أزمة الفيزياء المعاصرة
أو
محاولة البحث عن النظرية النهائية للكون

جمال قوعيش

تختلف فلسفة الطبيعة عن الفلسفة التروستوندالية، كونها تطرح الطبيعة لا كمُنتَجة بل كمُنتِجة و هي "مستقلة"، و تسمّى بـسپينوزا الفيزياء (Spinozism of Physics)، و هذه النزعة غير خاضعة لمتطلّبات الشعور. إنّ كل تفسير مثالي للطبيعة "منقول" من حقله الخاص، لا يلبث أن يتحوّل إلى "لامعنى مغامر"، و أمثلته كثيرة...

إنّ القاعدة الأولى (First Maxim) لكلّ "حقيقة" علمية للطبيعة، تلك التي تعمل على شرح "كل شيء" بـقوى الطبيعة، و هي مطبّقة كثيرا في التفسيرات الطبيعية، لكنّها توقّفت أمام حاجز منيع، مثلا أمام الظواهر العضوية التي لها مظاهر خاضعة لمنطق العقل.

بالفعل، فكل فكر يعمل على الإنتاج و إعادة الإنتاج؛ فلاشيء مستحيل أن يعاد إنتاج نشاط الحرية عبر الفكر، لكن فقط عن طريق العقل العلمي (Scientific Reason).

إنّ علمنا هو بالكامل "واقعي"؛ إنّها الفيزياء، (1) لكن فقط الفيزياء النظرية، بنزعتها مثلها مثل أنظمة الفيزياء "الكلاسيكية" و الفيزياء الميكانيكية، التي عملت في الأزمنة المعاصرة على "بعث" الفلسفة الأبيقورية، فانطلقت الفيزياء من جديد بعد "سبات طويل"...

إنّنا لا نستطيع الوصول إلى تكوين فكرة حول الفيزياء المعاصرة بـ"انتهاج" طريق الميكانيكا الكوانتية و الفيزياء الذرية المؤسّسة على أفكار تجريبية خالصة. لأنّ الإشكال المعالج الأول هو ذلك المتعلّق بالسبب "المطلق" للحركة (of movement Absolute Cause)، و الذي بدونه لا تمثّل الطبيعة كلّ "متكامل" و "نهائي"، الأمر الذي لا تستطيع معالجته ميكانيكيا، بما أنّه من وجهة نظر ميكانيكية، الحركة محدثة من طرف الحركة، و ذلك إلى ما لا نهاية.

فلا يبقى إلاّ طريق واحد مفتوح لتكوين "حقيقي" لفيزياء نظرية: الطريق الديناميكي الذي يبيّن بأنّ الحركة ممكن أن "تولد" من السكون أيضا. و عليه، فالطبيعة هي في حركة حتّى عندما تكون ساكنة، و أنّ كل حركة ميكانيكية هي حركة ثانوية، صادرة عن حركة أولية - واحدة، ناتجة هي الأخرى عن الأسباب الأولى للبناء العام للطبيعة (و هي قوى بدائية و أساسية).

هذا المشروع النقدي، يحاول أن يختلف عن المشاريع النظيرة التي وجدت، إلى حد الآن، فإنّنا نشير في الوقت نفسه، إلى الفرق الذي يميّز الفيزياء الافتراضية (Hypothetical Physics) عن الفيزياء الإمبريقية (Empirical Physics)، الفرق المتمثل في الأسباب البدائية للحركات الناتجة في الطبيعة؛ أي الظواهر الديناميكية، لكن بالأحرى لا تتألّق إلى السبب الأصلي للحركات في الطبيعة و لا تشغل إلاّ حركات ثانوية. بل و أكثر من ذلك، لا تبحث عن الحركات البدائية أو الأولية إلاّ من وجهة نظر ميكانيكية (بما أنّها قادرة على بناء رياضي)، فبدت كذلك الفيزياء الافتراضية تهتم بـ"الاندفاعات" الداخلية للطبيعة، أو "اللاموضوعية"، بينما الفيزياء الأمبريقية، فلا تهتم إلاّ بما يحدث أمامها، من الجوانب الموضوعية؛ أي الخارجية.

إنّ دورنا اليوم، يتمثل في محاولة بناء علم للطبيعة، بالمعنى "الدقيق" للكلمة، و لكي نصل إلى إمكانية وجود فيزياء افتراضية، يجب البحث في شروط هذه الإمكانية، في نظرية للطبيعة كعلم. هنا مفهوم المعرفة أخذ معناه التقريبي، و من السهل حسب هذا المفهوم، إدراك أنّه بإمكاننا الوصول إلى معرفة الأشياء التي ندرك مبادئ إمكانيتها، لأنّه بدون ذلك، كل ما نعرفه عن موضوع ما، عن آلة معيّنة مثلا، و نجهل بناءها، و من ثمّ ندرك ما نراه فقط...

و هذا الأمر مرتبط باقتناع بسيط حول وجودها، غير أنّ مخترع هذه الآلة يملك معرفة "كاملة" (أي أوسع)، لأنّه يمثل "روح" هذا الإنجاز، و لأنّ الآلة قد "تواجدت" في دماغه كـ"فكرة متصوّرة" قبل أن تصبح "واقعا".

كما أنّ ولوج عمق البناء الداخلي للـ"فيزيس" (2) (الطبيعة) هو عملية "مستحيلة"، إلاّ إذا تدخلنا بـفعل حر، و بدون شك، فالطبيعة تستجيب بكل انفتاح و حرية، و ليس أبدا بطريقة مغلقة؛ فهي خاضعة لعدد كبير من الأسباب الواجب "مجاوزتها"، قصد الحصول على نتائج "خالصة".

لذلك، يجب افتراض طبيعة "تستجيب" في شروط معيّنة و قد تكون معدّلة من طرف شروط أخرى. هذا النوع من "التدخل" في الطبيعة يدعى بالتجربة (Experience)، و كل تجربة هي سؤال مطروح على الطبيعة، و التي من "واجبها الإجابة" عنها. لكن كل تساؤل يحمل ضمنيا حكما قبليا، لأنّ كل تجربة كتجربة، هي تنبؤ؛ فالتجريب هو إثارة ظواهر و بناء وقائع مستقبلية. إنّ الخطوة الأولى نحو العلم، يجب أن تعمل على "إنتاج" مواضيع هذا العلم بذاته.

نحن لا نعرف إلاّ "الإنتاجات التلقائية"، كذلك المعرفة، بالمعنى الافتراضي للكلمة، هل هي معرفة قبلية خالصة، فالبناء بواسطة التجربة لا يستطيع أن يضاهي الإنتاج التلقائي أو العفوي للظواهر.

و منه، فبدون شك، يمكن معرفة الكثير من الأشياء في علم الطبيعة مقارنة مع ما هو قبلي، فالظواهر الكهربائية، نحو المغناطيسيات و الضوئيات مثلا، هي خاضعة لـ"قوانين بسيطة"، يظهر نشاطها في جميع الظواهر و الآليات، الأمر الذي يجعلنا نستبق معرفة نتائج "كل" التجارب مسبقا، لأنّ معرفتنا ستكون نابعة مباشرة من "قانون" معروف بدون تدخل أيّ تجربة. لكن من أين تأتي المعرفة الصادرة عن هذا "القانون" ؟