طرابلس أهم مرافئ المتوسط الشرقي بشهادة وثائق الخارجية الفرنسية/5
في الحلقات السابقة ترجمنا أجوبة ألفونس دو غيس مفوض العلاقات التجارية للأمبراطورية الفرنسية بطرابلس على أسئلة وزير الشؤون الخارجية الفرنسية. ونستكمل في هذه الحلقة باقي الأجوبة.
س :موضع التجارة الفرنسية في طرابلس حالياً؟
في جونية وهي مرفأ صغير بين جبيل وبيروت يجرى تبادل بعض السلع لا سيما السلع الحريرية، وذلك على حساب مرفأي طرابلس وبيروت. ويجري في جونية أيضا تصريف عملات مزورة تركية أو بندقية على طول المناطق الساحلية.
وتبلغ عائدات الجمرك التي يدفعها الفرنسيون وحدهم بين 16000 و22000 قرش في العام على الأقل. ويؤكد أمين الجمرك الحالي، وهو رجل من الوجهاء المعروفين ممن تولوا أمانة الجمارك زمناً طويلاً أن هذه العائدات كانت تبلغ أحياناً 50000 قرش. ومعروف أن الشرقيين لاسيما العرب منهم يميلون للمبالغة.
كان بذخ الباشا وحاشيته وجنوده يوفر للأفندية من وجوه المجتمع، وعددهم في المدينة لا يستهان به، مبالغ ضافية من العملة التي يتهافت عليها المشترون الأجانب.
لقد كان الحكم شأناً من شؤون الباشا حصراً و،كان الباشا ينفق بسخاء، غير أن أحد الرعاع تولى الإدارة محل الباشا منذ سبع سنين وهو مكاري بغّال كان له دور في الأحداث التي شهدتها المدينة، وتوصل مستغلاً تلك الأحداث، بالحيلة والخيانة، إلى احتلال القلعة القديمة، فحصنها وجعل من نفسه حارساً وآمراً على حاميتها التركية على رأس نحو خمسين رجلاً، بعد أن اشترى لنفسه لقب آغا الأنكشارية من الصدر الأعظم عندما كان هذا في مصر، ونال لقب متسلم من الباشوات الذين توالوا على المدينة دون أن يكون لهم عليها أي نفوذ أو سلطة، إلا واحداً هوالجزار الذي كان في آخر أيامه يحاول أن يتخلص منه.
ومات الجزار، فتحررمصطفى بربر من الباشا الوحيد الذي كان يهابه. وبعد أن قاوم عبدالله باشا وصمد أمام حصاره لطرابلس قبل وصول موقّع هذا الكتاب بقليل حكم المدينة منكِراً كل سلطة للباشاوات الذين خلفوا الجزار في باشوية طرابلس مانعاً أياً منهم من دخول المدينة.
لقد رفض بربر بشدة رفضاً قاطعاً زيارة الكراندلي باشا للمدينة في الشتاء الماضي ما لم يعطه الباب العالي متسلمية اللاذقية أسوة بطرابلس.
ويمكن القول إنه منذ أن استولى على القلعة وحتى تاريخه لم يكن متوافقاً مع الأتراك. فلا هو من الخاضعين ولا هو من الخارجين على الباب. فهو ينفذ كل رغبات الباب التي توافق رغباته، وهو يؤدي كل ما يتوجب عليه نحو الجردة بدقة وفي موعده، ولكنه يهدد بحجب ذلك إذا عارضه في خططه معارض، وهو يبدي منذ بعض الوقت ميلاً واضحاً للتعاون مع سليمان باشا.
إنه يقلد الجزار تقليداً سخيفاً لاعتقاده بأنه خليفته، ويبدي استخفافاً برجال القانون فيما يؤكد باستمرار إجلاله المطلق لذوي السلطة. هو لا يوقر أحداً، ولكنه يراعي جانب السكان كل المراعاة، ولا يجرؤ على حشد جيش وافر العديد خوفاً وبخلاً. وفيما هو يعلن ولاءه للباب تراه لايتعب من التهجم على السلطان ووزرائه وحاشيته بأقذع العبارات. ولو قدر للسلطان أن يفرض عليه إنشاء جيش معقول لما تورّع عن تحميل الناس ما يحملهم الباشاوات عادة من أتاوات جائرة وبفظاظة من هم من طبقته وطينته.
