ماإن قرأت هذا المقال السيال بالمشاعر الدفاقة حتى تناهى إلي ماكتبه الشاعر الكبير ( أحمد مطر ) في قصيدة مشهورة من قصائده كان قد توجه بها إلى الراحل ( ياسر عرفات ) وحملت عنواناً للشفقة والمرحمة ( هون عليك ).
أترى ، ماهو القاسم المشترك بين صاحب هذا المقال وفئته، وبين من كتب الأستاذ أحمد مطر له هذه القصيدة ؟؟؟
أهو الإشفاق على حالته التي وصل إليها ، أم هو النقد الساخر لحالته وهيئته الظاهرة كما قد توحي بذلك ظاهر الكلمات، أم هو الموقف والرأي السياسي والمبدئي من حاله وحال فئته الراكضين خلف السراب والمستمسكين بكل وهم ظناً منهم أن خلف الأكمة أمراً وخبرا .
كان من عادة العرب في جاهليتهم أن يبادروا إلى ابتداء قصائدهم بمطلع غزلي أو بالوقوف على الأطلال واستذكار الأيام الخوالي واستمرت هذه العادة حتى بعد أن تمكن التوحيد الخالص من القضاء على براثن الجاهلية العمياء، وهو ما أثار حفيظة الشاعر الشعوبي ابن الرومي للتعبير عن استياءه وسخطه من هذا الشيء فاندفع للتعبير عن موقفه ورأيه بصيغة المجهول ليكون رده أعم وأشمل وأبلغ ، فاندفع مستفتحاً ومخاطباً:
( قل لمن يبكي على رسم درس واقفاً ، ماضر لو كان جلس )
فهل نحن بحاجة من جديد إلى ابن الرومي وأمثاله ليرد بسليط لسانه على نظائره وأشباهه ؟؟؟
عجيب أمرك ، فلم تتعب نفسك منذ الصباح الباكر وحتى لربما من قبل ذلك بأيام وليالي، أيحتاج نقل هذه الصورة النقية الجلية الصادقة عن الواقع الانتخابي في القلمون أن تجهد نفسك إلى هذا الحد الذي وصلت فيه الليل بالنهار، وراقبت بدقة متناهية كل الحركات والسكنات في اليوم الانتخابي من الصباح إلى المساء، وأحصيت جميع التصرفات وماعبرت عنه النفوس التواقة لمعرفة الأرقام والنتائج حين صدورها، ولربما قادتك دقتك المتناهية وملاحظاتك المتأنية إلى إحصاء خلجات الأنفس وماأخفته الصدور.
فهل قيض الله لأحد من خلقه واختصه عن من سواه بتلك المكرمات؟؟؟ تعالى ربنا جل في علاه ونستغفره من كل ذنب اقترفناه.
ماأجمل الحيادية البناءة في نقل الصورة الواقعية وكأن الغائب هو عين الحاضر، فقليل من الناس من آتاهم الله ملكة هذا التجرد السامي عن زيغ الشيطان ونزغات النفس الأمارة بالسوء وهواها فانساقوا بانسيابية خالصة للحق، حتى ليخيل إلى القارئ أن الكاتب قد ملكت عليه هذه الأريحية المنقطعة النظير عن تحليل بسيط وسطحي قد يلقيه على الصورة إسهاماً منه لإبرازها بشيء من الوضوح، إلا أن المهنية العالية ورفعة الخلق قد حالت دون أن يكون لما أراده من مكان، وكل ذلك خشيةً منه على القراء الكرام الذين لاتؤهلهم ثقافتهم وسعة أفقهم من التفريق بين الواقع الصادق البين الوصف وبين ماأضفاه بنفسه على الصورة من يسير كرمه ومنه ، وكل ذلك خدمة للأهل وتجلية للحقيقة وصوناً لها.
من البديهي أن لايسر الراسب بنتيجة الامتحان كما أنه من البديهي أيضاً أن يسر المتفوق بما هو أهل له من مكانة، لكن الذي قد يثير الاستغراب والشفقة هو انقلاب الموازين بجملتها رأساً على عقب بحيث يصبح الراسب ومن هو في المؤخرة مستعلياً متكبراً مفاخراً على الناجح ومن هو من مقدمة الركب.
فهل أصبح هذا الأمر ميزاناً وديدناً لطريقة التقييم واحتساب الأمور ؟؟؟
وبعيداً عن جملة الأمور التي أثيرت مغطاةً بلباس الوصف المجازي وكأنها مسلمات وحقائق، وهي إلى أصحابها وطبيعتهم وخلقهم ومجمل تصرفاتهم حقيقة وواقع ملموس ومشاهد ومعلوم لكل متابع- بخلاف غيرهم ممن تعالت نفوسهم وطبيعة أخلاقهم وتربيتهم عن فعال هذه الفئة من الناس وأشباههم - ولأني لاأرغب نزولاً إلى درك هذه الفئة من الاسفاف في الكلام والوصف، وتعالياً على مجمل الشائعات التي أطلقت سواء قبل الانتخابات أو بعدها مما هو في سياق المقال لجهة من صدر بحقهم وأطلق هذا الوصف ودار محور الكلام ، وقبل أن أطوي الصفحة أتوقف قليلاً حول جزء مما ورد في المقال للغمز بطائفة كريمة كانت ومازالت بحكمتها ودورها وعملها محطاً للأنظار وأهلاً للثناء ومكاناً وموئلاً للإعجاب من قبل الأهل سواء في الداخل أو الاغتراب، حيث عناها صاحب المقال بقوله الفصيح:
كان إعلاميو الإسلام يتابعون الغزو ساعة بساعة و يسطرون المعلومات حرفا حرفا فما تركوا رجلا إلا سألوه و لا قائدا إلا قابلوه و استفتوه فأدوا الأمانة و لم يتركوا مجالا لفاسق كي يأتي بنبأ لا قبل لهم بالتبين منه . شعارهم الأمانة , أجهزتهم رنانة , و كاميراتهم فنّانة .
لقد اجتهد من عنيتهم بوصفك وتعبوا وسهروا في سبيل هدفهم ورؤيتهم التي آمنوا بها وضحوا من أجلها والتي قد لاتعجبك أنت ومن هو في مستواك من الفهم ووحدة الرؤية والمنطق، ولاعجب في ذلك الأمر ولا استغراب فيه من مثلكم وأشباهكم ونظائركم ، ولا نملك إلا أن ندعوا الله لكم أن يزيل عن أعينكم وقلوبكم هذه الغشاوة التي أعمتكم عن رؤية الواقع كما شاهده وعرفه غيركم ممن قيض الله لهم شيئاً من التجرد الذي حرمكم منه.
كما أعتقد أن من عنيتهم بوصفك ليسوا بحاجة لشهادتكم المتجردة ليثبتوا مهنيتهم وسمو هدفهم ونبل غايتهم.
هذه هي البلدية بكامل أعضائها، سواءً أعجبتكم أم لم تعجبكم.
نشفق لحالكم ومصابكم إذ أن من حكمة الله أن تجري الرياح بما لاتشتهي السفن أحياناً ، لكن الواقع يبقى واقعاً ، رضي من رضي وسخط من سخط.
هنيئاً لكم هذه الروح الإيجابية، والنفس المرحة، والأخلاق الطيبة، التي أبرزت بصدق ماأنتم أهل له من التعدي على الناس وأهلكم جميعاً ( رجالاً ونساءً )، وهنيئاً لنا على ثقتكم الغالية، ونحمد الله تعالى على منته وفضله وكرمه بأن جنبنا مااختصكم به من خصال وطباع .
أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل جنته ورضوانه، كما أسأله تعالى أن يرزقنا حسن الخلق والتواضع للناس وأن نكون أهلاً لثقتهم وعن حسن الظن ماأبقانا في هذه الدنيا الفانية، إنه خير من سئل وأكرم وأجود من أعطى، اللهم آمين.