المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلمان العودة ( أبا معاذ )



المعتز بالله
28-05-2010, 03:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

من هنا يا أبا معاذ !

في مقالهِ ( النهضة وأخواتها ) استحضر الدكتور سلمان العودة حالتين للتغيير ، حالةَ الثورة التي تستجمع القبيح في المجتمع لتثور عليه وتأتي الناس بما لا يعرفون أو بما لا يقرون ، إذ الثورة ليست انتقالاً للأفضل غالباً ـ على حد تعبير الدكتور .
وحالةَ النهضة ، وهي على النقيض من حالة الثورة ، وهي مرحلة تالية جاءت بعد فشل زمن الثورة وانتهائه ، وهي ( النهضة ) . حالة تستجمع الجميل لتفعيله ، وتبني على الخبرات السابقة ( الأفكار والنماذج ) بعد صياغتها وفق متغيرات الزمان والمكان والثقافة . على ما يُفهم من كلام الدكتور سلمان العودة .
وفي المقال يشكو الدكتور سلمان العودة من ( تراجعٍ مخيف في الهم الإصلاحي والنهضوي وتباطؤ في تداول الفكرة والحديث عنها ) ، ويبين أن النهضة قد لا تكون مع توافر العوامل اللازمة لها من أفراد وثروات . ويبين أن الحل في أن نملك مشروعاً له رؤيته وأن نستطيع قياس التقدم والتخلف وفق معايير صحيحة . ويقدم ( الإصلاح ) كمشروعٍ يجتمع عليه ( العامة والخاصة ، والسياسي والشرعي ) يريد للقلوب أن تأتلف على ( مشاريع إصلاحية تنموية في البنية التحتية والتعليم والإعلام والصحة والاقتصاد وجوانب الحياة ) ، يريد فك حالة التخندق الديني والمذهبي بل والفكري بالالتقاء على الإصلاح .!!

والدكتور سلمان العودة يتحدث عن ذاته لا عن تسلسل الأفكار وتطورها في حياة الناس ، ولا عن تاريخ الأمة وواقعها المعاصر، فضلاً عن تاريخ البشرية وواقعها كما قد يُتصور من استدلاله بدولٍ أجنبية في الشرق والغرب.

لا تدري كيف يفكر أبو معاذ ؟!!

يخيل لأبي معاذ أنهما متتاليان ... الثورة زمن كان والنهضة زمن كائن ، مع أنه يقر في ذات المقال بأن الثورات لازالت قائمة في بعض بلدان الشرق!! ؛ والواقع يحدثنا بأن التغير العسكري ( الثورة ) لازال يحكم في بلدٍ كالسودان ، وموريتانيا ، والصومال ، ولا زال الخطاب المجيِّش للناس برصد سلبيات الموجود للانقضاض عليه موجوداً ومنتشراً فيما يعرف بالمعارضة السياسية التي لا تكاد تخلو منها بلد الآن .

وسؤال النهضة نبت في بعض الرؤوس قبل أن تعرف الأمة أي ثورة ، وما أمر خير الدين التونسي وجمال الدين ( الأفغاني ) ببعيد .

فليست متتالية إذاً ، هي فقط متتالية في رأس الدكتور ، كأنه يحكي عن نفسه ، إذ كان يتبنى ـ فيما يظهر لي ـ فكر التأليب والنقد ( رصد السلبيات ) المفضي للثورة ، والآن يتبنى فكر ( الإصلاح ) القائم على الالتقاء مع الجميع على المشترك .

الأمة الإسلامية لا تعرف ( الثورة ) ، ولا تعرف ( النهضة وأخواتها ) كل هذه دعوات دخلية .. شعارات تخادع بها الجماهير . ولك أن تتدبر في الثورات ودعوات ( النهضة ) إلى ماذا انتهى أمرها في كل مكان ظهرت فيه ؟!

أمر الثورات معروف لا ينازع فيه الدكتور . وأمر النهضة أشد بياناً فلا أدري لم ينازع فيه بل يدعو إليه ؟
ظهرت الدعوة للنهضة في الأمة الإسلامية في القرن التاسع عشر ، وهبَّ ( الشرعي ) ( المتفتح ) ورفع عقيرته ( بالنهضة ) وهبت جيوش من المبتعثين للدول ( المتقدمة ) . وانتهى الأمر بانحراف فكري .
نعم : انتهى الأمر بانحرافٍ فكري .
ولك أن تتدبر في مخرجات الداعين للنهضة في مصر وغيرها في القرن التاسع عشر خير الدين التونسي وجمال الدين ( الأفغاني ) ومحمد عبده وغيرهم . كانت ثمرة هذا الحراك انحراف فكري .. لا تقدم تقني .. كانت ثمرة هذا الحراك ( النهضوي ) قاسم أمين وسعد زغلول ولطفي السيد وجامعة القاهرة .!!

أين الخلل ؟!

الخلل في الغفلة عن أن الأمة الإسلامية أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، تعرِّف الناس بربهم وتدعوهم لعبادته وحده لا شريك له . ونحن كأفراد هنا في هذه الحياة الدنيا فقط لعبادة الله وتعبيد الناس لله .
وإن التزمنا بهذا جاء التقدم وجاء الرقي ، كثمرة طبعية للالتزام بشرع الله .

انتهى المتحدثون في العلوم الإنسانية أن الغاية من حراك الإنسان هي السعادة ويجتمعون على أنها الراحة والطمأنينة ، وهي غير النجاح ، وهي غير اللذة ، وهي لا تشترط لقدومها القصور المشيدة ولا المراكب الفخمة المذللة . والسعادة وراحة البال ( التي هي مطلب الجميع ) في التعرف على الله وعبادته ** أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }الرعد28، {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ }المطففين 22 .
هذا ما يحتاجه الناس حقيقة ، وهو محور رئيس عند كل المهتمين بالشأن الإنساني . وهو مفقود عند غير المسلمين ، ويفضي إلى عذابٍ مقيم .. من رجزٍ أليم .
فمن يريد الخير للإنسانية كما هو حال لسان أبي معاذ عليه أن يعرفهم بالله ، لا أن يحدثهم عن تقدم تقني ، وعن بحثٍ عن المشترك ليلتقوا عليه .


هناك شيء اسمه البركة ، وهي لأهل الإيمان والتقوى :{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأعراف96 .
الأموال كالجبال ، والرجال كحصى الرمال ، وكل شيء ميسر والناس مشغولون ، لا تسأل كبيراً ولا صغيراً إلا وتجده مشغولاً !!
نزعت البركة من الأموال والأوقات .
نشهد أكبر تقدم مادي نعرفه في تاريخ البشرية وما المحصلة ؟
الخوف والجوع لا يكاد يخل منهما مكان .

يعنيني هنا أن المترددين على ( النهضة وأخواتها ) تركوا مهمتهم الأصلية ، وهي تعبيد الناس لله . فليست المهمة هي البحث عن المشترك للالتقاء عليه .
وحادوا عن هدفهم المعلن ، وهو إسعاد الإنسانية ، حين لم يرشدوها على أن السعادة في اتباع محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
ويعنيني هنا أن ( النهضة وأخواتها ) جربناها من قبل ولم نجن من ورائها نهضة بل مزيد تبعية ( للآخر ) .
ويعنيني هنا بيان أن الشرعي لا شأن له بالتقني . لو كان المراد التقدم التقني فهذا سهل ميسور . نُخرج الأكفاء منا في هذا المجال يبتعثون لمن عندهم هذه البضاعة ويحملون لنا . أو نفعل هذا الكم المتراكم من الأبحاث العلمية الموجودة لدينا . فالإشكال ليس في مزيد معارف ، وإنما في تطبيق . والتطبيق حين يأتي يأتي معه تقدم وخبرات متراكمة .

يعنيني هنا القاء الضوء على أن الحديث عن ( النهضة وأخواتها ) يتحول إلى حديثٍ عن موقفنا من المخالف في الملة أو في المذهب الديني . ويتحول للحديث عن قضايا شرعية بحتة مثل ( الحجاب ) بمفهومه العام الذي يشمل ( التبرج والسفور ومخالطة الرجال ) و ( الولاء والبراء ) و ( الطائفية ) . ما شأن هذا والنهضة ؟!

على الشرعي أن يخلع ثوب التقني .
وعلى الشرعي أن يبين للناس لم خلقوا ؟
وعلينا جميعاً أن لا نسلك طريقاً سلكناه ووجدناه مسدوداً أو منحدراً إلى عفن ونتن ومزيدٍ من المهانة .
وعلينا أن ننادي كل من يسلك هذا الطريق بأن ليس الطريق من هنالك . فطريقكم هذا سلكناه من قبل ولم نجن منه شيئاً . فمن هنا يا أبا معاذ ، ويا كل دعاة ( النهضة ) ، خلف محمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

محمد بن جلال القصاص

أبو حسن
28-05-2010, 10:14 AM
لست هنا في صدد الدفاع عن الشيخ سلمان ومقالته التي لم أقرأها أصلا... لكن هذه المقالة، بنظري، احتوت بعض الأخطاء المعرفية والثقافية التي أدت إلى استنتاجات خاطئة...

فإن كنت أخي المعتز بالله قادرا على مناقشة ما ورد في المقالة، طرحتُ ما عندي وناقشتك فيه... أما إن كنت مجرد ناقل، فقد كفيتني مؤونة النقاش...

nour
28-05-2010, 02:02 PM
مرحبًا أخي الكريم محمد.
ومرحبًا ناقل المقال.
سأناقش الأمر لأني قرأت المقال
ولأنني واحد من فريق إعداد برنامج حجر الزاوية الذي يعرضه فضيلة الشيخ سلمان العودة في رمضان، والذي هو بعنوان: (التغيير) هذا العام.

سأعود بإذن الله بعد قليل .
وابق معنا أخي الكريم محمد.

nour
28-05-2010, 03:30 PM
* بعضهم يعشق النقد للنقد، أو ربما لأنّ نقد الكبار فرصة له كي يتسامع به الناس.

1-طرح فضيلة الشيخ سلمان العودة في مقالات عديدة في موقع الإسلام اليوم وفي صفحته على الفايسبوك همومًا نهضوية :
أوّلها: تأخير الهمّ الإصلاحي ،وعدم طرحه كأولوية ضمن اهتماماتنا.
وهنا يتحدّث فضيلته عن الإصلاح كمعنى شامل، لا عن تديين الناس وحسب. فالأنبياء جاءوا ليصلحوا أحوال الناس من كل ناحية ،والتشريع الإسلامي عني بالاقتصاد والمعرفة والأخلاق والسياسة... ولم يهمل أيّ جانب من جوانب الحياة البشرية.
والمؤشرات على تأخير هذا الهمّ كثيرة. فقد سبقتنا إلى الإصلاح بهذا المعنى شعوب كثيرة لم يجدر أن تسبقنا .

ثانيًا: لم ينف فضيلته وجود النهج الثوريّ بل نقده.
فالنهج النبويّ ليس ثوريًّا . تأمّل قوله تعالى (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله...)
ورسولنا صلى الله عليه وسلم لم يأت انقلابيًّا على المجتمع ،على اعتبار أنه شرّ كلّه، بل أقرّ عادات جاهلية (الكرم) وعزّزها، و(تحريم القتال في الأشهر الحرم) وقال عن حلف الفضول أنه لو كان في الإسلام لشهده.
والثورة هي نهج انقلابيّ على الموجود كلّه . أما الإصلاح ، فتعزيز لمواطن الخير وتصحيح لمواطن الفساد.

ثالثًا: يرى الكاتب أن لا علاقة للسعادة برغد العيش.
قد لا يكون الثراء مطلبًا لتحقق السعادة، لكن الاكتفاء مطلب بالتأكيد . وأين الكاتب من قوله تعالى (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده )بوضوح:الرفاه حقّ من حقوق البشر. وما تفسيره لحقّ الفقير في مال الغني ؟. بل للنظام الاقتصاديّ الإسلاميّ برمّته ؟ ولاستعاذته عليه الصلاة والسلام من الفقر والدّين؟ .
رفع المستوى الاقتصاديّ مطلب إصلاحيّ ولا شك. ولا أحسب أنّ العاقل يحتاج أدلّة إلى ذلك.

رابعًا: مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الكاتب مفهوم قاصر عن مفهومه عند فضيلة الشيخ. فكلّ ما يحقق للمسلمين مصلحة فهو معروف مطلوب وكل ما يحول دونه فهو منكر. لأنّ الشريعة قائمة على مقاصد ، لحفظ دين الإنسان وماله وعرضه وحياته وغيرها من المصالح.
ومن يقرأ الفقه والأصول يدهش من توسّع العلماء في باب المصالح. والصحابة رضوان الله عليهم ما جمعوا القرآن الكريم إلا من هذا الباب، ولا تمّ جمع السنّة إلا من هذا الباب. وهما أعظم مصلحتين وأخطر قرارين.

خامسًا:يدعو الكاتب إلى استعادة نهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومقارنة بسيطة بين جهده في هذا الميدان وجهد فضيلة الشيخ سلمان العودة تغني عن البيان.

nour
28-05-2010, 05:21 PM
*نسيت أن أذكر بأنّ فضيلة الشيخ ليس مع استنساخ مشاريع الإصلاح. فلكلّ قوم ظروفهم وطبيعتهم، ومشروع الإصلاح ينبثق من ثقافتهم هم لا من ثقافات الآخرين.
ولا يمنع ذلك أن نستفيد من تجارب الآخرين، من باب أن الحكمة ضالّة المؤمن وأن الله أمر فقال (لتعارفوا) (ليتخذ بعضهم بعضًا سخريّا)

مع مقال فضيلته:

النهضة وأخواتها.


