كان يوما كباقي أيام الربيع


استفاق أهل البلدة على صوت الجيبات الزرقاء و الشاحنات الخضراء التي سبقت الكل إلى مكان الحادث .


في الليلة التي سبقت . أصاب شيء من الأرق عيون الناس فاليوم هو اليوم المشهود . اليوم هو يوم الإمتحانات . اليوم يقدم الطلاب ما سعوا لبلوغه طوال سنوات . سنوات تداولت بينهم كأنها لحظات . اليوم يطبقون قوله تعالى " و في ذلك فليتنافس المتنافسون "


تجمهر الآلاف أمام المركز . كل واحد يريد أن يتخذ لنفسه موقعا يوفر له منظرا جيدا و خدمة وصول معلومات سريعة . تشاطر الناس الأحاديث . هذا يقول " لا أدري لا شيء محسوم حتى الآن " و ذاك يرد عليه " لا شك أنه سيجمع نقاط كثيرة حتى لو كانت الظروف صعبة " . هكذا كانت ألسنتهم أما قلوبهم فتخص طلابها بالدعاء و ترجو لمنافسيهم الخسران و الإنكفاء . كل واحد يريد أن يتفوق طالبه و يحصد أكبر نقاط ممكنة كي يتربع على عرش الأوائل .


و فيما الناس محتشدين و متربصين أمام المدرسة كأنهم جيش مقدم على فتح القسطنطنية لاح في الأفق رجل أمن يفتح البوابة . لم ينتبه الكل لما حدث فقد تآخذتهم الأحاديث عن أمجاد هذا اليوم . و إذا برجل بينهم يصيح بلهجة عامية " هلموا, أقبلوا إلى مبتغاكم , فتحت الأبواب , سارعوا قبل أن يسبقكم الآخرون " , فلب الكل النداء و طفقوا يهرولون نحو الباب , الأقلام في أيديهم و اللوائح في صدورهم . بعضهم لبس " القبوعة " للوقاية و آخرون " الجيلي " للحماية



غزا هذا الجيش العارم المركز في ثواني فلم يترك زاوية إلا استقر فيها و لا غرفة إلا أثخن رحاله قربها. هكذا كانت أوامر قائدهم المحنك


استقبله رؤساء الأقلام ببشاشة . سألوهم عن أسمائهم فأجابوا . و أمروهم بالإمضاء فاستجابو . كتب على ورقته بضع أسماء ثم غرس يده في حبر به تكتب أمجاد الأمة . حبر كالتوحيد لا يزول إلا كما تزول الجبال .


ثم ترك الغرفة مختالا فخوار يمشي يهز الأرض من تحته و لا عجب في ذلك فتلك مشية حرمها الله إلا في هكذا مواقف . و عندما وصل إلى بوابة المركز سأله القائد " هل كتبت ما أمرتك به ؟ " فأجاب المسلم " ما بايعتك يا قائدي إلا على هذا !! "


كان إعلاميو الإسلام يتابعون الغزو ساعة بساعة و يسطرون المعلومات حرفا حرفا فما تركوا رجلا إلا سألوه و لا قائدا إلا قابلوه و استفتوه فأدوا الأمانة و لم يتركوا مجالا لفاسق كي يأتي بنبأ لا قبل لهم بالتبين منه . شعارهم الأمانة , أجهزتهم رنانة , و كاميراتهم فنّانة .


و بينما كان المسلمون يغزون المركز و يغنمون من الغنائم و الحسنات ما يزن جبل أحد , ضاقت نفوس المرابطين خارج المركز و بدأوا يتساءلون " كيف نفوت هذا الأجر العظيم . أينتخب القائد و نحن ههنا واقفون ؟ أيسبقنا إخواننا و نحن أولى بالحصون ؟ والله قد أصابنا شيء من الجنون !




و كان في يد أحدهم زجاجة مياه " تنورين " فرماها و قال " و الله إني لأشم رائحة الفوز دون المركز, والله لأنتخبن نكاية بالأعداء " ثم هرول بين الصفوف و صعد درج المركز و ابتعد حتى حالت بينه وبين مرأى العيون حشود المسلمين الكثيفة . هنئيا له ما سعى إليه فهو أسعد الناس اليوم .


أحس المسلمون بشيء من الضيق و شاع بينهم أنهم قد خسروا و أن قائدهم قد أغمي عليه , و أخذ الأعداء يتخطفونهم من كل زاوية , فبلغت القلوب الحناجر و ظنوا بالله الظنون . تراجعوا رويدا رويدا من الحصن إلى أن أطبق الأعداء عليه مرة أخرى و لم يبق إلا القائد و حوله ثلة مؤمنة .


غير أن النفوس العالية لا تأبى الهوان , و أهل الكرم لا يرضون إلا بأعلى المكارم , تلك نفوس هيأها قائدها لهذا اليوم . كلمات لامست قلب مسلم ذو نفس عالية فقام من مجلسه و صاح " يا أيها الناس ما هكذا ربانا القائد , ما على هذا بايعناه , ما لي أراكم اثاقلتم إلى الأرض و نسيتم أجر هذا اليوم , ما لكم أحببتم البيت و تركتم المركز ؟!"


ثم مرت حينها سيارة رافعة صوت الأغاني الإسلامية فرجت الأرض رجا فصاح فيهم الرجل ثانية " يا أيها الناس أحسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء و الضراء و زلزلوا حتى يقول الرسول و الذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب , يا أيها الناس قوموا فانتخبوا على ما انتخب عليه القائد "


ما كادت هذه الكلمات تلامس أسماع المسلمين حتى هبوا كالأسود يعدون نحو المركز يريدون نهش الأعداء , حتى المخلفون القاعدون التحقوا بالركب , فساروا جنبا إلى جنب يهزون الأرض تحتهم, معصوبة جباههم لا يخافون من الإنتخاب لومة لائم ,



حتى النسوة , نعم النسوة , حتى هن لبين نداء هذا اليوم , لم تحرمهن جلابيبهن من الحرب فوضعوا القبابيع على رأسوهن و عصبوا على أجسادهن قماشة " ميس ليبانون " لكن الفرق أن هذه قماشة إسلامية أما تلك فعلمانية .ظن المرء لأول وهلة أنهن مشتركات في مسابقة " ملكة جمال المسلمات المنتخبات " لكن تبين لاحقا أنهن مرابطات لم تحل أنوثتهن بينهن و بين مشاركة الرجال أجر هذا اليوم . نظر الرجال إلى أولئك النسوة كأنهن اللبوات عاديات . كان أحدهم ينظر إلى زوجته في هكذا موقف و يتبسم فلا عجب . قد أعجب بها و هي تزاحم الرجال نحو المركز , قد أعجب بها لأنها قدمت جسدها الطاهر " حائط إعلانات " في سبيل تحفيز الرجال على دخول المركز . راحت تتخايل أمام المركز مختالة فخورة ينظر الرجال إلى جسدها بأعين كالسهام موتورة , ربما خانتهم ذاكرتهم فرأوا أسطورة لكن و الله ما خابت أبدا إلا تلك الرجولة المغمورة


ما إن رأى القائد هذا المنظر حتى فاضت عيناه بالدموع و صاح " يا أيها الناس , قد جاءكم الغوث , قد جاءكم الغوث " صرخت الثلة المؤمنة " الله أكبر , الله أكبر "



اجتاحت الأسود و اللبوات المركز من كل حدب و صوب و كروا على الأعداء كرة واحدة , يتسابقون أيهم يحصد أصواتهم . لم يكن الأعداء ضعفاء بل ذوو بأس أظهروا مقاومة عنيفة . استمرت المناوشات في المركز و دارت رحى معركة ضروس . و ما هي إلا ساعات قليلة حتى انقشع غبار المعركة عن نصر مؤزر للمسلمين


كان القائد قلقا ينتظر بفارغ الصبر قرار مندوبه الذي تركه في المركز , فما إن رآه مهرولا من بعيد حتى انفرجت أساريره و علت الضحكة وجنتيه . لم يستطع المستشار هو أيضا الإنتظار فنادى من بعيد " ربح البيع أبا أسامة, ربح البيع أبا أسامة " . ردد القائد في قلبه " الحمد لله , الحمد لله و ما النصر إلا من عند الله "


و عند الساعة العاشرة ليلا اعتلى رئيس القلم درج المركز و أخذ يتلوا :
1- وسيم في البلدية
2- باسم في البلدية
3- طلال في البلدية
4- وجدي في البلدية
5- جلال في البلدية
6- بسام في البلدية
7- نزيه في البلدية
8- محمد في البلدية
9- أحمد في البلدية
10- حسّان في البلدية
11- رأفت في البلدية
12- عطفت في البلدية
13- زاهر في البلدية
14- طارق في البلدية
15- جهاد في البلدية

هنئيا لهم بما نالوا . نفوس علت فاعتلت و لا عجب فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم و على قدر أهل الكرم تأتي المكارم .