النتائج 1 إلى 23 من 23

العرض المتطور

  1. #1

    افتراضي لهيب الجمال في أزمنة الجليد ( قصة )

    ما أن وضع رجله في أرض المطار حتى شعر بارتياح شديد ونشاط غير اعتيادي ! كأنه عائد من الوطن إلى الوطن ! كأن جنبات و أركان المكان هي زوايا طالما أطال الوقوف فيها يودع الأحبة إلى الغربة و اليوم تستقبله كعائد من غربة وطنه إلى وطنه الغربة ! ها هو ينطلق هاشا لاستقبالها الصامت ، يؤثره على متعة الإحتفاء الصاخب الذي كان يحظى به أحيانا في غربة وطنه ، والذي لم يكن يلبث قليلا من الأيام حتى ينقلب إلى وجوم صارخ يلاحقه في الوجوه و العيون التي تطارده !

    أنفاسه تخرج بهدوء و نظراته تنطلق في حرية . لم يعد مضطرا أن يتلفت هاهنا أو هناك بحثا عن الأمان. الهرب أصبحت كلمة من مخلفات الماضي القريب ولن يكون لها وجود في هذا المكان الذي سافر إليه بعقله مرارا و تكرارا قبل أن تطأه قدماه!

    الآن يستطيع أن يجلس حيث يريد و يمشي حيث يريد ، و يلبس ما يريد و يقرأ ما يريد و يحلم كما يريد !

    لا وجود اليوم لمن يلاحق أحلامه و ليس ثمة من يحصي عليه أنفاسه . لقد تحرر تماما من كل قيد فعاد إنسانا حقيقيا كما خلقه الله و أراده حرا من كل ما قد يستعبده أو يفرض عليه الرأي و الممارسة !

    لقد حارب فكرة القيد كثيرا و صرخ في وجه القوالب الجامدة مرة بعد مرة ، و تصدى لمحاولات استعباد العقول ومصادرتها ! لكن محاولاته باءت بالفشل ، فقد بقي بحاجة إلى تبرير كل تفصيل من تفاصيل حياته و استمر عرضة لنقد تقليدي يتناوله كلما حاول مجاوزة التقاليد و الإنتقال عنها إلى ما يراه ويعتقده ، و يجده متوجها و منطقيا .

    دخل المسجد ذات مرة و بيده كتاب في فلسفة العلوم ، صلى ركعتين تحية المسجد و جلس في الركن يقرأ .
    فاجأه سعيد زميله في الكلية وابن منطقته ، ليدور بينهما الحوار التالي :
    سعيد: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
    بتوتر أغلق الكتاب. وضعه جانبا ، و مرتبكا أجاب:
    -وعليكم السلام و رحمة الله و بركاته
    - سعيد:كيف الحال؟
    - الحمد لله ، كيف حالك أنت ؟
    - سعيد متفرسا في وجهه : الحمد لله ، ماذا تقرأ؟
    - كتاب جديد اشتريته لتوي من السوق ولم أقرأ منه غير اليسير بعد ...
    - سعيد ، وقد مد يده إلى الناحية الثانية متناولا الكتاب و متأملا في عنوانه : لست أدري كيف تسوغ لنفسك أن تجلس في بيت من بيوت الله تقرأ كفرا بواحا لأناس أعمتهم الشهوات و آثروا البهيمية على دين الله ؟
    - لقد تحدثنا في هذا الموضوع مرارا و تكرارا و أنت تصر على وضع القضية في غير إطارها وتصر على مقدمات خاطئة توصلك إلى ما تريده من نتائج !
    - سعيد: يا أخي لا تكن كالذي إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ! لقد نصحتك مرارا و تكرارا وجئت بما يكفي من الأدلة على تحريم الإشتغال في المسجد بغير ذكر الله ، ومع ذلك أنت لا تنصاع و لا ترعوي و لا تسلم للنصوص!
    - أنت تريدني أن أسلم لك و ليس للنصوص ، تريدني أن أخضع لك لا لتوجيهات رب العالمين. قلت وأعيد هذا فهمك وهو لا يلزمني و لا يلزم أحدا.
    - سعيد: لا تخلط بين فهمي و بين النصوص الواضحة! إتق الله !
    - إسمع ألست جالسا في المسجد الآن؟ ألست تحدثني بما تحدثني به؟ فهل ما تحدثني به ذكر لله بحسب مفهومك؟
    - سعيد :كفاك تعنتا أنا أنصح لك ، و النصيحة مباحة في المسجد كما لا يخفى.
    - طيب ما الذي أدخل النصيحة في الذكر و أخرج قراءة مقالات الناس و أفكارهم منه؟ وقد علمت منهج القرآن في حكاية المقالات و الرد عليها بحكمة و لين ؟!
    - سعيد : أنت كما أنت لا تتغير و لن تتغير ، ندعوك إلى الذكر و تدعونا إلى الجدل ندعوك إلى التقوى و تدعونا إلى الإنفتاح !
    - أنت تدعوني إلى منهج ليس فيه ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) و لا وجود فيه ل( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) .....

