ما أن وضع رجله في أرض المطار حتى شعر بارتياح شديد ونشاط غير اعتيادي ! كأنه عائد من الوطن إلى الوطن ! كأن جنبات و أركان المكان هي زوايا طالما أطال الوقوف فيها يودع الأحبة إلى الغربة و اليوم تستقبله كعائد من غربة وطنه إلى وطنه الغربة ! ها هو ينطلق هاشا لاستقبالها الصامت ، يؤثره على متعة الإحتفاء الصاخب الذي كان يحظى به أحيانا في غربة وطنه ، والذي لم يكن يلبث قليلا من الأيام حتى ينقلب إلى وجوم صارخ يلاحقه في الوجوه و العيون التي تطارده !
أنفاسه تخرج بهدوء و نظراته تنطلق في حرية . لم يعد مضطرا أن يتلفت هاهنا أو هناك بحثا عن الأمان. الهرب أصبحت كلمة من مخلفات الماضي القريب ولن يكون لها وجود في هذا المكان الذي سافر إليه بعقله مرارا و تكرارا قبل أن تطأه قدماه!
الآن يستطيع أن يجلس حيث يريد و يمشي حيث يريد ، و يلبس ما يريد و يقرأ ما يريد و يحلم كما يريد !
لا وجود اليوم لمن يلاحق أحلامه و ليس ثمة من يحصي عليه أنفاسه . لقد تحرر تماما من كل قيد فعاد إنسانا حقيقيا كما خلقه الله و أراده حرا من كل ما قد يستعبده أو يفرض عليه الرأي و الممارسة !
لقد حارب فكرة القيد كثيرا و صرخ في وجه القوالب الجامدة مرة بعد مرة ، و تصدى لمحاولات استعباد العقول ومصادرتها ! لكن محاولاته باءت بالفشل ، فقد بقي بحاجة إلى تبرير كل تفصيل من تفاصيل حياته و استمر عرضة لنقد تقليدي يتناوله كلما حاول مجاوزة التقاليد و الإنتقال عنها إلى ما يراه ويعتقده ، و يجده متوجها و منطقيا .
دخل المسجد ذات مرة و بيده كتاب في فلسفة العلوم ، صلى ركعتين تحية المسجد و جلس في الركن يقرأ .
فاجأه سعيد زميله في الكلية وابن منطقته ، ليدور بينهما الحوار التالي :
سعيد: السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
بتوتر أغلق الكتاب. وضعه جانبا ، و مرتبكا أجاب:
-وعليكم السلام و رحمة الله و بركاته
- سعيد:كيف الحال؟
- الحمد لله ، كيف حالك أنت ؟
- سعيد متفرسا في وجهه : الحمد لله ، ماذا تقرأ؟
- كتاب جديد اشتريته لتوي من السوق ولم أقرأ منه غير اليسير بعد ...
- سعيد ، وقد مد يده إلى الناحية الثانية متناولا الكتاب و متأملا في عنوانه : لست أدري كيف تسوغ لنفسك أن تجلس في بيت من بيوت الله تقرأ كفرا بواحا لأناس أعمتهم الشهوات و آثروا البهيمية على دين الله ؟
- لقد تحدثنا في هذا الموضوع مرارا و تكرارا و أنت تصر على وضع القضية في غير إطارها وتصر على مقدمات خاطئة توصلك إلى ما تريده من نتائج !
- سعيد: يا أخي لا تكن كالذي إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ! لقد نصحتك مرارا و تكرارا وجئت بما يكفي من الأدلة على تحريم الإشتغال في المسجد بغير ذكر الله ، ومع ذلك أنت لا تنصاع و لا ترعوي و لا تسلم للنصوص!
- أنت تريدني أن أسلم لك و ليس للنصوص ، تريدني أن أخضع لك لا لتوجيهات رب العالمين. قلت وأعيد هذا فهمك وهو لا يلزمني و لا يلزم أحدا.
- سعيد: لا تخلط بين فهمي و بين النصوص الواضحة! إتق الله !
- إسمع ألست جالسا في المسجد الآن؟ ألست تحدثني بما تحدثني به؟ فهل ما تحدثني به ذكر لله بحسب مفهومك؟
- سعيد :كفاك تعنتا أنا أنصح لك ، و النصيحة مباحة في المسجد كما لا يخفى.
- طيب ما الذي أدخل النصيحة في الذكر و أخرج قراءة مقالات الناس و أفكارهم منه؟ وقد علمت منهج القرآن في حكاية المقالات و الرد عليها بحكمة و لين ؟!
- سعيد : أنت كما أنت لا تتغير و لن تتغير ، ندعوك إلى الذكر و تدعونا إلى الجدل ندعوك إلى التقوى و تدعونا إلى الإنفتاح !
- أنت تدعوني إلى منهج ليس فيه ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) و لا وجود فيه ل( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) .....
صور الذكريات تومض و تختفي بسرعة ، تماما كما تبدو الاشياء في الخارج ، وهو يجلس في المقعد الخلفي من سيارة التاكسي في طريقه إلى السكن .
ذات مرة كان يجلس إلى فتاة في مقهى الجامعة ! فتاة جميلة لكنها خلوقة و إن كانت لا ترتدي الحجاب ! لطالما لفتت نظره وشدت إليها انتباهه؛ دعته إلى مقهى الجامعة تطلب مساعدته في شؤون دراسية بحتة . جلسا يتحادثان في أمور الجامعة و الكتب و الإمتحانات.
فاجأه مهند يلقي عليه جملة من التوجيهات القاسية و المحرجة له و للفتاة التي برفقته ! لقد أعطاه درسا لن ينساه في الخلق الرفيع الذي ينبغي التحلي به في الجامعة !!!
ماذا يفعل كيف ما اتجه تلاحقه الأعين و تتقصاه الألسنة لتلتف حول عنقه محاولة خنقه !
اليوم تخلص من كل هذه القيود وبات في مأمن من كل الأعين ! سيعيش حياته حرا لا يدين لأحد بشيء ؛ إذا أخطأ و ضعف استغفر ربه وكفى ؛ فلم يكن لأحد غير ربه سبحانه و تعالى حيز من نفسه يراقبه و يشتغل به !
هكذا جملة واحدة يرمي عن كاهله حمل سنوات من الضغط و التبعية الباطلة باسم الدين تارة و باسم التقاليد المقدسة تارة أخرى !
اليوم سيقرأ ما يشاء من الكتب الحمراء الممنوعة و سيشاهد ما لذ و طاب من الأفلام السينمائية المحظورة . لن يجد اليوم حرجا إذا ضبطه أحدهم و في محموله فيلم تمثل فيه هيتر غراهام أو بوتي بليس أو هيلاري داف !
من الآن سيعيش ضعفه و قوته بملئ إنسانيته ومنتهى إرادته !
يتبع


رد مع اقتباس
...كيفكم يا جماعة..