يوم كنت طفلاً كنت أتردد كثيراً على مكتبة في بريدة اسمها " مكتبة النهضة " واليوم أجدني متحدثاً أو كاتباً حول ذات الموضوع ، ويداخلني سؤال يحاول دفعي إلى نفق مظلم بسؤال : ماذا تحقق عبر أربعين عاماً أو تزيد ؟ فأتحرر منه بقراءة الوجه الإيجابي للحياة وللمتغيرات وللإنجاز ، والاعتصام بالإيمان الذي هو خير عصمة من اليأس والقنوط (إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)(يوسف: من الآية87) .
وفي فترة من فترات تاريخنا المعاصر روجت وسائل الإعلام المجندة والمؤدلجة لمفردة " الثورة " خاصة في ظل الامتداد اليساري وحروب الوكالة بين الشرق والغرب والتي كانت بعض البلاد الإسلامية مسرحاً سهلاً لها .
الثورة هي انقلاب يستحضر أسوأ ما في الواقع ليؤلب النفوس والعقول على هدمه وتغييره ، وغالباً لا تكون الصورة واضحة للبديل ، فالجمهور الغاضب لا يفكر بعقله ، ويكفيه أن لديه هدفاً يسير إليه بتغيير وضع ما ، شاهدنا هذا في بولندا ، وفي إيران ، وفي العديد من الجمهوريات الآسيوية ، وشيء منه نراه الآن في تايلاند وغيرها .
وإذا كانت الثورة تهدف إلى الانتقال للأفضل ، فليس هذا هو ما يحدث غالباً ، الناس ضحت وانتهت ولم يعد بإمكانها أن تأتي مرة أخرى لتعمل ثورة تصحيحية على ثورتها الأولى ، أو تحاسب أو تطالب !
وتقطف الثورة مجموعة منظمة بعيدة عن الأنظار ليبقى الناس في فقرهم وتخلفهم ويأسهم ، يجترون آلامهم ، ويتحدثون عن إحباطاتهم دون فائدة.
الثورة تجمع الصورة السلبية الفاقعة وتعممها وتشهرها وتتجاهل كل ما لا يتفق ورؤيتها، وتستثمر حالة اليأس من الإصلاح.
وكأن زمن الثورات قد ولّى وحل محله التغيير الفكري والمعرفي والجزئي، أما النهضة فهي على النقيض تستجمع الصور الإيجابية والفرص المتاحة والأسباب الممكنة لتصحيح الواقع وتوظيف جوانبه الحسنة، ومعالجة أخطائه بصبر وأناة وحلم ورفق ، ولكن بإصرار ووعي ، ووفق خطط مدروسة .
ولذا يصح أن نقول: أن النهضة والثورة نقيضان ، وإن اشتركا في بعض الملامح .
النهضة مفردة لغوية قبل أن تكون مصطلحاً، وهي تعنى القيام من عناء أو من ضعف أو من قعود.
واصطلاحيا ليس لها دلالة خاصة سوى الانتقال من السكون والتراجع والضعف إلى الحراك الثقافي والاجتماعي والسياسي والمعرفي.
ويستخدم هذا التعبير من يدعو إلى تغيير يستلهم التاريخ ويحاول البناء على ذات الأسس السابقة وقد يدعو إلى تغيير يقتبس أو يستنتج تجربة بشرية مجتمعية أخرى ، ومن يحاول ابتكار صيغة جديدة تسعى للموائمة والتوفيق بين الانتماء العقدي واستلهام تجارب الأمم الأخرى للانتفاع بها ، وهي صورة غير واضحة المعالم، بيد أن اتساع مفهومها والعمل على تحويلها إلى برامج واقعية قد يجيب على الكثير من أسئلتها.
وعملياً فاستنساخ تجربة ما أو مرحلة ما أمر غير صحيح ولا مجدٍ ، إنما اقتباس الأفكار والنماذج وصياغتها وفق متغيرات الزمان والمكان والثقافة.
سؤال النهضة ليس جديداً ، ومع أن السؤال قديم إلا أن الإجابات لم تغير الواقع .
هل ثم خلل في الإجابة ، بمعنى أن المحللين والدارسين على مدى مئة عام فشلوا في التسلل إلى موقع العلة ومكمن الداء؟ أم إن المشكلة تكمن في أن الأمر لا يتطلب إجابات نظرية بحتة ، بل أفعالاً واقعية ملموسة وقوة بشرية تمتلك الإرادة والقدرة؟
وحتى هذه الأفعال غير ممكنة الحدوث مالم يتم وضع رؤية فكرية نظرية تؤسس للانطلاق العلمي .
بدلاً من الحديث المكرور عن المفردة ، لماذا لا نتحدث عن المعارف والعلوم والأفكار العملية البناءة والتفصيلية التي تحمل الفرد أو المجموعة أو الأسرة أو الدولة على إصلاح ما .
إنني أسجل هنا وفق رؤيتي الشخصية الناقصة تراجعاً مخيفاً في الهم الإصلاحي والنهضوي وتباطؤاً في تداول الفكرة والحديث عنها مما يثير التساؤل في طبيعة المرحلة التي تعيشها الأمة، وهل هي تتقدم أم تحافظ على مستواها أم تتراجع دون أن يكون هذا حكماً عاماً على إمكانياتها وقدراتها، بل على هم النهضة ومداولة داء التخلف دون غيره من المجالات الحيوية المتفاوتة صعوداً أو هبوطاً .
قد يتضاعف عدد الأمة البشري وثرواتها الاقتصادية وقد يتزايد عدد المتعلمين والحاصلين على الشهادات العليا ، وهذا لا يعني أن النهضة قادمة، ما دمنا لا نملك مشروعاً له رؤيته ولا نستطيع قياس التقدم أو التخلف وفق معايير صحيحة.
مع الإحساس بانكسارات وفشل الإجابات فضلاً عن غياب الممارسات التطبيقية لمشاريع نهضوية عربية ، اتسعت دائرة ( المشروع الإصلاحي) وأصبحت كلمة " إصلاح" هي الأكثر شيوعاً.
تعزيز هذا اللفظ بالورود القرآني (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)(هود: من الآية88) " ، (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا)(النساء: من الآية35) ، سهّل تمريرها إلى دوائر تتوجس من كل ما يدعو إلى التغيير أو يوحي برؤية نقدية لواقع يستعصي على النقد!.
والإصلاح كالنهضة هي مقولات ليس لها معنى خاص أو تعريف محدد، ويمكن النظر إلى هذا بإيجابية باعتباره مدعاة إلى أن تلتقي عليها أطراف متباعدة ، ويمكن إذا تم تطوير هذا الملمح أن يخفف من حالة التخندق والاصطفاف السلبي الفكري والطائفي والمناطقي للالتقاء على مقاصد شرعية أو مصالح حياتية.
يمكن تحويل الطرح جزئياً من ملاحظة الظروف المؤدية للعزلة والمحضرة للاحتراب والالتفاف حول خصوصيات فكرية أو فئوية إلى ملاحظة الجوامع والمشتركات التي قد تكون شرعية مُؤَسسة لأخوة جامعة ، أو دنيوية محققة لمصالح عليا يستفيد منها المشتركون في الوطن الواحد.
ليكن الإصلاح إذاً هماً عاماً نشيعه لدى العامة والخاصة ، والسياسي والشرعي ، ولدى أصحاب التوجهات المختلفة حتى تأتلف القلوب على مجموعة من المشاريع الإصلاحية والتنموية في البنية التحتية والتعليم والإعلام والصحة والاقتصاد وجوانب الحياة .
لننأَ بالإصلاح عن أن يكون شعاراً لفئة أو مجموعة ، أو أن يكون رمزاً لطريقة خاصة في التعاطي مع الشأن العام .
لنعد بالكلمة الجميلة الطيبة إلى " براءتها الأولى " ونزاهتها ، ولنتصالح معها ونتقبلها بقبول حسن ، بعدما كدنا نشرق حتى بذات المفردة ، فضلاً عن أن نحولها إلى برامج عمل ، ونتوجس من إشارة توحي بأن الحديث عن الإصلاح يعني أننا فاسدون !
وكأننا ملائكة يخلفون ، أو جمهوريات مثل عليا ، أو نماذج للعدل المطلق!
وكأن المجتمع وصل إلى قمة لا يحلم بما وراءها، وكفى بالمرء تخلفاً أن يظن بنفسه ذاك !
ولننطلق من قيمنا الربانية التي تشكل مرجعية عليا لهذا الإصلاح (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (الأعراف:170) .
وسلام على المصلحين الذين صفت سرائرهم ، ونضجت عقولهم ، وحسنت أخلاقهم ، كثر الله قليلهم ، وجمع شتيتهم ، وهداهم صراطاً مستقيماً .

nour
28-05-2010, 05:25 PM
http://islamtoday.net/salman/artshow-28-132778.htm

لمن أراد الاطلاع على تعليقات القراء.


مقال فضيلته:

مبادئ نهضويّة


1- الإيمان هو الحداء الأعظم لإنجاز المشاريع ومواجهة التحديات (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)(التغابن: من الآية11) .
2- يجب التفريق بين الأصول الجامعة والقواعد المؤسسة للوحدة وبين المفاهيم الخاصة لكل مجتمع ولو كانت مفاهيم صحيحة لئلا يمتحن الناس بجزئيات وتفاصيل وخلافيات تفضي إلى تفرقهم .
3- ليس ثمة وصفة جاهزة للإصلاح، ولابد من التدرج والصبر والإصرار.
4- إجابات النهضة المدونة لم تغير الواقع كثيراً ، لأنها بحاجة لتعزيزها بالإرادات الصادقة والقدرات القوية ، وأن تتبناها جهات ذات إمكان واقعي معتبر .
5- النهضة لا تعني الكمال أو المثالية ولا العيش في أحلام التاريخ ليمتحن بها الواقع ويبتلى بها الناس ، النهضة انطلاق متدرج يستحضر صعوبات الطريق مثلما يستحضر فرصه وإمكاناته .
6- نحن هنا لا نصدر آراء لأية جهة كانت، فضلاً أن تكون هذه الجهة هي التي تصدر الأوامر عادة، نحن نصدر الأوامر لأنفسنا لتكون من المتحدثين في قضايا النهوض المعتنين بها .
7- الاهتمام بالنهضة لا يعني التخلي عن الهموم الشخصية الفطرية فالنهضة تبدأ بتعليمك وتفوقك الدراسي ، وتمر بزواجك وإنجابك ، وتعرج على مشروعك الوظيفي ، ومؤسستك التجارية وتباركها .
فقط: الجهد الإضافي خصصه للقراءة والكلام والحوار والتفكير في موضوعات النهوض والتنمية والإصلاح والبحث عن طريق .
ستجد من حولك شباباً متخصصين في علمٍ شرعي تفصيلي ، وآخرين مهمومين بقضايا محلية فلا تزدري هذا المجهود ، ولكن اختر لنفسك سبيل " النهضة " .
ما هي ؟ من أين تبدأ ؟ ما دوري فيها ؟
8- هل النهضة كلام ؟
نعم نحتاج إلى الكلام الحضاري .
هذا الكلام هو فعل بحد ذاته لأنه من الحكمة وهو سبيل إلى فعل صحيح منك ومن الآخرين وكما أن الحرب أولها كلام ، فالحضارة أولها كلام ، وكلمة التوحيد هي كلمة .
المهم أن يكون الكلام واعياً هادئاً وليس سفسطة أو تشقيقاً .
9- ليكن أول ما تقدم لمشروعك الأخلاق العالية والسلوك الحسن وقهر النفس على الانضباط والنظام ، حتى لو كان من حولك لا يفعلون ذلك، الذوق والنظام والنظافة والجمال والضبط سمة شخصية مؤسسة فلتعتن بها.
10- ليكن أول ما تقدم مطاردة " الأنا " داخل النفس وطرقاتها الضيقة ، وتمشيطها زاوية زاوية وزقاقاً زقاقاً أحسب كم مرة ترددها على لسانك في المجلس الواحد ، وتوقع أن ما يظهر على لسانك هو رأس جبل الجليد، حارب نزعات الحسد والتشفي والحقد في قلبك ، ولا تسامح نفسك أن تضيق بإنجازات الآخرين .
لا تحزن إذا رأيت نجاحاً لمنافسك فرداً أو مشروعاً ، ستنال نصيبك إذا علم الله في قلبك خيراً .
11- رغم كل المساوئ التي تقولها على نفسك والعيوب والأخطاء التي تعلمها فهذا لا يعارض أن تكون نهضوياً ساعياً لتكميل نفسك والتأثير على الآخرين ، اجعل من العمل الصالح الذي تكفر به عن خطئك أو تدفع به غوائل الشر عن نفسك أن تشجع هذا الاهتمام في عقلك وقلبك وتمنحه بعض وقتك .
12- في غياب المشروع العام تبرز أهمية المبادرات الصغيرة الفردية والجماعية، فلا تحتقر المجهود الذي تستطيعه ، والسيل من نقط .
13- القراءة هي الضوء الذي ينير لك الطريق، اجعل حظاً من قراءتك لمشاريع النهضة وقضاياها ومفرداتها وشروطها ومعوقاتها .
اقتنِ كتباً ، واستمع إلى ندوات ، وشارك في مؤتمرات ، وليكن لك سجلك الخاص الذي تدون فيه أفكارك وملاحظاتك وأسئلتك.
14- تجنب العراك مع الآخرين قدر طاقتك ووفر وقتك وجهدك البدني والعقلي والنفسي للبناء والعمل والإنجاز ، ولا تصحب بطالاً يثنيك عن الطريق ويشغلك بالقيل والقال .
15- في ظل المتغيرات الكونية الهائلة يبدو من الضروري السعي لمد الجسور مع شركائنا في الحياة أو في العيش أو في الثقافة ، والنفع والانتفاع فإنما جعلنا الله شعوباً وقبائل لنتعارف ونتعاون على البر والتقوى ، وفي تركيا نموذج يتكون يصلح للتأسيس في المواءمة بين المثال والواقع ، واستثمار العلاقات الدولية لصالح الجميع .
16- المسكون بهمّ الإصلاح يفرح بكل بادرة ولو صغيرة ، مشروع وطني في بلد ما ، أو مشروع في جانب حياتي كالإعلام والتعليم أو الاقتصاد ، أو جزئية صغيرة ضمن الإطار العام ، ورحلة ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة .
17- المرأة من صناع النهضة متى آمنت بدورها، والمجتمع يتربّى على فكرها وأخلاقها وثقافتها ، ولا غرابة إذاً أن تكون هي أولى من الرجل بحمل هذا الهم ، فهي نصف المجتمع وهي تصنع النصف الآخر .
18- الإبداع المعرفي والتقني والأدبي هو سر النهوض ، وقدر أي مجتمع من الإبداع هو بقدر حصوله على حرية الإبداع ، والأصل أن المرء يتحمل مسؤوليته وليس يتحملها عنه الآخرون.
19- معوقات النهضة لا تعني تأجيل المشروع، ومن أعظم المعوقات غياب الهم النهضوي في الأمة وعدم وجود إرادة سياسية لصناعتها ، مع سطوة السياسة وتغولها وضعف المجتمعات العربية وتردّي أدائها ومنها الشتات المفرط والإغراق في صناعة الصراع والحروب الفرعية .
منها غياب الأمن وعدم الاستقرار .
ومنها المفاهيم السلبية التي تدعو إلى الإعراض عن الحياة والناس والانكفاء.
ومنها المفاهيم الانقلابية التدميرية التي تحلم بحرق المراحل وصناعة المفاجآت .
20- قد يبدو أن طرائق التفكير بأمس الحاجة إلى التغيير ، لأنه في ظل هيمنة التفكير التقليدي السطحي يصعب على المرء إدراك مواطن الخلل في نفسه أو فيمن حوله ، ويعز عليه معرفة الطريق.
21- من التوصيات المهمة :
أولاً : مؤتمر سنوي حاضن للمشاريع ومؤسس للأفكار والاهتمامات .
ثانيا:لقاءات إقليمية في كل بلد للشباب للتداول حول قضايا النهضة .
ثالثاً : عقد ندوات وحلقات نقاش تدار مع المختصين من العلماء والمفكرين حول مفردات عن : التعليم - البطالة - الإعلام - التنمية .. إلخ ، ويتم توثيقها وبثها عبر القنوات والمواقع الإلكترونية لإشاعة ثقافة النهوض .
إذا كان لي أن أقول إنني كنت أتحدث عن هذا الموضوع منذ كنت في الصفوف المتوسطة وفي الثالثة عشرة من عمري فإنني أقتبس من حماسكم وصدقكم واندفاعكم وقوداً لمواصلة الطريق ، أبنائي وبناتي القراء فلا يبخل أحدنا بالكلمة الطيبة ، وإذا صح أن المعطيات الواقعية لا يمنح أملاً كبيراً فليكن في قلوبنا الحية وفي لغتنا الراقية وفي إيماننا الراسخ ما يجدد هذا الأمل ويطارد فلول اليأس والظلام .
http://islamtoday.net/salman/artshow-28-131508.htm

أبو حسن
28-05-2010, 11:53 PM
أشكر أستاذتنا الفاضلة على هذه المداخلة التي أغنت الموضوع...

شخصيا، أنا لا أتفق كليا مع تعريف الشيخ سلمان ونظرته للثورة... وكذلك لا أختلف كليا...

لكن، وبغض النظر عن مقالة الشيخ سلمان، فإن المقالة النقدية الموجهة له تضمنت، برأيي، أخطاء في القراءة التاريخية لمسار النهضة أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين... فكاتبها لم ير في هذه الأفكار النهضوية إلا السوء والشر في الحال والمآل، وغاب عنه أن هذه الأفكار، دون الدخول بتفاصيلها، هي التي أنجبت القاسمي في سوريا، والألوسي في العراق، ورشيد رضا وحسن البنا في مصر، وشكيب أرسلان في لبنان ومالك بن نبي في الجزائر وغيرهم... فتصويره للنهضة على أنها محض انحراف فكري هو تجنّ وخطأ تاريخي وقصور معرفي... (برأيي بالطبع)

كما أن تصويره أن النهضة لا تؤدي إلا إلى مزيد من التبعية، هكذا يُعمم وبكل جرأة !، هو أيضا تجنّ على رواد النهضة ودعوتهم وأفكارهم التي لا أظنه طالعها وإنما طالع من انتقدها فقط...

وكذلك وقع الكاتب في تناقض حين اعتبر أن (التقدم التقني سهل ميسور. نُخرج الأكفاء منا في هذا المجال يبتعثون لمن عندهم هذه البضاعة ويحملون لنا) حسب تعبيره... فقد تجاهل مرة ثانية أن مشروع النهضة الذي يصوب سهامه نحوه إنما بدأ مع البعثات العلمية... وهل كان رفاعة الطهطاوي، رائد النهضة ومشروعها، إلا ثمرة هذه البعثات العلمية ؟

هذه خطوط عريضة فقط في التعقيب على المقالة، وهي كافية في بيان مآخذي عليها دون استطراد يملل القارئ...

nour
30-05-2010, 02:48 PM
أشكر أستاذتنا الفاضلة على هذه المداخلة التي أغنت الموضوع...

شخصيا، أنا لا أتفق كليا مع تعريف الشيخ سلمان ونظرته للثورة... وكذلك لا أختلف كليا...

لكن، وبغض النظر عن مقالة الشيخ سلمان، فإن المقالة النقدية الموجهة له تضمنت، برأيي، أخطاء في القراءة التاريخية لمسار النهضة أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين... فكاتبها لم ير في هذه الأفكار النهضوية إلا السوء والشر في الحال والمآل، وغاب عنه أن هذه الأفكار، دون الدخول بتفاصيلها، هي التي أنجبت القاسمي في سوريا، والألوسي في العراق، ورشيد رضا وحسن البنا في مصر، وشكيب أرسلان في لبنان ومالك بن نبي في الجزائر وغيرهم... فتصويره للنهضة على أنها محض انحراف فكري هو تجنّ وخطأ تاريخي وقصور معرفي... (برأيي بالطبع)

كما أن تصويره أن النهضة لا تؤدي إلا إلى مزيد من التبعية، هكذا يُعمم وبكل جرأة !، هو أيضا تجنّ على رواد النهضة ودعوتهم وأفكارهم التي لا أظنه طالعها وإنما طالع من انتقدها فقط...

وكذلك وقع الكاتب في تناقض حين اعتبر أن (التقدم التقني سهل ميسور. نُخرج الأكفاء منا في هذا المجال يبتعثون لمن عندهم هذه البضاعة ويحملون لنا) حسب تعبيره... فقد تجاهل مرة ثانية أن مشروع النهضة الذي يصوب سهامه نحوه إنما بدأ مع البعثات العلمية... وهل كان رفاعة الطهطاوي، رائد النهضة ومشروعها، إلا ثمرة هذه البعثات العلمية ؟

هذه خطوط عريضة فقط في التعقيب على المقالة، وهي كافية في بيان مآخذي عليها دون استطراد يملل القارئ...


صدقت أخي الكريم في تعقيبك.

لدينا دائمًا ما نقدّمه غير تخذيل الناس وإقناعهم أنّ اليوم هو أفضل من غد.
بوركت.

أبو محمد القلموني
01-06-2010, 12:51 PM
جزاكم الله خيرا على هذه المشاركات القيمة النافعة إن شاء الله . و لكن اسمحوا لي أن أتعرض لفكرة يحتمل أن يعقلها أحدهم عن الشيخ سلمان حفظه الله على نحو خاطئ لا أظن الشيخ يقصده.



فأقول بداية ليس ثمة في الوجود منهج يدعو إلى تجاوز الموجود كله . بل لا بد من مشترك يؤسس عليه و لا بد! لأنه إذا لم يكن للمشترك وجود بطل الخطاب حينها عقلا على الأقل ثوريا كان أم إصلاحيا ! فالخطاب لا يمكن تصوره بغير مشترك يبنى عليه. من هنا أهمية الفطرة التي يمكن تعريفها بأنها مجموعة الاسس المشتركة التي يصدر عنها و وفقها البشر جميعا في سلوكياتهم و تصرفاتهم. كقبح الكذب و الخيانة و مبادلة الإحسان بالإساءة و الخ ... فإن هذه قواعد فطرية محضة و ليست عقلية كما قد يتوهم البعض. أي أنها مجموعة المقدمات المغروزة في النفس الإنسانية و التي يعتمدها العقل في تحليلاته و محاكماته. وهذه المقدمات هي التي يتوسطها الأنبياء و الدعاة في خطابهم التبليغي لتقرير التوحيد في العقول و القلوب و التصرفات. ولولا هذه الفطرة لكان خطاب الأنبياء خطابا أجنبيا لا تنفعل له العقول و لا تقوم به الحجة. قال تعالى : ( و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) مع أن الله يقول كذلك : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ! فدل هذا على أن الإشهاد الذي أخذ على بني آدم في عالم الذر و كانت نتيجته هذه الفطرة الإنسانية إنما كان لأجل أن يكون ثمة مشترك يبني عليه الأنبياء خطابهم و تقوم به حجتهم. فهو حجة على العبد من هذا الوجه و ليس على الإستقلال.



وأما وصف الحركة النبوية بأنها إصلاح يقابل الثورة فهو من قبيل الإصطلاح و إلا فإن نفس لفظة الإصلاح يمكنها أن تشارك لفظة الثورة في وجوه كثيرة. فالإصلاح و الثورة ليسا متقابلين مطلقا. بل قد يمكن تصور الإصلاح ثوريا إذا كان يستهدف الأسس التي يقوم عليها المجتمع. فالأنبياء مثلا كانوا يسعون إلى تقويض الأسس التي يبنى عليها مجتمع الجاهلية و استبداله بأسس أخرى يشيد عليها صرح التجمع الإسلامي. وهذا بلا شك يغاير الطريقة التي تدعو إلى البحث عن الإيجابيات الظاهرة للبناء عليها و إن كانت في الحقيقة و الواقع مؤسسة على قواعد غير صحيحة! فالبنيان في هذه الحالة سيقوم على حق مؤسس على باطل ، و نتيجة هذا حق صوري قاعدته باطلة! و إنما قلنا حق صوري لأنه يستحيل أن يوجد حق حقيقي مؤسس على باطل كما هو معلوم !



والله عز وجل يقول : ( مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ) فلأنها كلمة طيبة مستندة إلى قواعد طيبة ، صارت نتائجها كلها طيبة . لأن الحق الصرف لا يصدر عنه إلا حق صرف. و الباطل الصرف لا ينتج إلا باطلا صرفا. و الحق الذي هو باطل حقيقة إنما يشتبه على الناس لمخالطة الحق له.




ولذلك قد يقال بأن المنهج الإسلامي لا يمكن تصوره إلا انقلابيا إذا واجه الجاهلية . و ربما كان إصلاحيا بالمعنى الذي قد يفهم من كلام الشيخ حفظه الله إذا كان المجتمع قائما على أسس إسلامية صحيحة لا غبار عليها و لكن يعتريه دخن و غبش و أخطاء جزئية لا ينفك عنها مجتمع البتة.

وأما أن يكون المجتمع جاهليا من حيث الأسس ، ثم يقال نبحث عن الإيجابيات الظاهرية المؤسسة على حق مازجه باطل ! فنسأل هنا ماذا تستفيد الدعوة الإسلامية إذا اكتفت بالاحتفاء بهذه الإيجابيات دون تعرض واضح و صريح و مباشر للأسس الباطلة التي تقوم عليها ! هل يمكن للدعوة الإسلامية أن تظهر و تسود في مثل هذه الحالة التي لا تمييز فيها بين الهدف و الثمرة! والتي يتصور البعض فيها الثمرة تصورا ناقصا و يتوهم الهدف مجرد وسيلة يمكن تجاوزها و استبدالها أو تحويرها و تعديلها لتسريع الوصول إلى ثمر موهوم يراعي جوانبا محدودة في منظومة المصلحة الإنسانية!



نعم النبي صلى الله عليه و آله و سلم أقر بعض الصور الإيجابية التي كان المجتمع يأخذ بها . لكن هنا لا بد من ملاحظة أمرين اثنين:



الأول فرق كبير بين خطاب يستهدف في الأصل الأسس الجاهلية ، فيأتي في سياقه إقرار و تمتين لخصال حميدة و إيجابيات حسنة يتمتع بها المجتمع ، و بين خطاب لا يستهدف تقويض بنيان الجاهلية و يكتفي بتسليط الضوء على تلك الإيجابيات لتنميتها و تطويرها دونما نقد و نقض و تصفية لأسسها .



الثاني من يستمع إلى الخطاب الأول و تركيزه الهائل على نقض أسس الجاهلية و بنائه للموازين الجديدة الدقيقة في العقول و القلوب ، سيفهم و لا بد أن تأييد تلك الإيجابيات إنما هو مشروط بتأسيسها على الحق الذي جاء لإزاحة الباطل و إنهائه ، بخلاف المعقول عن الخطاب الثاني !



هذا و الله أعلم و صلى الله وسلم على سيدنا و حبينا محمد و على آله و أصحابه أجمعين.

أبو حسن
01-06-2010, 11:35 PM
بارك الله في أخينا أبي محمد على هذه المداخلة القيمة النافعة كعادته...

برأيي، لا بد عند قراءة مقالة الشيخ سلمان "النهضة وأخواتها" أن نستحضر أنها كُتبت بعد مداخلة أمير الرياض الشهيرة في برنامجه "الحياة كلمة"...

قد يعترض أحدهم على إشارتي هذه إلى أننا بصدد مناقشة الفكرة... لكن الفكرة برأيي لا يمكن بتّها عن سياقها أحيانا... وهذا السياق يظهر جليا في كلام الشيخ خصوصا في الأسطر الأخيرة من مقالته... فيبدو بوضوح أن الشيخ يكتب مقالته وهو بين مطرقة بعض الجماعات التي لا ترى الإصلاح إلا عبر ثورة وانقلاب شاملين ولا تقيم أي وزن لطبيعة المجتمع وثقافته وقيمه وسندان حاكم يرى في كل حديث عن الإصلاح والنهضة ثورة عليه ومقوّضا لدعائم حكمه...

لذا جاءت مقالته الأولى "مبادئ نهضوية" (التي كُتبت قبل المداخلة) خالية من أي ذكر لمفردة "الثورة" بينما وردت هذه المفردة في مقالته الثانية "النهضة وأخواتها" ثمان مرات...

وقد بيّن أبو محمد وفقه الله مفهوم الإصلاح في الخطاب الدعوي الإسلامي ومقوماته... لكن لا بد من أن يُراعى هنا، كما نبه أبو محمد، إلى أن الخطاب الدعوي / الإصلاحي / النهضوي الذي يتحدث عنه الشيخ سلمان يأخذ بالحسبان كون المجتمع المخاطب به ليس جاهليا خالصا... وإنما مجتمع "إسلامي" فيه بعض الإنحرف... وهي عبارة كان يجب تمييزها باللون الأحمر حتى لا يتوهم أحد التعارض بين ما قرره أبو محمد في نهاية مداخلته وما تكلم عنه الشيخ سلمان...

ولعل هذا هو الأساس الذي يبني عليه الشيخ سلمان مقالته مما دفعه للقول أن زمن الثورات قد ولى... لكني أرى أنه، حتى مع الأخذ بعين الإعتبار تعريف الشيخ للثورة الذي لا أوافقه عليه بالكلية، فإنه لا يُعقل إلغاء الثورة بالكلية...

شخضيا أرى أنه لا ينبغي للدعاة وحملة الخطاب الإسلامي الإنشغال بالتنظير للثورة وجعلها همهم الأول، بل الأصل هو الخطاب الدعوي الإصلاحي الحريص على ما ينفع الناس في دنياهم وأخراهم... فإن كان لا بد من ثورة، فإن الثورة تأتي في سياق طبيعي يفرض نفسه كخيار لا بديل عنه، أما افتعالها فعواقبه في الغالب غير محمودة... وليس هنا مقام التفصيل في هذا الباب...

nour
02-06-2010, 07:09 PM
حياك الله أخي أحمد.

نحن متفقون على أنه لا ينفع الكفار أيّ عمل بلا أصل الإيمان.
لكن هذا لا يغيّر مفهوم الثورة ك(مصطلح) يعني الانقلاب على الوضع القائم بكلّيته: انقلاب على الأسسالفكرية والقيميّة.
والإسلام لم ينقلب على الوضع القيمي ، من جانبه الخلقي. بل أقرّ العديد من الأوضاع الأخلاقيّة. كالعدل والكرم...
ولا على الوضع التعبّدي الصحيح من بقايا موروثات إبراهيم عليه السلام كالطواف والسقاية... لكن نقض أباطيل ذلك (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) وهدم الأصنام داخل الكعبة متى أمكنه ذلك وإلا فالرسول صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت والأصنام داخله وقت العجز.
فالإسلام إصلاح قدر المستطاع ،وقد عبّر سيدنا صالح عليه السلام(وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) .
ومفهوم الثورة مفهوم مأخوذ من الطغيان الماركسي الفلسفي الذي ساد العالم العربي في وقت من الأوقات. وتم التعبير ب(اشتراكية الإسلام) و(ثوريّة الإسلام)...
فنحن إذًا نطرح المصطلح على بساط النقد.
مارتن لوثر مثلًا كان إصلاحيًّا غربياً، لكن الثورة الفرنسية تمرّدت على على الدين نفسه لأنه بعض الوضع الذي كان قائمًا ،ولم تستطع فصل الدين عن ممارسات رجالاته أو بعضهم. وصار الإلحاد وضعًا بديلًا.



أخي الكريم محمد..

ملحوظة جيدة. أهنئك على دقة ملاحظتك :d

أبو محمد القلموني
03-06-2010, 06:09 PM
حياك الله أختنا الفاضلة و حيا الله الأخ الحبيب محمد ومن يتابع هذا الشريط الماتع.



نقاشنا يستمر لبحث مصطلح الإصلاح و هل يحمل معنى الثورة إذا واجه الجاهلية أم لا؟




فقد تقدم أن الإصلاح و الثورة ليسا متقابلين مطلقا بل من الإصلاح ما يكون ثوريا. فهذا ويل ديورانت مثلا يصف رسالة مارتن لوثر التي علقها على كنيسة ويتنبرغ و عنونها ب: " نقاش لإيضاح سلطة الغفران " مفتتحا بها مسيرته الإصلاحية ، بأنها الإصلاح بمثابة الثورة.



وكتب رينيه بوندوا يصف فكر لوثر فقال : ( و هكذا يتبدى فكر لوثر في مظهر مزدوج : فهو من جهة أولى فكر مجدد بل ثوري مباين عميق المباينة للفكر الذي تعلمه الكنيسة الرسمية وهو من الجهة الأخرى محافظ بروحه لأنه لا يقول بحرية المخلوق الإنساني إلا متى صارت روحية حقا أي في دينونة الله )



ومعلوم أن رسالة مارتن لوثر هذه التي كتبها عام 1517 هي التي أسست لتمرد ناجح ضد الكنيسة الكاثوليكية و حرضت الكهنة و القساوسة على الإنتفاضة ضد العزوبة و الفقر و الخضوع لقوة غريبة و متسلطة. ثم كانت هي نفسها الإلهام المباشر و المحرك الحقيقي لثورة الفلاحين في جنوب ألمانيا عام 1524 و رفضهم دفع الضرائب و عشريات الكنيسة !




وهكذا ولد المذهب البروتستانتي الذي بدأ إصلاحا ثوريا بحق كما وصفه المؤرخون و الدارسون لتلك الحقبة.



فالقصد أنه بقدر ما يكون الخطاب تجديديا مباينا للحالي و السائد بقدر ما يكون ثوريا من هذه الجهة و لا يشترط لثوريته أن تكون البندقية مرافقة له على طول الخط!



وقد جاء في كلام أختنا الفاضلة تعريف مشابه حين جعلت الثورة نقضا للأسس الفكرية و انقلابا على الوضع القيمي. ونحن نقبل بهذا التعريف و نسأل : أليست الدعوة الإسلامية مناقضة و مناهضة للأسس الفكرية للجاهلية ؟! أليس في الخطاب القرآني تقسيم للمجتمعات إلى مجتمعين اثنين: مجتمع إسلامي يقوم على تصورات الإسلام حول الوجود و الإنسان و الكون و الحياة ، و يدين الله بالحاكمية المطلقة في كل أمر من أمور الحياة . و الثاني جاهلي قولا واحدا حين لا يسند الحاكمية لله وحده بل يعطي لنفسه الحق بوضع التصورات و تشريع القوانين التي تضبط الأخلاق و السلوك و القيم و الخ ...



إن أدنى تأمل في التصور الإسلامي للإنسان و التصور الجاهلي له يجعلنا نكتشف الفارق الكبير و الهائل في الأسس الفكرية و القيمية بين الإسلام و الجاهلية.



فهل يعقل أن نقول أن الإسلام لم ينقلب على الوضع القيمي السائد وقتها ليتسبدله بوضع آخر مباين له بونا شاسعا تتبدى فيه إنسانية الإنسان و حريته و كرامته كما أرادها الله له لا كما تريدها الجاهليات على مر الأزمان؟!



هل ثمة التقاء أو تقارب بين تصور الإسلام و نظرته للإنسان و بين تصورات الجاهلية و نظرتها للإنسان؟! ألم يقل الله تعالى : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) فكيف يكون ثمة تقارب بين السماء و الأرض ؟ بين فكر سماوي محلق يستمد من الصانع جل و علا و بين فكر أرضي ملتصق بوحل الأهواء و طين الظنون ؟!



ربما يفهم البعض أن الإسلام محض لمسات هنا و هناك لمجرد أنه أقر بعض المفردات الخلقية التي أعاد صياغتها بما يتلاءم مع العقل الجديد و الفكر الجديد و الموازين و القيم الجديدة! لكن الحقيقة أن المسافة بعيدة بعيدة و محاولة الجمع بينهما عسيرة مضنية بلا شك!



ثم إن مفهوم الثورة قديم و ليس جديدا ولد مع الماركسية. وكون الماركسية دعت إلى ثورة البروليتارية لالغاء التمركز والطبقية و تملك أدوات الإنتاج ، لا يعني أن ننزه الإسلام عن ثورية إلغائه و شطبه لكل مظاهر الشرك و الخرافة و التبعية للطواغيت المتألهين على الخلق. و إلا لوجب أن ننزهه عن الإصلاح كذلك لوجود مصلحين كلوثر مثلا ! و مجرد تمرد الثورة الفرنسية على الدين لا يعني أن التمرد بحد ذاته خطأ و لا أنه نوع واحد مذموم مطلقا!



نحن نرفض بلا شك المصطلحات التي تحاول بزعم مطلقيها تجميل الإسلام و تزيينه و تناوله بتحسينات موهومة لا يحتاجها على الإطلاق! فإنه كما أنزل غضا طريا ربانيا هو رائع ، و مبهر ، و كامل ، و واقعي و ليس بحاجة لا لمحسنات لغوية و لا لمحسنات فكرية! و لكن هذا شيء و زعم التقارب بينه و بين الجاهلية شيء آخر !

nour
04-06-2010, 03:42 PM
حيّاك الله أخي أحمد.
أظنّ أننا غير مختلفين:
-لا شك في أنّ الأسس الجاهلية مباينة للأسس الإسلاميّة.
-لا شك أنّ كل إصلاح، أيّ إصلاح له جانب ثوريّ. بمعنى أنه انقلاب على الوضع الخاطئ.وحتى مارتن لوثر دعوته الإصلاحية كانت ثورة لكن على (بعض جوانب) من الخلل العقدي ،من وجهة نظره طبعًا.
وكونها أسّست لثورات ، فهذا لا يجعل منها ثورة انقلابيّة.
غاندي كان ثائرًا على الاحتلال، وصحح أوضاعًا كثيرة في الهند ، وجاء بفكر اللاعنف ، وفكر المساواة بين المواطنين ،ولم يجعل منه ذلك ثوريًا،على اعتبار أنّ الهند بقيت محتفظة بتقاليدها وخصوصياتها الثقافية.

لكن نحن هنا نتحدّث عن الفكر الثوريّ الانقلابي الذي (لا يعترف) بوجود المكاسب. ويسعى إلى الانقلاب (الشامل).
وما من شكّ أنّ الجاهليّة نفسها لم تخل من فضائل. وقد اعترف رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض فضائلها كحلف الفضول، وكوصف النجاشي،وكان كافرًا، بالعدل.
وأن يقال أنّ هذه الفضائل قائمة على غير أساس سليم، فليس يلزم أن تقوم كلّ الفضائل على أساس التوحيد.
إنّ العديد من الفضائل هي كما أشرت بنفسك في مشاركة سابقة، لها طابع إنسانيّ. المسلم يتعاطى معها ويشجعها حتى لو صدرت من كافر،فهذا لا يستوجب ردّها ورفضها والثورة عليها.
أما العقيدة ،فلا مساومة عليها.
وأنا أعتقد، مع ذلك بأننا متفقان غير مختلفين إلا على جزئية بسيطة: هل الثورة مقابلة للإصلاح؟
بالنسبة لي : إن كانت شاملة، فأجل.
لأن الإصلاح تثقيف وتوجيه، والثورة عنف(حتى لو كان فكريًّا)
لأن الإصلاح متدرّج يراعي قدرات الناس،والثورة لا تراعي إلا بلوغ الهدف بصرف النظر عن الأثمان (مادية كانت أو بشريّة أو ثقافيّة)
لأنّ الإصلاح خطة مدروسة، تراعي الحاضر كما تراعي المستقبل، وتركز على جوانب الخلل، لكن الثورة خطتها واحدة: تأليب القاعدة الشعبية لإحداث التغييربصرف النظر عن مصائرهم .
فقط سؤال:
لو كان الإسلام ثوريًّا. لماذا لم يدع محمد صلى الله عليه وسلم ربه ليخسف بقومه أو يطبق عليهم الأخشبين؟
هنا يحضرني ردّه عليه الصلاة والسلام رجاء أن يخرج الله من أصلاب المشركين المعاندين من يؤمن بالله.
ذلك هو الإصلاح كما نريد أن نفهمه:
صبر على التوعية
لا إكراه على الهدف.
اعتراف بالفضيلة
لا احتكار لها.

أبو محمد القلموني
04-06-2010, 04:58 PM
بداية أنا لا و لن أضع نفسي في موقع المختلف معكم أختي الفاضلة. فما أنا إلا غرس أيديكم الطاهرة و قلوبكم الوادعة و أنسكم الكريم. ولكنني أحببت أن أنتهز فرصة التحاور مع الكبار لأجل أن أنهل من معينهم و أطمئن على بعض ما عندي من مفاهيم.



فأقول مستعينا بالله وحده :




بعد مداخلتكم الأخيرة لا يسعني إلا التوقف عند نقطة واحدة وهي قولكم ( لكن نحن هنا نتحدّث عن الفكر الثوريّ الانقلابي الذي (لا يعترف) بوجود المكاسب. ويسعى إلى الانقلاب الشامل )



قلت : فكذلك الإسلام لا يقبل في مسائل العقيدة و موازينها وتصوراتها و مقتضياتها إلا الإنقلاب الشامل! أليس هذا ما يدل عليه قوله تعالى : ( لكم دينكم و لي دين ) وقوله تعالى : ( و قال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ) فهاهنا يتحدث الوحي صراحة عن ملتين لا مجال للتقارب و لا لإلغاء الفوارق الصارخة بينهما.




وهذا هوعين ما كنت أقصده حين تحدثت عن معنى الإصلاح الذي يواجه الجاهلية ، و كيف أنه يعني بالضرورة انقلابا شاملا و مستمرا عليها حتى يتنزع منها وصف الجاهلية بإسناد الحاكمية لله و حده و إقرارها الصريح و الكامل بعبوديتها لله رب العالمين. يقول الله تعالى : ( و إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم و إن أطعتموهم إنكم لمشركون ) . وقال تعالى : ( فلا و ربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ) . فهذه و غيرها من النصوص المتوافرة تؤكد أنه لا مجال للإعتراف بالمكاسب في هذه القضية البتة بل لا بد من انقلاب شامل و كامل هنا !

nour
04-06-2010, 11:24 PM
بارك الله فيك أخي الفاضل.
أمتعني فعلًا أن نتحاور.
فتحاورنا هو اعتراف بعضنا ببعض. ولكن.. ليت المختلفين كلّهم يدركون هذا المعنى.

أجل أخي . نحن متفقان. في العقيدة لا مساومة . حتى النوايا نفسها لها أثر على العمل.

كنت أطرح الإسلام كاملًا. وقد استثنيت العقيدة ابتداء.

قرأت اليوم في مجلة الإسلام اليوم بحثًا قصيرًا عن أردوغان وحزبه،ما زاد إعجابي بهذه الحركة الإسلاميّة الواعية التي شقت طرقًا إلى النجاح بفضل وعيها واقعها ،وعدم قفزها فوق المراحل.
وبفضل إخلاصها وتجرّدها، بعيدًا عن التحاسد والتباغض ،وسيرًا باتجاه الهدف.
تلك الحركة الإصلاحية تجربة رائدة حقًا.
تلك الحركة تجعل من اليسير علينا أن نفرّق بين العمل الذاتيّ الذي يلبسه أصحابه لبوس (المصلحة العامة) وما هو إلا استجابة لغرائز التسلّط عند صاحبه، وبين العمل المؤسسي الفريقيّ الذي يقدّم مصلحة المجموع ،ويخلص للمبدأ لا للفرد.

وأتساءل بحزن: أين نحن من ذلك؟
بعضنا اتهم حزب العدالة التركي بالعلمانيّة لأنه أخّر بعض المبادئ، وآثر قراءة صحيحة للواقع.
لكن تساؤل يثور في ذهني:
هل نحن هنا ننتصر فعلًا للمبادئ؟ أم نحن ننتصر لذواتنا، ثمّ نظلم الإسلام بنسبة أعمالنا إليه؟
إسلاميّون. مصطلح تمّ تحميله معاني لا يحتملها.
وكذلك مصطلح :علمانيون.
مصطلحات كادت تفقد دلالاتها.