لم يعرف طوال حياته إلا طرابلس وعشرين فرسخاً من محيطها، لذلك فهو خشن السجية، وعلى درجة من الغباء وبدائية الطباع في محيط متخلف من عشراء على شاكلته، ويعتقد أنه في مأمن داخل قلعته التي ما انفك يعلي أسوارها حجراً فوق حجر.
أما دول العالم فهو لا يعرف عنها سوى الاسم مع أن اسم فرنسا ما فتئ يطرق سمعه بكل مجد عظيم. وهو يخضع لتأثير كبير من حاشيته والمقربين الذين لا يفترون عن ذكر روسيا وتمجيدها بحيث لم يرسخ في وعيه سوى اسمها. وأغلب الظن أن رأيه فيها كان يمكن أن يتغير لو كان في طرابلس روسي واحد، أو لو أتيح له من يعلمه رغد العيش ورهافة السلوك.
من هنا فإن قنصل فرنسا لا يعدو أن يكون في رأي رجل بمثل هذه الطباع واحداً من عامة الناس لا أكثر ولا أقل.
إن الفرنسيين والإيطاليين الذين سيأتون إلى طرابلس لسوف يحصلون على الأمن كما بقية الناس، ولا شيء فوق ذلك، وما ينبغي لهم أن يستأمنوا أهل البلد إذا شاؤوا أن يستوفوا ديونهم.
كل شيء يمكن أن يتغير بين لحظة وأخرى، وما لم يسارع الباب ليستعيد طرابلس ويدك القلعة فمن الممكن أن يحل محل بربر حاكم آخر أسوا منه، ولا بد هنا من أن نعترف لبربر بإنجاز مهم على صعيد الأمن في طرابلس وفي الجوار، حيث يستطيع المسافر أن يتنقل بكل أمن واطمئنان.
تلكم حال طرابلس وهي رهن علاقة حاكم المدينة بالسلطة المركزية: علاقة سليمة وحقيقية حيناً وشكلية صورية أحياناً بما يحدثه تغيير الحاكم عشوائياً كل عام من قبل الباب، واختيار رجل من هنا أو من هناك من جيران طرابلس الأدنين أو من الأغراب الأبعدين.
هذه التعيينات تحدث في المدينة خضات مضرة بالتجارة ويزيد من ضررها روايات البحارة وربابنة المراكب وما ينشرونه من مبالغات في الخارج.
ويتحكم بالتجارة حاليا بعض الأتراك وعدد قليل من ذوي الامتيازات. وهناك مراكب مختصة بالتجارات الساحلية، وأهم هذه التجارات تجارة طرابلس مع دمياط التي تمد طرابلس بالرز والخضار وأنواع العطارة والعقاقير إلخ...
بيروت، التي هي بحكم موقعها ميناء دمشق، تقوم اليوم بتجارة طرابلس وصيدا البحرية، وتمد هذين المرفأين بالبضائع الأوروبية.
إن الثورات المتلاحقة في سوريا قد جعلت من لارنكا في قبرص مستودعاً مأموناً، وسيبقى كذلك ردحاً من الزمان.
أهل طرابلس قسمان: قسم وهو الأغلب يعيش بجوار القلعة، والقسم الأصغر على الشاطئ بحماية بعض الأبراج الصغيرة المهملة، وهم بين عشرة إلى اثني عشر ألف نسمة، ويستهلكون ما يناهز سبعين إلى ثمانين شنبلاً من القمح يومياً، عدا الذرة التي يتغذى بها الفقراء وبعض الميسورين أحيانا.
ويبلغ سكان المناطق المحيطة بطرابلس ستين إلى سبعين ألف نسمة، ومن قواعدها صافيتا بلاد النصيرية، وعكار بلاد الأتراك واليونانيين (المقصود الروم/المؤلف). وأهل صافيتا معروفون بأنهم أهل رخاء ورفاه، وهم يمدون طرابلس والجبل بأهم المواد الغذائية.
في مواسم الحرير الجيدة، وعندما تكون المدينة سوقاً للداخل يكون ميزان المدفوعات في صالح المدينة، وهو اليوم في صالح قلة معدودة ويكون في صالح الجميع لو رفعت الأتاوات.