حياك الله أختنا الفاضلة و حيا الله الأخ الحبيب محمد ومن يتابع هذا الشريط الماتع.
نقاشنا يستمر لبحث مصطلح الإصلاح و هل يحمل معنى الثورة إذا واجه الجاهلية أم لا؟
فقد تقدم أن الإصلاح و الثورة ليسا متقابلين مطلقا بل من الإصلاح ما يكون ثوريا. فهذا ويل ديورانت مثلا يصف رسالة مارتن لوثر التي علقها على كنيسة ويتنبرغ و عنونها ب: " نقاش لإيضاح سلطة الغفران " مفتتحا بها مسيرته الإصلاحية ، بأنها الإصلاح بمثابة الثورة.
وكتب رينيه بوندوا يصف فكر لوثر فقال : ( و هكذا يتبدى فكر لوثر في مظهر مزدوج : فهو من جهة أولى فكر مجدد بل ثوري مباين عميق المباينة للفكر الذي تعلمه الكنيسة الرسمية وهو من الجهة الأخرى محافظ بروحه لأنه لا يقول بحرية المخلوق الإنساني إلا متى صارت روحية حقا أي في دينونة الله )
ومعلوم أن رسالة مارتن لوثر هذه التي كتبها عام 1517 هي التي أسست لتمرد ناجح ضد الكنيسة الكاثوليكية و حرضت الكهنة و القساوسة على الإنتفاضة ضد العزوبة و الفقر و الخضوع لقوة غريبة و متسلطة. ثم كانت هي نفسها الإلهام المباشر و المحرك الحقيقي لثورة الفلاحين في جنوب ألمانيا عام 1524 و رفضهم دفع الضرائب و عشريات الكنيسة !
وهكذا ولد المذهب البروتستانتي الذي بدأ إصلاحا ثوريا بحق كما وصفه المؤرخون و الدارسون لتلك الحقبة.
فالقصد أنه بقدر ما يكون الخطاب تجديديا مباينا للحالي و السائد بقدر ما يكون ثوريا من هذه الجهة و لا يشترط لثوريته أن تكون البندقية مرافقة له على طول الخط!
وقد جاء في كلام أختنا الفاضلة تعريف مشابه حين جعلت الثورة نقضا للأسس الفكرية و انقلابا على الوضع القيمي. ونحن نقبل بهذا التعريف و نسأل : أليست الدعوة الإسلامية مناقضة و مناهضة للأسس الفكرية للجاهلية ؟! أليس في الخطاب القرآني تقسيم للمجتمعات إلى مجتمعين اثنين: مجتمع إسلامي يقوم على تصورات الإسلام حول الوجود و الإنسان و الكون و الحياة ، و يدين الله بالحاكمية المطلقة في كل أمر من أمور الحياة . و الثاني جاهلي قولا واحدا حين لا يسند الحاكمية لله وحده بل يعطي لنفسه الحق بوضع التصورات و تشريع القوانين التي تضبط الأخلاق و السلوك و القيم و الخ ...
إن أدنى تأمل في التصور الإسلامي للإنسان و التصور الجاهلي له يجعلنا نكتشف الفارق الكبير و الهائل في الأسس الفكرية و القيمية بين الإسلام و الجاهلية.
فهل يعقل أن نقول أن الإسلام لم ينقلب على الوضع القيمي السائد وقتها ليتسبدله بوضع آخر مباين له بونا شاسعا تتبدى فيه إنسانية الإنسان و حريته و كرامته كما أرادها الله له لا كما تريدها الجاهليات على مر الأزمان؟!
هل ثمة التقاء أو تقارب بين تصور الإسلام و نظرته للإنسان و بين تصورات الجاهلية و نظرتها للإنسان؟! ألم يقل الله تعالى : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) فكيف يكون ثمة تقارب بين السماء و الأرض ؟ بين فكر سماوي محلق يستمد من الصانع جل و علا و بين فكر أرضي ملتصق بوحل الأهواء و طين الظنون ؟!
ربما يفهم البعض أن الإسلام محض لمسات هنا و هناك لمجرد أنه أقر بعض المفردات الخلقية التي أعاد صياغتها بما يتلاءم مع العقل الجديد و الفكر الجديد و الموازين و القيم الجديدة! لكن الحقيقة أن المسافة بعيدة بعيدة و محاولة الجمع بينهما عسيرة مضنية بلا شك!
ثم إن مفهوم الثورة قديم و ليس جديدا ولد مع الماركسية. وكون الماركسية دعت إلى ثورة البروليتارية لالغاء التمركز والطبقية و تملك أدوات الإنتاج ، لا يعني أن ننزه الإسلام عن ثورية إلغائه و شطبه لكل مظاهر الشرك و الخرافة و التبعية للطواغيت المتألهين على الخلق. و إلا لوجب أن ننزهه عن الإصلاح كذلك لوجود مصلحين كلوثر مثلا ! و مجرد تمرد الثورة الفرنسية على الدين لا يعني أن التمرد بحد ذاته خطأ و لا أنه نوع واحد مذموم مطلقا!
نحن نرفض بلا شك المصطلحات التي تحاول بزعم مطلقيها تجميل الإسلام و تزيينه و تناوله بتحسينات موهومة لا يحتاجها على الإطلاق! فإنه كما أنزل غضا طريا ربانيا هو رائع ، و مبهر ، و كامل ، و واقعي و ليس بحاجة لا لمحسنات لغوية و لا لمحسنات فكرية! و لكن هذا شيء و زعم التقارب بينه و بين الجاهلية شيء آخر !