إنّ النظرية في الفيزياء المعاصرة تتمتّع بمكانة بالغة الأهمية، فهي تمد الجسور بين "الحقائق التجريبية" المتناثرة، و تمكّن بطريقة التقدير الاستقرائي من الذهاب بعيدا عنها إلى عوالم مجهولة. لتصبح المسائل الفيزيائية تنزع نحو الأساطير و الألغاز، و هنا يبدو أنّ "التوحيد الأعظم" للقوى الأساسية الأربعة في الطبيعة يسمح بحساب و توضيح "أيّة" ظاهرة فيزيائية، و أنّ بضع معادلات كافية لتفسير نشأة و صيرورة الكون بأسره، بما في ذلك الفيزياء و الكيمياء و البيولوجيا و حتى السيكولوجيا؛ ذلك لأنّها تتضمّن في أساسها عمليات مادية أيضا. و بذلك سيتم "بلوغ" الهدف الأساسي للعلم، و لن يبقى أمام العلماء سوى استخدام، مرة و إلى الأبد، قوانين الطبيعة "المقررة لحل" مسائل تطبيقية محددة. و سيتطلب الأمر تحويل الظاهرة التي تجرى دراستها إلى ظواهر أكثر بساطة، و بذلك سيكون من الممكن حل أيّة مسألة مهما كانت، و هكذا لن يكون هناك مزيدا من الأسرار و الألغاز...
إلاّ أنّه لا يجوز الاتّفاق مع هذا أبدا، فالطبيعة "لا تنفذ" و لذلك، فمهما كانت النظرية "مكتملة"، سيعثر دائما على ظواهر تخرج عن نطاقها، و لن يتم أبدا بناء نظرية نهائية و شاملة.
ثمّة إشكال:
كيف لنا أن نعرف هل أنّ الطبيعة نهائية في تنوعها الكيفي أم أنّها لانهائية ؟ و من أين البراهين على هذه الصفة أو تلك للطبيعة ؟
إنّ التسليم "ببساطة" و بدون تحفظات بلانهائية الكون الذي يحيطنا أمر ينطوي على غاية الخطورة؛ إنّ تاريخ البشرية "قصير جدا"، لذلك، لا يمكن اعتبار هذا الافتراض "حقيقة ثابتة" و مؤكدة. فقد يحدث أن تؤدي معرفة عدد كبير جدا من الحقائق و الروابط فيما بينها، إلى "ذرى المعرفة" الخاصة، الفريدة في نوعها، يبدأ بعدها عدد الاستفهامات التي لا جواب لها بالتناقص.
فعلا، لقد اعتقد منظري الخطاب الفيزيائي المعاصر، في كثير من المرات، أنّهم بلغوا تقريبا الفهم التام لقوانين الطبيعة، و لم يبق غير غموض يتعلّق بالتفاصيل. و في كل مرة، كانت محاولاتهم "للتخلّص" من هذا "التقريب" و وضع نظرية "نهائية" و غير متناقضة تبوء بـ"الـفشل". و بقيت بصفة مستمرة أسئلة "مصرة" على عدم إيجاد أجوبة لها، و تحولت إلى متناقضات و أزمات نشأت منها أخيرا نظرية "جديدة". و من القضايا غير الواضحة، مثلا، كيف يتحدد مقدار سرعة الضوء و شحنة الإلكترون و الثوابت العالمية الأخرى ؟ و لماذا هي على هذا الشكل الذي تملكه الآن، و ليس على شكل مغاير ؟ و على أيّة صورة ستكون النظرية "ما بعد الكمية" القادمة، التي قد تستطيع، في نهاية المطاف، أن تفسر بجلاء طبيعة الأثر الذي تتركه الجسيمات الكمية لدى تحركها في "فراغ تام" ؟
إنّ أيّة نظرية، مهما كانت درجة شموليتها، تحوي دائما بعض الأحكام الأولية كبديهيات أو "ثوابت"، لا تستخرج من داخل النظرية المعيّنة، و إنّما تعطى من الخارج، على أساس التحليل و تعميم معطيات التجارب. و لا يمكن أن توجد نظرية "مطلقة" و منغلقة على نفسها، فإثباتها يمكن فقط في إطار بناء نظري أعم يتحدد بدوره في نظرية أكثر شمولا.
و ليس من نهاية لهذه السلسلة، و كما بيّنت التجارب، فإنّ عدد الاستفهامات القاعدية التي تبرز في عملية تطور العلم لا تقل فحسب، كما افترض ذلك فاينمان (Feynman)، و إنّما على العكس تزداد أكثر فأكثر. و يجوز القول، أنّ الحدود التي "يلامس" بها العلم عالم المجهول تطول على الدوام، فهي تشبه الأفق، كلّما اقتربنا منه، يبتعد عنّا أكثر فأكثر...
و فضلا عمّا سبق، فحتى النظريات التي قد وضعت و أعدّت بصورة محكمة نسبيا، و تلك التي في حركة دائمة، تتغيّر و يجرى استكمالها، و أحسن مثال على ما نذهب إليه هو الكتب الفيزيائية الحالية (و نحن نقصد كتب: هاوكينڤ، ويكمان، واينبرڤ، فاينمان...)، غالبا ما تصوّر الظاهرة، و كأنّ هناك مجالين مفصولين بدقة أحدهما عن الآخر؛ الأول هو ما توصّل إليه العلم مرة و إلى الأبد، و الثاني ما يزال العلم فيه في حالة تطور.
إنّ سلم الأشكال البنيوية و القوانين الفيزيائية المرتبطة بها لا ينفذ، و من هذه الناحية لا يوجد ما يقيّد التطور "اللامتناهي" للعلوم، رغم أنّ الطبيعة لا تشبه عددا لانهائيا من "الأبنية" الموضوعة الواحدة داخل الأخرى، فقد "بني" الكون بصورة أعقد للغاية.
و لسبب آخر، لن تتحقق الآمال في بناء نظرية "موحدة" و "شاملة" للطبيعة، فمن الصحيح أنّه في مجالاتها التي ذكرناها، وجدنا أنّ الكون مبني وفقا لمبدأ المستويات - الطوابق. و يشكّل علم الكيمياء أساسا للبيولوجيا المرتبطة بالجزيئات 'الزلالية' المعقدة، كما تعتمد قوانين الكيمياء بدورها على الفيزياء الذرية، أمّا هذه الأخيرة فتستند إلى النظرية النووية، التي تمتد جذورها إلى فيزياء الجسيمات الأولية. و رغم أنّ المستوى الذي نتحدث عنه يتحدد دائما بالمستوى الأعمق، إلاّ أنّ الأول لا يؤدي إلى الثاني أبدا، فعند الانتقال من مستوى إلى آخر لا يحدث تعقيد كمي فحسب، بل تغيير لكل الانسجام مع قوانين الطبيعة، يشكّل قفزة نوعية "حقيقية" بالمعنى الفلسفي- الدياليكتيكي.
و باتت جميع محاولات توجيه التفكير نحو قوانين الفيزياء وحدها دون أمل علمي يذكر، فمنذ مائتي (200) سنة "تصوّر" العلم الفكر بأنّه شيء مادي - ملموس؛ و قورن مع المادة الصفراء التي يفرزها الكبد. لقد "قطع" علم الفيزيولوجيا أشواطا بعيدة عن مثل هذه التصورات، و نشأ الفكر، دون أدنى شك، على أساس عمليات فيزيائية، لكن هذه العمليات تحوي الكثير من العقد و الانقطاعات الفجائية، و لكل علم مجال نشاطه، و لا يجوز له أن يشغل مكانة غيره من العلوم. و قد حدثت تعارضات مشابهة في وقت لاحق؛ إنّ الطبيعة "تحب" تقديم "مفاجئات" إلى العلماء، بالضبط عندما يعلن عن أنّ بعض خواصها و قوانينها باتت "شاملة" و مؤثرة دائما و في كل مكان.
لكلّ شيء في الكون مجال تطبيقه المحدد، و يجب أن نكون مهيئين إلى أنّ العلم سيكتشف خواص غريبة أخرى للزمن و المكان، لا نستطيع نحن اليوم تصوّرها، أمّا الخواص المعروفة لنا، فعلى العكس، ستفقد أهميتها في نطاق الظواهر "الجديدة". و هكذا، نرى أنّ الكون متنوّع إلى درجة فائقة، و مع ذلك، فهو في أساسه موحد إلى درجة فائقة كذلك.
بقلم: جمال ڤوعيش.
أستاذ مساعد بكلية العلوم الاجتماعية
جامعة مستغانم (الجمهورية الجزائرية)