3- الاستقلال والتقليد في طلب العلم:
أنصح لكل طالب علم أن يتوخى الاستقلال بفهم ما يلقنه من مسائل العلم، ثم الاقتناع بما يفهمه، وأن لا يكتفي بفهم أستاذه للعبارة دون فهمه هو، ولا باقتناع أستاذه بأن ما فهمه هو الحق في نفسه إذا لم يقتنع هو بذلك، فالعلم بعبارة المعلم أو المؤلف غير العلم بمعناها، والعلم بصحة المعنى مرتبة فوق مرتبة فهمه من العبارة، وفوقهما مرتبة العبرة الباعثة على العمل بالعلم والإخلاص فيهما، ولن تكون عالمًا بالشيء نفسه إلا إذا كنت مقتنعًا واثقًا به، ولا يحصل هذا في غير البديهيات إلا بالاستدلال، وقد يقع التقليد بالدليل كما يقع بأصل المطلب فاحذر هذا.
واعلم أيها الطالب المعلم أن ما يسمى بالاجتهاد في جميع أبواب الفقه هو مرتبة عالية من مراتب العلم الاستقلالي بالأحكام الشرعية، سواء أريد به الاجتهاد المطلق أو الاجتهاد في مذهب واحد، وما أنصح لك به من الاستقلال في فهم كل ما تتلقنه، والاقتناع بصحته دون ذلك: وهو أدنى مراتب العلم، وهو ما لا تكون ذا علم صحيح في أي علم من العلوم أو فن من الفنون بدونه، وهو ما لا ترتقي عن دركة الجهل المطلق أو الجهل التقليدي مع فقده، فأنت محتاج إلى الاستقلال في كل علم تطلبه وكل مرتبة من مراتبه، فلا تقلد من قالوا: إن بعض العلوم قد أحاط به العلماء الأولون علمًا، فليس على من بعدهم إلا أن يقلدهم في كل ما دونوه فيه بغير بحث ولا محاولة تمحيص ولا تحقيق. إنما الإحاطة بالعلم من صفات الله الخاصة به، وقد أمر الله رسوله خاتم النبيين بطلب المزيد من العلم بقوله: { وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً } (طه: 114) فكل ما كتبه البشر، وكل ما يكتبونه ما كان ولن يكون إلا ناقصًا قابلاً للكمال، ولا أستثني من ذلك علوم الحديث في الجرح والتعديل ونقد الرجال، وأجهل الجهل بالشيء ما كان قابلا للاحتمال.