    صور الذكريات تومض و تختفي بسرعة ، تماما كما تبدو الاشياء في الخارج ، وهو يجلس في المقعد الخلفي من سيارة التاكسي في طريقه إلى السكن .

    ذات مرة كان يجلس إلى فتاة في مقهى الجامعة ! فتاة جميلة لكنها خلوقة و إن كانت لا ترتدي الحجاب ! لطالما لفتت نظره وشدت إليها انتباهه؛ دعته إلى مقهى الجامعة تطلب مساعدته في شؤون دراسية بحتة . جلسا يتحادثان في أمور الجامعة و الكتب و الإمتحانات.

    فاجأه مهند يلقي عليه جملة من التوجيهات القاسية و المحرجة له و للفتاة التي برفقته ! لقد أعطاه درسا لن ينساه في الخلق الرفيع الذي ينبغي التحلي به في الجامعة !!!

    ماذا يفعل كيف ما اتجه تلاحقه الأعين و تتقصاه الألسنة لتلتف حول عنقه محاولة خنقه !

    اليوم تخلص من كل هذه القيود وبات في مأمن من كل الأعين ! سيعيش حياته حرا لا يدين لأحد بشيء ؛ إذا أخطأ و ضعف استغفر ربه وكفى ؛ فلم يكن لأحد غير ربه سبحانه و تعالى حيز من نفسه يراقبه و يشتغل به !

    هكذا جملة واحدة يرمي عن كاهله حمل سنوات من الضغط و التبعية الباطلة باسم الدين تارة و باسم التقاليد المقدسة تارة أخرى !
    اليوم سيقرأ ما يشاء من الكتب الحمراء الممنوعة و سيشاهد ما لذ و طاب من الأفلام السينمائية المحظورة . لن يجد اليوم حرجا إذا ضبطه أحدهم و في محموله فيلم تمثل فيه هيتر غراهام أو بوتي بليس أو هيلاري داف !
    من الآن سيعيش ضعفه و قوته بملئ إنسانيته ومنتهى إرادته !

    يتبع
    التعديل الأخير تم بواسطة أبو محمد القلموني ; 06-06-2007 الساعة 06:57 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    المشاركات
    2,764

    افتراضي

    أخي أبو محمد طول بالك علينا شوي. أيمتا راجع؟
    بِـرُوحـيَ مَـــنْ أتْـلَـفْـتُ رُوحـــي بحُـبِّـهـا،فَـحـانَ حِمـامـي ، قَـبْـلَ يـــومِ حِـمـامـي
    ومنْ أجلها طابَ افتضاحي ، ولذَّ لي اطِّراحـــي ، وذلِّـــي ، بــعــدَ عــــزِّ مَـقـامــي
    وفيها حـلا لـي ، بَعـدَ نُسْكـي ، تهتُّكـي،وخَــلْــعُ عِــــذاري ، وارْتِــكـــابُ أثــامـــي
    أُصَلِّـي ، فأشـدو ، حيـنَ أتلـو ، بذِكـرِهـا،وأطْـرَبُ فــي المِـحـرابِ ، وهــيَ إمـامـي

  3. #3

    افتراضي

    بناء ضخم مكون من طابقين . في كل طابق خمس شقق متباعدة.
    دخل إلى شقته وخلفه العامل يحمل أمتعته. أعطاه الأجرة وارتمى على الكنبة ... ثم في لحظة وعينه على الباب الخارجي يخرج منه العامل تذكر أنه لم يشكره ، هم أن يقطع استراحته و يجري وراءه لكنه تثاقل و آثر البقاء حيث هو يجول ببصره في أنحاء الشقة متفحصا ، تنتابه أحاسيس التفلت من قيود المجاملات !

    نهض من مكانه و توجه إلى غرفة النوم ، بدأ سريعا و قبل كل شيء بإخراج الملابس من الحقائب ووضعها في الخزانة كما به أوصته والدته .

    خرج إلى الشرفة يتأمل في تلك الحقول الخضراء الممتدة التي تنعش نظر الناظر و تشد إلى سحرها العينين. هناك إلى اليمين بعيدا ، وسط هذا اللون المتفائل تقع الجامعة التي قبل طلبه للدراسات العليا فيها .
    كانت طريقه للخروج من صحراء تحاصر بجفافها كل ينابيع أحلامه ! لذلك أحبها بقوة و تمناها بشدة ! فركب سالكا إليها كل صعب و كل ذلول .
    واليوم ها هي حقيقة ماثلة و واقع متحقق سينطلق فيه بقوة نحو أفقه الأبعد ليحرر آماله كلها و يطلقها ترفل في أثواب الحرية.

    خرج من المنزل متوجها إلى الغابة وبيده مجموعة أسفار فلسفية منها كتاب مبادئ في الفلسفة لجورج بوليترز . لقد قرأه مرارا و تكرارا و وقف على مكامن الخلل و نقاط القوة فيه .
    لكنه اليوم سيقرأه مرة أخرى في الطبيعة التي كتب فيها هذا الكتاب و في المناخ الذي أنضج كلماته و شحنها بخلبي المعاني!
    تصوراته الكلية و أفكاره الفلسفية لا تلتقي في النهاية و النتيجة مع تلك الكتب فلا يرى أن ما تنظر له من أسبقية المادة على الوعي حق يؤيده الدليل و البرهان. لكنه يرفض أن تحارب هذه الكتب وأفكارها بمنطق المصادرة و الحجر المتعسف! بل لا بد من معرفة فحواها بصورة دقيقة ثم الوقوف على مقتضياتها الكبيرة في واقع الحياة الغربية ، و كيف تؤثر في كل مفاصلها الإجتماعية و التربوية و السياسية والإقتصادية .

    ليس من المقبول أن يحاربنا الآخرون بأفكارهم و يغزونا بفلسفاتهم و نحن نقابل هذا بالمنع و الحجر! المنع يعني مصادرة العقل ففيه إهدار لأكبر قيمة إنسانية و شرعية ! أليس العقل هو مناط التكليف و الجهة التي تتوجه إليها الخطابات الشرعية ؟! ...

    جلس على إحدى المقاعد الخشبية مستظلا بشجرة ضخمة قديمة . نشر كتبه بين يديه و أقبل يقرأ بنهم غير اعتيادي...
    لا بد أن أفهم المغزى الحقيقي وراء كل كلمة و وراء كل فكرة ... لن أقبل بعد اليوم أن أتناول تلك الفلسفات بسطحية المصادر لها و الغافل عن حقيقة المعطيات و الحيثيات الفكرية التي ولدت من رحمها !

    وهو يقرأ فاجأته إحدى الفتيات تجلس إلى جواره بعد أن حييته بتحية فيها لكنة تشير إلى العربية .

    استرق إليها النظر فسحرته بجمالها و ملامحها العربية الواضحة.

    تحركت فيه دواعي التعرف عليها . لا وجود لمهند هنا و لا لسعيد و لا لأحد سواهم . لا أحد يراه هنا سوى الله عز وجل . ...
    آه ! مضى زمان طويل لم أشعر فيه بمعنى مراقبة المولى عز وجل ! أحس و كأن مساحة منسية في روحي تدب فيها الحياة الآن ! ... لكن يا لله ما أضعفها !
    نعم إنها لا ترقى لتشكل حاجزا و مانعا ! لقد كانت مغيبة و معطلة كل تلك السنوات تتناقص طاقتها يوما بعد يوم حتى كادت تنعدم !

    استجمع قوته و التفت إليها محييا . ابتسمت له و ردت تحيته. سألها عن اسمها و جنسيتها . فإذا هي مواطنة عربية جاءت لتدرس في نفس الجامعة التي سيدرس فيها.
    آنس منها رغبة بتمتين العلاقة بينهما فلم يمانع و لم يرفض. رافقها إلى سكن الطالبات . ثم ودعها و انصرف بعد أن تواعدا على العشاء.

    يتبع

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    الدولة
    منتريال - كندا
    المشاركات
    1,232

    Thumbs up

    السلام عليكم ...كيفكم يا جماعة..

    يعني فينا نسمي هذه رواية خيي أبو محمد؟؟...

    بانتظار ما يتبع...

    أخوكم
    أضئ شمعة، خير من لعن الظلام

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Dec 2006
    الدولة
    الإمارات العربية المتحدة
    المشاركات
    2,355

    افتراضي

    أطلت الغيبة علينا أخي الحبيب ...

    بانتظار البقية ... لأنني صراحة أحس بأني أدركت بعضا من مبتغاك لكني أتوقع مفاجأة ما ...

  6. #6

    افتراضي

    اخي أبو محمد.دائما تتحفنا بما يغذي العقول.و ينفض عنها الغبار و يزيل عنها الصدأ,بارك الله بك,و بانتظار التكملة التي نرجو ان لا تطول
    ان تصل متاخرا خير من ان لا تصل

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •