حامل المسك
16-03-2010, 06:43 PM
التجلي الإلهي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فطر الخلائق على معرفته و توحيده , و هدى الكائنات لتسبيحه و تمجيده , و تفتقت الألسن بحمده و شكره , و عنت الجباه لعلوه و قهره , تعالى أن يحيط بِكُنهِ ذاته , و حدّ صفاته وَهمُ واهم أو زعم زاعم بعقله و فكره , أعزّ من تواضع لسلطانه برفعه , و أذلّ كل عادٍ متكبر بخفضه و كسره , امتحن الغنيّ بجَدِّه , و ابتلى الفقير بكدّه و فقره , أحمده على واسع إحسانه الذي لا يُحَدّ , و سوابغ نعمائه التي لا تُعَدّ , كما أثنى على نفسه في محكم ذكره , و أسأله عاطر التسليم , و زاكي الصلوات على محمد بن عبد الله الذي تواترت الآيات البينات , و البراهين الساطعات بتأييده و نصره , و على الآل و الصحب الكرام و كل متّبع لسنته و أمره , أما بعد .
فإن القرآن كلام الله , و قد تجلى الله فيه لعباده بصفاته فتارة يتجلى في جلباب الهيبة و العظمة و الجلال , فتخضع الأعناق , و تنكسر النفوس , و تخشع الأصوات , و يذوب الكبر , كما يذوب الملح في الماء .
و تارة يتجلى في صفات الجمال و الكمال , و هو كمال الأسماء , و جمال الصفات , و جمال الأفعال الدال على كمال الذات , فيستنفذ حُبُّه من قلب العبد قوة الحب كلها , بحسب ما عرفه من صفات جماله , و نعوت كماله , فيصبح فؤاد عبده فارغاً إلا من محبته , فإذا أراد منه الغير أي يعلق تلك المحبة به أبى قلبه و أحشاؤه ذلك كل الإباء , كمال قيل :
يراد من القلب نسيانكم *** و تأبى الطِّباع على الناقل
فتبقى المحبة له طبعاً لا تكلفاً .
و إذا تجلى بصفات الرحمة و البر و اللطف و الإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد , و انبسط أمله , و قوي طمعه , و سار إلى ربه و حادي الرجاء يَحدو ركاب سيره . و كلما قوي الرجاء جدّ في العمل , كما أن الباذر كلما قوي طمعُهُ في المَغَلّ علّق أرضه بالبذر , و إذا ضعف رجاؤه قصّر في البذر .
و إذا تجلى بصفات العدل و الإنتقام و الغضب و السخط و العقوبة , انقمعت النفس الأمارة , و بطلت أو ضعفت قواها من الشهوة و الغضب و اللهو و اللعب و الحرص على المحرمات , و انقبضت أَعِنَّة رعونتها , فأحضرت المطية حظها من الخوف و الخشية و الحذر .
و إذا تجلى بصفات الأمر و النهي و العهد و الوصية و إرسال الرسل و إنزال الكتب و شرع الشرائع , انبعثت منها قوة الامتثال و التنفيذ لأوامره , و التبليغ لها , و التواصي بها و ذِكرِها و تَذَكُّرِها و التصديق بالخير و الإمتثال للطلب , و الإجتناب للنهي .
و إذا تجلى بصفات السمع و البصر و العلم , انبعثت من العبد قوة الحياء فيستحي من ربه أن يراه على ما يكره أو يسمع منه ما يكره أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه , فتبقى حركاته و أقواله و خواطره موزونة بميزان الشرع , غير مهملة و لا مرسلة تحت حكم الطبيعة و الهوى .
و إذا تجلى بصفات الكفاية و الحسب و القيام بمصالح العباد و سَوقِ أرزاقهم إليهم , و دفع المصائب عنهم , و نصره لأوليائه , و حمايته لهم , و معيّته الخاصة لهم , انبعثت من العبد قوة التوكل عليه , و التفويض إليه , و الرضا به في كل ما يُجريه على عبده , و يقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه .
و التوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله و حسن اختياره لعبده , و ثقته به , و رضاه بما يفعله به و يختاره له .
و إذا تجلى بصفات العزّ و الكبرياء , أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذلّ لعظمته , و الإنكسار لعزّته , و الخضوع لكبريائه , و خشوع القلب و الجوارح له , فتعلوه السكينة و الوقار في قلبه و لسانه و جوارحه و سَمتِه , و يذهب طيشه و قوّتُهُ و حِدَّتُهُ .
و جماع ذلك : أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلهيته تارة , و بصفات ربوبيته تارة , فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة , و الشوق إلى لقائه , و الأنس و الفرح به , و السرور بخدمته , و المنافسة في قربه و التودد إليه بطاعته , و اللهج بذكره , و الفرار من الخلق إليه , و يصير هو وحده هَمَّهُ دون ما سواه .
و يوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه و الإفتقار إليه و الإستعانة به و الذل و الخضوع و الإنكسار له .
و كمال ذلك أن يشهد ربوبيته في إلهيته , و إلهيته في ربوبيته و حمده في ملكه , و عزّه في عفوه , و حكمته في قضائه و قدره , و نعمته في بلائه , و عطاءه في منعه , و برّه و لطفه و إحسانه و رحمته في قيوميته , و عدله في انتقامه , و جوده و كرمه في مغفرته و ستره و تجاوزه .
و يشهد حكمته و نعمته في أمره و نهيه , و عزّه في رضاه و غضبه , و حِلمَهُ في إمهاله , و كرمه في إقباله , و غناه في إعراضه .
و أنت إذا تدبرت القرآن أشهدك ملكاً قيوماً فوق سبع سماواته على عرشه يُدَبِّرُ أمر عباده , يأمر و ينهى , و يرسل الرسل , و ينزل الكتب , و يرضى و يغضب , و يثيب و يعاقب , و يعطي و يمنع , و يعزّ و يذلّ , و يخفض و يرفع , يرى من فوق سبعٍ و يسمع , و يعلم السرّ و العلانية , فعال لما يريد , موصوف بكل كمال , منزه عن كل عيب , لا تتحرك ذرّة فما فوقها إلا بإذنه , و لا تسقط ورقة إلا بعلمه , و لا يشفع أحدٌ عنده إلا بإذنه , ليس لعباده من دونه وليٌّ و لا شفيع .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فطر الخلائق على معرفته و توحيده , و هدى الكائنات لتسبيحه و تمجيده , و تفتقت الألسن بحمده و شكره , و عنت الجباه لعلوه و قهره , تعالى أن يحيط بِكُنهِ ذاته , و حدّ صفاته وَهمُ واهم أو زعم زاعم بعقله و فكره , أعزّ من تواضع لسلطانه برفعه , و أذلّ كل عادٍ متكبر بخفضه و كسره , امتحن الغنيّ بجَدِّه , و ابتلى الفقير بكدّه و فقره , أحمده على واسع إحسانه الذي لا يُحَدّ , و سوابغ نعمائه التي لا تُعَدّ , كما أثنى على نفسه في محكم ذكره , و أسأله عاطر التسليم , و زاكي الصلوات على محمد بن عبد الله الذي تواترت الآيات البينات , و البراهين الساطعات بتأييده و نصره , و على الآل و الصحب الكرام و كل متّبع لسنته و أمره , أما بعد .
فإن القرآن كلام الله , و قد تجلى الله فيه لعباده بصفاته فتارة يتجلى في جلباب الهيبة و العظمة و الجلال , فتخضع الأعناق , و تنكسر النفوس , و تخشع الأصوات , و يذوب الكبر , كما يذوب الملح في الماء .
و تارة يتجلى في صفات الجمال و الكمال , و هو كمال الأسماء , و جمال الصفات , و جمال الأفعال الدال على كمال الذات , فيستنفذ حُبُّه من قلب العبد قوة الحب كلها , بحسب ما عرفه من صفات جماله , و نعوت كماله , فيصبح فؤاد عبده فارغاً إلا من محبته , فإذا أراد منه الغير أي يعلق تلك المحبة به أبى قلبه و أحشاؤه ذلك كل الإباء , كمال قيل :
يراد من القلب نسيانكم *** و تأبى الطِّباع على الناقل
فتبقى المحبة له طبعاً لا تكلفاً .
و إذا تجلى بصفات الرحمة و البر و اللطف و الإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد , و انبسط أمله , و قوي طمعه , و سار إلى ربه و حادي الرجاء يَحدو ركاب سيره . و كلما قوي الرجاء جدّ في العمل , كما أن الباذر كلما قوي طمعُهُ في المَغَلّ علّق أرضه بالبذر , و إذا ضعف رجاؤه قصّر في البذر .
و إذا تجلى بصفات العدل و الإنتقام و الغضب و السخط و العقوبة , انقمعت النفس الأمارة , و بطلت أو ضعفت قواها من الشهوة و الغضب و اللهو و اللعب و الحرص على المحرمات , و انقبضت أَعِنَّة رعونتها , فأحضرت المطية حظها من الخوف و الخشية و الحذر .
و إذا تجلى بصفات الأمر و النهي و العهد و الوصية و إرسال الرسل و إنزال الكتب و شرع الشرائع , انبعثت منها قوة الامتثال و التنفيذ لأوامره , و التبليغ لها , و التواصي بها و ذِكرِها و تَذَكُّرِها و التصديق بالخير و الإمتثال للطلب , و الإجتناب للنهي .
و إذا تجلى بصفات السمع و البصر و العلم , انبعثت من العبد قوة الحياء فيستحي من ربه أن يراه على ما يكره أو يسمع منه ما يكره أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه , فتبقى حركاته و أقواله و خواطره موزونة بميزان الشرع , غير مهملة و لا مرسلة تحت حكم الطبيعة و الهوى .
و إذا تجلى بصفات الكفاية و الحسب و القيام بمصالح العباد و سَوقِ أرزاقهم إليهم , و دفع المصائب عنهم , و نصره لأوليائه , و حمايته لهم , و معيّته الخاصة لهم , انبعثت من العبد قوة التوكل عليه , و التفويض إليه , و الرضا به في كل ما يُجريه على عبده , و يقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه .
و التوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله و حسن اختياره لعبده , و ثقته به , و رضاه بما يفعله به و يختاره له .
و إذا تجلى بصفات العزّ و الكبرياء , أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذلّ لعظمته , و الإنكسار لعزّته , و الخضوع لكبريائه , و خشوع القلب و الجوارح له , فتعلوه السكينة و الوقار في قلبه و لسانه و جوارحه و سَمتِه , و يذهب طيشه و قوّتُهُ و حِدَّتُهُ .
و جماع ذلك : أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلهيته تارة , و بصفات ربوبيته تارة , فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة , و الشوق إلى لقائه , و الأنس و الفرح به , و السرور بخدمته , و المنافسة في قربه و التودد إليه بطاعته , و اللهج بذكره , و الفرار من الخلق إليه , و يصير هو وحده هَمَّهُ دون ما سواه .
و يوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه و الإفتقار إليه و الإستعانة به و الذل و الخضوع و الإنكسار له .
و كمال ذلك أن يشهد ربوبيته في إلهيته , و إلهيته في ربوبيته و حمده في ملكه , و عزّه في عفوه , و حكمته في قضائه و قدره , و نعمته في بلائه , و عطاءه في منعه , و برّه و لطفه و إحسانه و رحمته في قيوميته , و عدله في انتقامه , و جوده و كرمه في مغفرته و ستره و تجاوزه .
و يشهد حكمته و نعمته في أمره و نهيه , و عزّه في رضاه و غضبه , و حِلمَهُ في إمهاله , و كرمه في إقباله , و غناه في إعراضه .
و أنت إذا تدبرت القرآن أشهدك ملكاً قيوماً فوق سبع سماواته على عرشه يُدَبِّرُ أمر عباده , يأمر و ينهى , و يرسل الرسل , و ينزل الكتب , و يرضى و يغضب , و يثيب و يعاقب , و يعطي و يمنع , و يعزّ و يذلّ , و يخفض و يرفع , يرى من فوق سبعٍ و يسمع , و يعلم السرّ و العلانية , فعال لما يريد , موصوف بكل كمال , منزه عن كل عيب , لا تتحرك ذرّة فما فوقها إلا بإذنه , و لا تسقط ورقة إلا بعلمه , و لا يشفع أحدٌ عنده إلا بإذنه , ليس لعباده من دونه وليٌّ و لا شفيع .