده، وظاهروا عليه عدوه.

    وأما المشركون فاشتدت عداوتهم له، وكانوا حربًا له ولمن آمن به، فلم يشتفوا بإخراجه وإخراجهم من ديارهم وأموالهم، وما كان من تعذيبهم لمواليهم وضعفائهم ونسائهم، لأجل إرجاعهم عن الإسلام، إلى ما كانوا عليه من عبادة الأصنام، حتى صارحوهم البغي والعدوان، فلم يكن للمسلم أمان على نفسه في مكان، إلا أن يمنعه أحد الأقوام، أو يصدهم عنه الشهر الحرام أو المسجد الحرام، على أن قريشًا صدتهم عن البيت، بعد أن قلدوا الهدي وأحرموا بالعمرة سنة ست [76]، حتى صالحهم -صلى الله عليه وسلم- في الحديبية[77] - والإسلام على ما صار إليه من المنعة والقوة-[78]، على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس من مؤمنين وكافرين، وأن يرجع عنهم ذلك العام، ويُخلُّوا بينه وبين مكة في العام المقبل ثلاثة أيام، وأن يرد عليهم من أتاه من أصحابهم ولو بقصد الإسلام، ولا يردوا عليه من أتاهم من الصحابة الكرام.

    وكان -صلى الله عليه وسلم- قد رأى في المنام، أنه قد دخل المسجد الحرام، فظن المسلمون أن تأويل الرؤيا يكون في تلك السنة، ولذلك اشتد عليهم الاستياء من الصلح حتى خيفت عليهم الفتنة[79] لولا أن الله تعالى أنزل عليهم السكينة، وعجل لهم بعض ما وعدهم، ثم من المغانم الكبيرة[80] وذلك برهان على إيثاره -صلى الله عليه وسلم- للسلام، وما كانت حروبه إلا دفاعًا وتأمينًا لدعوة الإسلام، وكان أكبر فوائد ذلك الصلح اختلاط المسلمين بالمشركين، وإسماعهم القرآن وتبليغهم حقيقة الدين، وإرسال الرسل لتبليغ الملوك المجاورين[81] فصار الناس يدخلون فيه آمنين مقتنعين، وأظهر الإسلام في هذه الهدنة مَن كان يخفيه بين المشركين خوف الفتنة، وحسبك أنه تعالى أنزل سورة الفتح، في تعظيم شأن هذا الصلح؛ مبينًا ما فيه من الحِكَم والمصالح، ومشتملة على أخبار الغيب والوعد بالنصر والمغانم، فسماه فتحًا مبينًا، وأعقبه كما وعد نصرًا عزيزًا؛ إذ كان تمهيدًا لفتح مكة، الذي أتم به النعمة، وازداد المؤمنون بذلك إيمانًا، وصار الناس يدخلون في دين الله أفواجًا. وكان فتح مكة سنة ثمانٍ، وفي سنة عشر حج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع، التي هدم فيها قواعد الشرك والجاهلية وقرَّر قواعد الإسلام، وعلَّم الألوف أحكام المناسك[82]، وأمر بأن يبلِّغ الشاهد منهم الغائب، وأشهَد الله تعالى المؤمنين على أنه بلغ ما نزل إليه وبينه تبيينًا، وأنزل تعالى عليه في مساء عرفة: {اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً} (المائدة: 3).

    وكان -صلى الله عليه وسلم- قد أقام في مكة بعد بدء التبليغ عشر سنين، يدعو إلى أصول الإيمان وكليات الدين، وتزكية النفس بتطهيرها من أدران الرذائل، وتحليتها بأحاسن الأخلاق وعقائل الفضائل، واستعمال نعم الله تعالى من بدنية وعقلية، وسماوية وأرضية، فيما تظهر به حِكَمه وتشاهد آياته في الخلق، وتتسع به العلوم التي يعرف بها الحق وتكثر موارد الرزق، صابرًا مع السابقين من المؤمنين، على الاضطهاد والأذى من المشركين، ثم دخل الإسلام بالهجرة في عهد الحرية، وتكونت له قوة العصبية، وجاء الوحي فيه مفصلاً لما أجمل في السور المكية من الأحكام، وبيان الحلال والحرام، وبينت السنة النبوية جميع فروع العبادات، وكل ما يحتاج إليه من النصوص والقواعد للسياسة وفروع المعاملات، فبذلك كله أكمل الله الدين، وأتم نعمته على المؤمنين، وقد تربى على ذلك الألوف من المهاجرين والأنصار، فنشروا هذا الدين القويم في الأقطار والأمصار، فأروا أمم الحضارة والأديان القديمة، من العدل والرحمة والسيرة القويمة، ما لم يروا مثله بأعينهم، ولا رووا نظيره عن أحد من قبلهم، وقد كانت مدة التشريع بعد الهجرة، كمدة التبليغ بعد البعثة[83].

    فبعد حجة الوداع بثلاثة أشهر[84] قبض الله تعالى إليه نبيه المصطفى، ورسوله المجتبى، ورفع روحه الطاهرة إلى الرفيق الأعلى، فتوفي -صلى الله عليه وسلم- تاركًا للأمة ما إن تمسكوا به لن يضلوا من بعده، كتاب الله وسنته في تبيينه وعترته العاملين بهما من أهل بيته[85] وكذا خلفاؤه الراشدون[86] وعلماء أصحابه به العاملون[87] مؤسسًا لهم أمة عظيمة، ودولة عادلة رحيمة، وحكومة شوروية حكيمة، قيدت فيها سلطة الفرد، بالشريعة العادلة وسيطرة أهل الحل والعقد[88] مبشرًا بأن ملكها سيعم الشرق والغرب، وينتظم ملك كسرى وقيصر، وأنه يظل عزيزًا ما أقاموا الحق واعتصموا بالعدل، فإذا وسدوا الأمر إلى غير أهله، فلينتظروا ساعتهم المضروبة لفقده[89]، وبأنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق قوَّامة على أمر الله، إلى أن تقوم الساعة ويأتي أمر الله [90].

    وقد تم كل ما بشر به وأنذر، ولا تزال آيات نبوته تتجدد وتتكرر، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى نبيًّا عن قومه، ورسولاً عن أمته، وصلى الله وبارك عليه، وعلى أهل بيته الطاهرين[91]، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.


    الهوامش:

    (69) البديهة: الفجاءة؛ أي من رآه مفاجأة من غير سابق معرفة خافه أو وقَّره وأجلَّه لما يتجلى في شمائله من الروعة والهَيْبة، ومن خالطه أي: عاشره مخالطة معرفة أحبه لحُسن خلقه وكمال آدابه وشدة رحمته وعنايته بأمر معاشره، وهذا الكلام من وصف علي رضي الله عنه له صلى الله عليه وسلم.

    (70) البأس: بالهمز ويخفف هنا للتناسب وهو الشدة والمكروه، والمراد هنا الحرب ونحوها من المكاره الشديدة.

    (71) كان أُبَيّ من رؤوس المشركين وصناديدهم، وكان يعلف فرسًا له بمكة اسمه العود ويقول: أقتل عليه محمدًا فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- خبره فقال: (بل أنا أقتله إن شاء الله) فلما كان يوم أُحد ونُكب المسلمون وانكشفوا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقبل أُبي مقنعًا بالحديد لا يُرى من بدنه شيء، وجعل يقول: أين هذا الذي يزعم أنه نبي فليبرز لي فإنه إن كان نبيًّا قتلني، فلما دنا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ النبي حربة من الحارث بن الصِّمة فطعنه بها طعنة جاءت في تَرقوته من فُرجة بين سابغة الدرع والبيضة التي على الرأس فكرَّ الخبيث منهزمًا ومات من ذلك الجُرح في طريقهم إلى مكة قيل: بسرف وقيل: برابغ.

    (72) قال -صلى الله عليه وسلم-: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) رواه أحمد والترمذي عن أبي سعيد.

    (73) من وصاياه: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

    (74) كان أحب الشراب إليه الحلو البارد كما في حديث عائشة في الشمائل، وكان يستعذب له الماء من بيوت السقيا كما روى أبو داود، والسُّقيا بالضم عين على بُعد يوم من المدينة أو أكثر.

    (75) أي: لا يعانوا ولا يناصروا.

    (76) الإحرام وتقليد الهدي، أي: ما يُهدى إلى الحرم من الأنعام دليل على عدم إرادة القتال.

    (77) الحُديبية بالتخفيف كدويهية ويشدِّده أكثر المحدثين: بئر سُمي باسمها الموضع الذي حولها (وقيل: وادٍ هناك) وهوعلى نحو مرحلة من مكة من بعضها عن طريق جدة وكان هناك قرية، قيل: هي في الحِلّ، وقيل: في الحرم، وقيل: بعضها في الحل وبعضها في الحرم وهو أبعده عن مكة.

    (78) كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- 1400 رجل أو 1500.

    (79) لما صالح -صلى الله عليه وسلم- المشركين أمر المؤمنين بالتحلل من عمرتهم فلم يبادروا إلى الامتثال لما عراهم من ذهول الحزن، فدخل -صلى الله عليه وسلم- على أم سلمة وقال لها: (هلك المسلمون) وذكر لها ما كان فأشارت عليه بأن يخرج ولا يكلم أحدًا حتى ينحر هديه ويحلق رأسه، فخرج ففعل ذلك فتبعوه فنحروا، وصار يحلق بعضهم بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا من الغم.

    (80) عجل لهم فتح خيبر فقد عاد -صلى الله عليه وسلم- من الحديبية في ذي الحجة فأقام في المدينة زُهاء عشرين ليلة، ثم خرج إلى خيبر ففتحها في المحرَّم أول سنة سبع.

    (81) ملوك جزيرة العرب والشام ومصر وفارس.

    (82) المناسك أحكام الحج، وقد اختُلف في عدد من حج مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع من 40 ألفًا إلى مئة وعشرين ألفًا وسبب هذا الاختلاف أنه خرج من المدينة بجماهير المسلمين فيها وفيما حولها، وكان الناس ينضمون إليهم في الطريق عدا من حج من سائر بلاد العرب.

    (83) أي: عشر سنين.

    (84) توفي -صلى الله عليه وسلم- يوم الإثنين 12 ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وكذلك كانت ولادته وبعثته وهجرته في يوم الإثنين وفي ذلك إشارة إلى أن الإيمان به يلي الإيمان بالله تعالى، والشهادتان شاهدتان على ذلك.

    (85) روى مسلم في صحيحه من طرق عن زيد بن أرقم قال: قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطيبًا بماء يدعى خُمّا بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكَّر ثم قال: (أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به- فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: -وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، وفسر زيد أهل بيته بمن حرَّم عليهم الصدقة، قال: وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس ويقول آخرون: هم علي وذريته من فاطمة -عليهم السلام- ولَعمري إنهم كانوا أحفظ الناس لهديه حتى عند ظهور البدع وفتن الدنيا، ولا يخلو عصر من طائفة منهم أو أفراد من الهداة المصلحين، وإنْ فُتن الكثيرون منهم بغلاة المحبين، فكانت فتنتهم لهم أعم وأدوم من فتنة الأمراء الظالمين؛ إذ كان من أثرها في ذريتهم أن ترك أكثرهم العلم والأعمال النافعة استغناء عنهما بشرف النسب، غافلين عن قول جدهم علي المرتضى -كرم الله وجهه-: قيمة كل امرئ ما يحسنه، ولله دَرّ بيت الإمامة في اليمن منهم فإنهم لم يتركوا الاجتهاد في علوم الدين والمحافظة على الإمامة إلى اليوم والثقل بالضم وبفتحتين: الشيء النفيس المصون، وكذا متاع المسافر وحشمه قال النووي: قال العلماء: سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل: العمل بهما، وروى الترمذي من حديث جابر قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: (إني تارك فيم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي- أحدهما أعظم من الآخر- كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعِترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) وروى أحمد والطبراني من حديث زيد بن ثابت مرفوعًا (إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض، وعِترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض) وعلم عليه السيوطي بالصحة، ورُوي نحوه من حديث أبي سعيد وحذيفة بن أسيد ورواته كثيرون وطرقه متعددة ذكرنا أصحها، وروي حديث بمعناه عن أبي هريرة وفيه لفظ السنة بدل العترة، ومعناه صحيح ولا معارضة بينه وبين الآخر الذي هو أصح منه رواية ويؤيده حديث مرسل في الموطأ.

    (86) ورد في مناقب الخلفاء الأربعة أحاديث كثيرة في الصحاح وغيرها وورد لفظ الخلفاء الراشدين في حديث العرباض بن سارية عند أبي داود والترمذي (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عَضوا عليها بالنواجذ) إلخ.

    (87) ورد في فضل أصحابه -صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة منها في صحيح مسلم أنهم أمنة لأمته فإذا ذهبوا أتاهم ما يوعدون ومعنى أَمَنَة حفظة على الدين، ومنها الحديث الصحيح (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) إلخ رواه الشيخان وغيرهما، والقرن: العصر طال أو قصر.

    (88) الإسلام هو الذي شرع للناس شكل الحكومة التي يسمونها الديمقراطية فأقامها الراشدون بالعمل ثم هدمت بالتدريج.

    (89) إشارة إلى حديث أبي هريرة عند البخاري (إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة).

    (90) إشارة إلى ما ورد في الصحيحين والسنن من الأحاديث كحديث ثوبان: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) وحديث المغيرة: (لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) واللفظان هنا لمسلم وليس في البخاري (على الناس) وفي أحاديث أخرى ذكر عصابة تقاتل على الدين أي على حفظه، وذكر النووي أن الطائفة لا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل يجوز اجتماعهم في قطر أو بلد ويجوز تفرقهم، وذكر أن منهم الفقيه والمحدث والمفسر والمقاتل والقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والزاهد والعابد أي: لأن إقامة الحق تكون بالعلم بالكتاب والسنة وبثهما وبالعمل بهما وبالدفاع عنه بالحجة وبالقوة.

    (91) ذكر المباركة هنا مع الصلاة لموافقة الصلاة الإبراهيمية المشروعة في الصلوات، والحمد لله على نعمه التي تتم بها الصالحات.

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •