الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى والرشاد، وبالمبادئ السامية للعباد، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أُولي الرشاد، وسلم تسليماً كثيراً أما بعد :
يقول النبي صلى الله عليه وسلم :"الحياء من الإيمان". رواه البخاري برقم(5652) ومسلم برقم(53) .
والحياء هو كما قال الرَّغَّاب: انقباض النفس عن القبيح وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي فلا يكون كالبهيمة.فتح الباري (1/74ـ75) ملخصاً .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: واعلم أن حياة القلب وحياة غيره ليست مجرد الحس والحركة الإرادية أو مجرد العلم والقدرة كما يظن ذلك طائفة من النظار في علم الله وقدرته، فالحياء: مشتق من الحياة فإن القلب الحي يكون صاحبه حياً فيه حياءً يمنعه عن القبائح، فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تفسد القلب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:" الحياء من الإيمان". فإن الحي يدفع ما يؤذيه بخلاف الميت الذي لا حياة فيه فإنه يسمى وقحاً والوقاحة الصلابة وهو اليبس المخالف لرطوبة الحياة فإذا كان وقحاً يابساً صليب الوجه لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه وامتناعه من القبح كالأرض اليابسة لا يؤثر فيها وَطْءُ الأقدام بخلاف الأرض الخَضِرَةِ ولهذا كان الحَيِيُّ يَظْهَرُ عليه التأثر بالقُبْحِ وله إرادة تمنعه عن فعل القبيح، بخلاف الوقح والذي ليس بحيي فإنه لا حياء معه ولا إيمان يزجره عن ذلك . أمراض القلوب (1/13) . بتصرف يسير .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والحياء من الحياة ومنه الحيا للمطر لكن هو مقصور وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خُلُقِ الحياء. وقلة الحياء من موت القلب والروح فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم .
وقال أيضاً: ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يُسْتَحْيَى منه. وعمارة القلب بالهيبة والحياء فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير. وقال ذو النون: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وَحْشَةِ ما سبق منك إلى ربك والحب ينطق والحياء يسكت والخوف يقلق .
وقال الفُضَيْلُ بن عِيَاضٍ: خمس من علامات الشَّقْوَةِ: القسوة في القلب وجمود العين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الأمل مدارج السالكين (2/259) . مع حذف يسير .
قال الْحَسَنُ رحمه الله: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ كَامِلا، وَمَنْ تَعَلَّقَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَانَ مِنْ صَالِحِي قَوْمِهِ، دِينٌ يُرْشِدُهُ، وَعَقْلٌ يُسَدِّدُهُ، وَحَسَبٌ يَصُونُهُ، وَحَيَاءٌ يَقُودُهُ .الآداب الشرعية لمحمد بن مفلح المقدسي (ج/2) .
أخرج أبو نعيم في الحلية عن سَلْمَان رضي الله عنه قال: إن الله تعالى إذا أراد بعبد شراً أو هَلَكَةً نَزَعَ منه الحياء فلم تلقه إلا مقيتاً مُمْقَتاً فإذا كان مقيتاً مُمْقَتاً نُزِعَتْ مِنْهُ الرحمة فلم تَلْقَهُ إلا فظاً غليظاً فإذا كان كذلك نُزِعَتُ منه الأمانة فلم تَلْفَهُ إلا خائناً مخوناً فإذا كان كذلك نُزِعَتْ ربقة الإسلام من عنقه فكان لعيناً ملعوناً . سير الصحابة من كتاب حياة الصحابة (1/871) .
قال إبراهيم الخَوَّاص: قال لي محمد بن الفَضْل: ما خطوتُ أربعين سنةً خطوةً لغير الله عز وجل و ما نظرتُ أربعين سنة في شيء أَسْتَحْسِنُهُ حياءً من الله عز وجل . صفوة الصفوة (1/165) .
أين هذا الحياء؟ إننا لم نعد نرى شيئاً منه ولا القليل حتى!! إلا عند من رحم الله سبحانه وتعالى .
بل أصبحت فتياتنا تسرن شبه عاريات حتى في الشتاء!والله لو أن الله عز وجل أَمَرَهُنَّ أن يَفْعَلْنَ هذا في الشتاء لقالوا [والعياذ بالله]إن الله ظالم كيف سَنَتَحَمَّلُ هذا البرد القارص؟!!
وأصبح الزوج يسير مع امرأته أوابنته وهي تلبس أفحش الثياب وهو رافع رأسه وكأنه قد قام ليله وصام نهاره ....
وقد أصبح واقع قرية القلمون بالذات مرير جداً فإن فتياتها _ إلا من رحمهن الله _ يَتَسَارَعْنَ إلى حِيَازَةِ المرتبة الأولى في أفحش وأرذل لبس للثياب مع انعدام للحياء .
وشبابها ـ إلا من رحم الله ـ أصبحوا يخالطون النساء في الشوارع وينظرون إليهن .
أين الحياء؟! لو لم يكن التستر واجباً في الشرع لأوجبه الحياء.
{ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون }


رد مع اقتباس

