النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: التجلي الإلهي

  1. #1

    افتراضي التجلي الإلهي

    التجلي الإلهي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي فطر الخلائق على معرفته و توحيده , و هدى الكائنات لتسبيحه و تمجيده , و تفتقت الألسن بحمده و شكره , و عنت الجباه لعلوه و قهره , تعالى أن يحيط بِكُنهِ ذاته , و حدّ صفاته وَهمُ واهم أو زعم زاعم بعقله و فكره , أعزّ من تواضع لسلطانه برفعه , و أذلّ كل عادٍ متكبر بخفضه و كسره , امتحن الغنيّ بجَدِّه , و ابتلى الفقير بكدّه و فقره , أحمده على واسع إحسانه الذي لا يُحَدّ , و سوابغ نعمائه التي لا تُعَدّ , كما أثنى على نفسه في محكم ذكره , و أسأله عاطر التسليم , و زاكي الصلوات على محمد بن عبد الله الذي تواترت الآيات البينات , و البراهين الساطعات بتأييده و نصره , و على الآل و الصحب الكرام و كل متّبع لسنته و أمره , أما بعد .



    فإن القرآن كلام الله , و قد تجلى الله فيه لعباده بصفاته فتارة يتجلى في جلباب الهيبة و العظمة و الجلال , فتخضع الأعناق , و تنكسر النفوس , و تخشع الأصوات , و يذوب الكبر , كما يذوب الملح في الماء .

    و تارة يتجلى في صفات الجمال و الكمال , و هو كمال الأسماء , و جمال الصفات , و جمال الأفعال الدال على كمال الذات , فيستنفذ حُبُّه من قلب العبد قوة الحب كلها , بحسب ما عرفه من صفات جماله , و نعوت كماله , فيصبح فؤاد عبده فارغاً إلا من محبته , فإذا أراد منه الغير أي يعلق تلك المحبة به أبى قلبه و أحشاؤه ذلك كل الإباء , كمال قيل :

    يراد من القلب نسيانكم *** و تأبى الطِّباع على الناقل



    فتبقى المحبة له طبعاً لا تكلفاً .

    و إذا تجلى بصفات الرحمة و البر و اللطف و الإحسان انبعثت قوة الرجاء من العبد , و انبسط أمله , و قوي طمعه , و سار إلى ربه و حادي الرجاء يَحدو ركاب سيره . و كلما قوي الرجاء جدّ في العمل , كما أن الباذر كلما قوي طمعُهُ في المَغَلّ علّق أرضه بالبذر , و إذا ضعف رجاؤه قصّر في البذر .


    و إذا تجلى بصفات العدل و الإنتقام و الغضب و السخط و العقوبة , انقمعت النفس الأمارة , و بطلت أو ضعفت قواها من الشهوة و الغضب و اللهو و اللعب و الحرص على المحرمات , و انقبضت أَعِنَّة رعونتها , فأحضرت المطية حظها من الخوف و الخشية و الحذر .

    و إذا تجلى بصفات الأمر و النهي و العهد و الوصية و إرسال الرسل و إنزال الكتب و شرع الشرائع , انبعثت منها قوة الامتثال و التنفيذ لأوامره , و التبليغ لها , و التواصي بها و ذِكرِها و تَذَكُّرِها و التصديق بالخير و الإمتثال للطلب , و الإجتناب للنهي .

    و إذا تجلى بصفات السمع و البصر و العلم , انبعثت من العبد قوة الحياء فيستحي من ربه أن يراه على ما يكره أو يسمع منه ما يكره أو يخفي في سريرته ما يمقته عليه , فتبقى حركاته و أقواله و خواطره موزونة بميزان الشرع , غير مهملة و لا مرسلة تحت حكم الطبيعة و الهوى .

    و إذا تجلى بصفات الكفاية و الحسب و القيام بمصالح العباد و سَوقِ أرزاقهم إليهم , و دفع المصائب عنهم , و نصره لأوليائه , و حمايته لهم , و معيّته الخاصة لهم , انبعثت من العبد قوة التوكل عليه , و التفويض إليه , و الرضا به في كل ما يُجريه على عبده , و يقيمه فيه مما يرضى به هو سبحانه .

    و التوكل معنى يلتئم من علم العبد بكفاية الله و حسن اختياره لعبده , و ثقته به , و رضاه بما يفعله به و يختاره له .

    و إذا تجلى بصفات العزّ و الكبرياء , أعطت نفسه المطمئنة ما وصلت إليه من الذلّ لعظمته , و الإنكسار لعزّته , و الخضوع لكبريائه , و خشوع القلب و الجوارح له , فتعلوه السكينة و الوقار في قلبه و لسانه و جوارحه و سَمتِه , و يذهب طيشه و قوّتُهُ و حِدَّتُهُ .

    و جماع ذلك : أنه سبحانه يتعرف إلى العبد بصفات إلهيته تارة , و بصفات ربوبيته تارة , فيوجب له شهود صفات الإلهية المحبة الخاصة , و الشوق إلى لقائه , و الأنس و الفرح به , و السرور بخدمته , و المنافسة في قربه و التودد إليه بطاعته , و اللهج بذكره , و الفرار من الخلق إليه , و يصير هو وحده هَمَّهُ دون ما سواه .

    و يوجب له شهود صفات الربوبية التوكل عليه و الإفتقار إليه و الإستعانة به و الذل و الخضوع و الإنكسار له .

    و كمال ذلك أن يشهد ربوبيته في إلهيته , و إلهيته في ربوبيته و حمده في ملكه , و عزّه في عفوه , و حكمته في قضائه و قدره , و نعمته في بلائه , و عطاءه في منعه , و برّه و لطفه و إحسانه و رحمته في قيوميته , و عدله في انتقامه , و جوده و كرمه في مغفرته و ستره و تجاوزه .

    و يشهد حكمته و نعمته في أمره و نهيه , و عزّه في رضاه و غضبه , و حِلمَهُ في إمهاله , و كرمه في إقباله , و غناه في إعراضه .

    و أنت إذا تدبرت القرآن أشهدك ملكاً قيوماً فوق سبع سماواته على عرشه يُدَبِّرُ أمر عباده , يأمر و ينهى , و يرسل الرسل , و ينزل الكتب , و يرضى و يغضب , و يثيب و يعاقب , و يعطي و يمنع , و يعزّ و يذلّ , و يخفض و يرفع , يرى من فوق سبعٍ و يسمع , و يعلم السرّ و العلانية , فعال لما يريد , موصوف بكل كمال , منزه عن كل عيب , لا تتحرك ذرّة فما فوقها إلا بإذنه , و لا تسقط ورقة إلا بعلمه , و لا يشفع أحدٌ عنده إلا بإذنه , ليس لعباده من دونه وليٌّ و لا شفيع .
    التعديل الأخير تم بواسطة الزاهر ; 16-03-2010 الساعة 07:12 PM
    قَالَ عليه الصلاة والسلام : إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ
    فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً
    وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً
    [متفق عليه]


    يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
    [الأحقاف | 31]


ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •