مشاهدة النسخة كاملة : خمس نصائح من علامة القلمون الشيخ محمد رشيد رضا إلى طلاب العلم الشرعي
أبو حسن
27-07-2008, 12:01 PM
1- طول المكث في المدارس ضار:
كتب لي أستاذنا العلامة الشيخ حسين الجسر في شهادة العالمية أو (إجازة التدريس) أنني طلبت العلم عنده مدة ثماني سنين تلقيت فيها المنقول والمعقول إلخ (وكنت في هذه المدة أتلقى عن غيره أيضًا) والعبرة في هذا أن طول مدة التلقي والأخذ عن المعلمين لعلوم وفنون قليلة كالعربية والشرعية تضعف في الطالب ملكة الحُكم، والاستقلال في العلم، وتحصر علمه فيما يسمع ويقرأ، حتى لا يكاد يجد غيره فيما يُقرّر أو يُملي أو يُصنّف أو يُفتي، ومن كان هذا كل علمه فلا علم له، وإنما هو ينقل ما عند غيره علمًا كان أو ظنًّا، حقًّا أو باطلاً، خطأً أو صوابًا.
وقد قال لي الأستاذ الإمام عندما عرضت عليه أن يكون الشيخ عبد العزيز جاويش من إخواننا خواص مريديه بعد عودته من أوربة: أيّ العلوم حصل في إنكلترة ؟ قلت: لما أسأله عن ذلك لقرب العهد بعودته، ولكنه ذكي فصيح ذو همة وغيرة، قال سله عن مدة إقامته في الأزهر قبل دخول مدرسة دار العلوم فإن كانت طويلة تزيد على بضع سنين فاعلم أنه قد فقد قوة الاستعداد للعمل، وأنه لم يُحصّل شيئًا يعتد به.
أبو حسن
27-07-2008, 12:11 PM
2- النية وصحة القصد وتوجه الإرادة:
قال نبي الرحمة، ومعلم الكتاب والحكمة: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) وإن لصحة القصد، وتوجه الإرادة إلى الأمر، أعظم التأثير في النجاح والفوز، ولا شيء أنفع لطالب العلوم الدينية من الإخلاص لله تعالى فيها، وقصد تزكية نفسه وتثقيفها بمعرفته الصحيحة وعبادته المشروعة، ثم تعليم الناس وهدايتهم، وأن يكون قدوة لهم في الحق والخير، وتدبر ما علمنا الله تعالى من دعائه بقوله: { رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } (الفرقان: 74) وقوله: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا } (الممتحنة: 5) وإن بين هذه الفتنة بتنفير الكفار عن الإسلام، والإمامة للمتقين فيه، لدرجات بعيدة في الإيمان والصلاح، ودركات في الكفر والضلال.
لما اشتغلت بطلب العلم في طرابلس وعرفت الأستاذ العلامة الشيخ محمد إبراهيم الحسيني وكان عائدًا من الأزهر وصحبته بالتبع لصحبة صديقنا المرحوم الشيخ محمد كامل الرافعي كما تقدم في الترجمة قال لي مرة: إنني بعد أن أتم مطالعة أعلى كتب الأصول والكلام والبلاغة سأذهب إلى الآستانة وأقرأ درسًا في جامع السلطان أحمد، وذكر ما يتوقع لهذا الدرس من حسن التأثير والشهرة، وما يعقبه من الفوائد، فقلت له ما معناه: إنه لخير لك أن تنوي بقراءة هذه الكتب التقرب إلى الله تعالى والاستعداد لخدمة دينه ونفع عباده، وإن منافع العلم بالجاه والمال قد تأتي تابعة لذلك، ولا يصح أن تكون متبوعة له، ولا مقصودة لذاتها، ثم رجع الأستاذ عن ذلك الرأي بعد أطوار مرت عليه كما تمر على أمثاله من كبار الأذكياء.
إن الذين اشتغلوا بعلوم الدين بقصد إصلاح أنفسهم وإصلاح غيرهم في كل جيل كانت الدنيا أشد انقيادًا لهم ممن طلبوها بالدين وعلومه، ولكن أكثر أولئك قد زهدوا فيها، وآثروا ما عند الله تعالى على جاهها ومالها، ولقد قال لي شيخنا الأستاذ الإمام: إنني لولا قصد التوسل بدخول الحكومة المصرية إلى التمكن من إصلاح الأزهر لأبيت قبول أي وظيفة فيها، وقال لي: لو كنت أريد أن أكون غنيًّا لكنت من أكبر الأغنياء. فليعتبر طلاب العلم في الأزهر وغيره ممن يقصدون الجاه أو الثروة بتاريخ الأستاذ الإمام وعاقبة أمره، وما رفع الله من ذكره، وبغيره ممن لا غرض لهم من علم الدين إلا عرض هذا الأدنى ؛ ليروا كيف كان قدوة صالحة في حياته وبعد مماته، وإنهم سيرون وسوف يرون من سوء سيرة تجارة الدين أن بعض الفقر خير من الثراء، وأن من الخمول والخفاء، ما هو أشرف من الشهرة والجاه، وأن الغاية للمتقين، والخزي والسوء على المنافقين { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ } (ص: 88).
أبو حسن
28-07-2008, 09:46 AM
3- الاستقلال والتقليد في طلب العلم:
أنصح لكل طالب علم أن يتوخى الاستقلال بفهم ما يلقنه من مسائل العلم، ثم الاقتناع بما يفهمه، وأن لا يكتفي بفهم أستاذه للعبارة دون فهمه هو، ولا باقتناع أستاذه بأن ما فهمه هو الحق في نفسه إذا لم يقتنع هو بذلك، فالعلم بعبارة المعلم أو المؤلف غير العلم بمعناها، والعلم بصحة المعنى مرتبة فوق مرتبة فهمه من العبارة، وفوقهما مرتبة العبرة الباعثة على العمل بالعلم والإخلاص فيهما، ولن تكون عالمًا بالشيء نفسه إلا إذا كنت مقتنعًا واثقًا به، ولا يحصل هذا في غير البديهيات إلا بالاستدلال، وقد يقع التقليد بالدليل كما يقع بأصل المطلب فاحذر هذا.
واعلم أيها الطالب المعلم أن ما يسمى بالاجتهاد في جميع أبواب الفقه هو مرتبة عالية من مراتب العلم الاستقلالي بالأحكام الشرعية، سواء أريد به الاجتهاد المطلق أو الاجتهاد في مذهب واحد، وما أنصح لك به من الاستقلال في فهم كل ما تتلقنه، والاقتناع بصحته دون ذلك: وهو أدنى مراتب العلم، وهو ما لا تكون ذا علم صحيح في أي علم من العلوم أو فن من الفنون بدونه، وهو ما لا ترتقي عن دركة الجهل المطلق أو الجهل التقليدي مع فقده، فأنت محتاج إلى الاستقلال في كل علم تطلبه وكل مرتبة من مراتبه، فلا تقلد من قالوا: إن بعض العلوم قد أحاط به العلماء الأولون علمًا، فليس على من بعدهم إلا أن يقلدهم في كل ما دونوه فيه بغير بحث ولا محاولة تمحيص ولا تحقيق. إنما الإحاطة بالعلم من صفات الله الخاصة به، وقد أمر الله رسوله خاتم النبيين بطلب المزيد من العلم بقوله: { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } (طه: 114) فكل ما كتبه البشر، وكل ما يكتبونه ما كان ولن يكون إلا ناقصًا قابلاً للكمال، ولا أستثني من ذلك علوم الحديث في الجرح والتعديل ونقد الرجال، وأجهل الجهل بالشيء ما كان قابلا للاحتمال.
أبو حسن
28-07-2008, 09:50 AM
4- آية العلم الصحيح النافع:
العلم الصحيح ما كان صفة للنفس، والعلم النافع ما كان باعثًا على العمل الصالح، والعمل الصالح ما صلحت به نفس العامل، وكان قدوة حسنة لكل من عرفها، وآية ذلك كله شعورها بجهلها ونقصها، وبحاجتها إلى الاستزادة من العلم والاستفادة من كل شيء، وإلى المزيد من الأدب وتثقيف العقل وتزكية النفس، ولا أحفظ عن أئمتنا في هذا المعنى أبلغ من بيتين للإمام الشافعي رضي الله عنه هما أدل على علمه وفضله من مجلد يؤلف في مناقبه، وهما عين الحق، فلا تحسب أنه قالهما من باب التواضع، قال:
كلمـا أدبني الدهـر * أراني نقص عقلي
وإذا ما ازددت علمًا * زادني علمًا بجهلي
أبو حسن
29-07-2008, 12:56 PM
5- آيات تزكية النفس الروحانية:
قال الله تعالى: { وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } (الذاريات: 20-21) وقال عز وجل: { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } (الزمر: 22) الآية، وقال تبارك اسمه: { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } (البقرة: 257) الآية، فمن لم ير فيه شيئًا من آيات ربه، ومن لم يتألق في قلبه شعاع من نور ربه، فإسلامه صوري وراثي، وإيمانه تسليمي ظني أو جدلي، وهاتان الثمرتان للدين لا تؤتيهما شجرة الإيمان الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع، إلا بمجاهدة النفس: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ } (العنكبوت: 69) مع كثرة الذكر بالقلب واللسان له، وأجمعه تدبر كتابه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً } (الأحزاب: 41-43).
ولكن الذين يدّعون هذه الآيات في أنفسهم كثيرون، وتراهم في ظلمات لا يبصرون، يضلون الجاهلين بخرافاتهم ويأكلون أموالهم بالباطل، ولا يستفيد أحد منهم علمًا نافعًا، ولا هدًى رافعًا، وإنما الإسلام علم وهدًى، فلا تغتر بدعوى حي ولا ميت ولا بشهرته، ولا بخوارق العادات الصورية ولا المعنوية له، واعتبر بما أفشيته لك على خلاف عادتي، من تجاربي واختباري في بدايتي، ومنه أن بعض الأمور الروحانية التي تثمرها رياضة التصوف قد تكون فتنة تعقب صاحبها ضلالة، وأن بعض الأنوار التي تتراءى لبعضهم خيالات شيطانية، وأن المكاشفات التي تحصل لهم كلها خواص نفسية، هي كغيرها مما يكشفه العلم من السنن كانت ضلالاً له وطغيانًا، وأعني بالإيمان اليقينَ بعالم الغيب، وبالهدى الاعتصامَ بعروة الشرع، فمن لم يؤت نصيبًا من ذلك كان عرضة إما للشك المادي، وإما للتقليد الخرافي.
يقول أبو حسن: نقلت هذه النصيحة بتصرّف لا يُخلّ بالمعنى العام لتعلقها بمقالة اخرى كتبها الشيخ رحمه الله
Powered by vBulletin® Version 4.1.11 Copyright © 2026 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved, TranZ by Almuhajir