طرابلس أهم مرافئ المتوسط الشرقي بشهادة وثائق الخارجية الفرنسية/4
"في الحلقات السابقة ترجمنا أجوبة ألفونس غيس مفوض العلاقات التجارية للأمبراطورية الفرنسية بطرابلس على أسئلة وزير الشؤون الخارجية الفرنسية. ونستكمل في هذه الحلقة باقي الأجوبة". س : ما هي محاذير ومساوئ تجارة الفرنسيين مع طرابلس؟
مشاكل أسكلة طرابلس هي نفسها مشاكل الأسكالات التركية الأخرى. فالتوقيع على السندات المختلفة يكتسب هنا مصداقيته من الشاهدين أكثر مما هو مدوَّن في الورق. وقد تختلف شهادة الشاهد وقد تتعرض للإلغاء بشهادة نفي معارضة، فتلتبس مصداقية السند نفسه، ومما يسيء إلى العدالة أنه في النزاعات ودعاوى الإفلاس تعتبر شهادة التركي وحتى شهادة أفراد الرعية مقبولة وأعلى مصداقية من شهادة الفرنسي.
ويعرف الدائن أن للشهود أفضلية على السند المكتوب فهو لايهتم باسترداد بعد تسديده، وهذه السندات المدفوعة قد تنتقل إلى أيدٍ أخرى وتتسبب بمطالبات تعسفية ودعاوى ظالمة. وقد كان منها الكثير في السفارات. وبصرف النظر عن أي سوء نية فإن نفور الأتراك من كل إحراج هو ما يعفيهم من الكتابة، ولكن ولما كان للضرورة أحكام فهم يتقنون تدارك إهمالهم وتجنب المزالق وكسب الوقت والجهد بما يؤهلهم بصورة خاصة لإتقان أساليب النزاع وحيله. إن الأكثر جهلاً بينهم ليسوا بالضرورة الأقل مهارة في هذا المضمار. ومردُّ هذا النجاح إلى ثقتهم بتفوقهم وقدرتهم وهي ثقة لا بد من وضع حد لها.
واليونانيون (المقصود الروم) وباقي الرعية بما فيه الكاتوليك (المقصود الموارنة) هم كمثل الأتراك صلفاً وإستعلاءً، وهو صلف واستعلاء يتربص بالعبء الجاسم على صدورهم بانتظار الفرصة للتحرر منه.
أما الأمة اليونانية بطرابلس فهي وافرة العدد والثراء ومعروفة بمجافاة الأوروبيين، ولاسيما الفرنسيين بداعي الحسد، بالإضافة إلى ما ترسف فيه من جهل جهول ومن تجنب الإنسان البدائي المتخلف للإنسان المتمدن وحرصه في الابتعاد عنه... إنهم يونانيون بالإسم من حيث الطقوس فقط، ولكنهم يجهلون حتى لغة آبائهم. ففي هذه البلاد التي ليس فيها روسي واحد نجدهم يتعصبون للروس كل التعصب.
إن مدراء أعمالنا الملحقين بمكاتبنا هم من الموارنة بغالبيتهم، وهم من الطينة عينها على وجه العموم. وهم يحلّون محل التجار أنفسهم في كل الأعمال بيعاً وشراءً بما فيه تجارة الحرير. إنهم أسيادٌ ما يملكون، وهم مخلصون للسلطات بدافع الخوف، ومخلصون للناس في بيئتهم بدافع الولاء للمحيط، ولا يتوانون عن الإنفاق تشاوفاً بأكثر مما يكسبون من عمل غير دائم، ولا يستمر لأكثر من بضعة أشهر في السنة. إنهم يضحّون دائماً بمصالح مستخدميهم لصالح أبناء البلد المحليين، وذلك بالموافقة على البيع بالدين أقساطاً، ومنح الهبات غير المبررة والتساهل في تاريخ الاستحقاق. وينحون بالتجار منحى البذخ والترف مبعدينهم عن سواد الناس ليظلوا في بيوتهم، ولتنمو في نفوسهم منازع الاستعلاء والتعاظم ما يجعل بينهم وبين العامة مسافة، بحيث يعتبرون أن مجرد النزول إلى الأسواق أمر لا يليق بمركزهم، وبذلك يحكمون عليهم بالعيش الوديع الرخي بين الأرائك، ناهيك عن دور النساء الذي لا يخفى خطره.
إن انتفاضة 1783 أعطتنا فكرة صحيحة تماماً عن الفرنسيين وأبناء الفرنسيين في ولائهم للوطن الذي كان وطن الآباء، وتعلقهم بتقاليده وبعواطفهم نحوه. فقد أكدت الوقائع على المبدأ القديم القائل بوجوب تجنب الإقامات الطويلة في بلاد المشرق ،لأن الفرنسيين معرّضون فيما يبدو أكثر من سواهم لاكتساب كل سلوك مريب.
وعليه فإن معظم الصفقات الفاشلة يمكن ردُّها لأخطاء مديري أعمال التجار الفرنسيين في طرابلس.
وقد أتيح لموقّع هذا التقرير أن يتأكد من أن العديد من البيوتات المرسيلية التي كان لها مكاتب بطرابلس قد انتهت بها الأمور إلى خسارات فاقعة.
إن الفرنسيين الذين صادف وجودُهم في طرابلس يوم إعلان الباب العالي الحرب على فرنسا قد عانوا من شراسة الأتراك مثل ما عانى غيرُهم في شتى أقاليم الأمبراطورية التركية. لقد طالهم من تعسف الجزار ما طال غيرهم من الفرنسيين في عكا.
ومع أن طرابلس كانت يومها في حالة عصيان على الباب العالي، فقد سارع أهلُها إلى الانصياع لأوامر "الباب". ولقد استغل الفرنسيون قربهم من جبل لبنان لينقذوا أرواحهم وما غلا وخفّ من مقتنياتهم، فنهبت بيوتهم وامتنع مدينوهم عن الدفع، وبلغت أرقام التعويضات في اللوائح المقدمة من ممثلي فرنسا في القسطنطينية مئتي ألف قرش.
ليس في طرابلس اليوم أي تمثيل تجاري لفرنسا.
س : ماهو الوضع الحالي للتجارة الفرنسية بطرابلس؟
ج : إن إنسحاب الفرنسيين وما رافق ذلك وتبعه حتى أيامنا الحاضرة من قلاقل قد أحدث ثورة حقيقية في تجارة هذه المدينة. فعلاقات طرابلس المباشرة مع أوروبا والتي كانت تتم عبر الفرنسيين قد توقفت مع توقفهم. والبضائع التي تصل إلى المدينة اليوم تصلها من مدينة حلب عبر قنوات عديدة، وعن طريق القوافل، والاستهلاك متدنٍّ إلى الحد الأقصى، بدليل أن ما يدخل المدينة لا يتعدى عشرين بالة من الجوخ الفرنسي.
لم تعد هذه المدينة مصدر تزويد لمدينتي حماه وحمص وجوارهما بالبضائع. في السابق وعندما كانت بيروت تحت سلطة الدروز كانت دمشق تتعامل مع طرابلس.
ولقد وصلت إلى المدينة أجواخ من تريستا ولايبزغ ونفق بعضها.
قبل الحرب الأخيرة كان الجوخ الإنكليزي يباع ¼2 ، ½2 الذراع وسعره اليوم 6/7. مع حسم ⅓% كفرق بأسعار العملات.
ندرة للأجواخ نشطت بعض الصناعات المحلية لما يسمى (العباية) وهي أجواخ كانت في الماضي مخصصة لعامة الشعب أو لسكان الأرياف وزاد عليها الطلب اليوم، ويضاف عليها تخاريج مذهَّبة، فيصل سعرها من100 الى 300 قرش. وإلى ذلك يوجد عباءات من وبر الماعز الأسود لبرد الشتاء يتراوح سعرها بين 28 و100 قرش.
وقد علمنا أن الفرنسيين قد أرسلوا حتى ثمانين بالة من الحرير في السنوات الأخيرة من تجارتهم بسعر يتراوح بين 15 إلى 17 قرشاً الليبرة ( تساوي الليبرة سنة 1806 بين 55 إلى 65 قرشاً).
ووفق سجل القبّان المعتمد، فقد خرج في السنوات الثلاث الأخيرة:
سنة 1803 35 كانتال بسعر يتراوح بن 45 و48 قرشاً الروت
سنة 1804 49 كانتال بسعر يتراوح بين 50 و55 قرشاً الروت
سنة 1805 40 كانتال بسعر يتراوح بين 55 و60 قرشاً الروت
(الروت = ½7 ليبرة مرسيلية).
وهذا الفرق لا علاقة له باختلاف المواسم بل لتدني سعر العملات التركية وارتفاع سعر الحبوب نتيجة ذلك ونتيجة للقلاقل التي تعاني منها المدينة منذ زمن طويل ولزيادة الطلب على الزنانير(الشملات) في السنوات الأخيرة والموضة النسائية في الإكثار من الجدايل الطويلة للشعر مع الحرير. وقد زاد الطلب من حلب ومن دمشق ودمياط، بالإضافة إلى المغاربة الذين كانوا يشترون الحرير من مارسيليا.
بصرف النظر عن الأسباب المنوَّه عنها آنفاً والتي أشملت السنوات العشر الأخيرة، فإن إنتاج الحرير قد تراجع بتراجع العناية بزراعة أشجار التوت التي أصبح الناس يفضلون عليها أشجار الحمضيات التي لا تحتاج لكبير عناء سوى السقاية صيفاً بين حين وآخر، وهذا سهل وغير مكلف. مياه جبل لبنان التي تصل المدينة بغزارة وبأقنية ضخمة يستفاد منها لسقاية البساتين.
ويستفاد من سجلات القبّان العام أن بيتاً تجارياً فرنسياً واحداً قد اشترى منذ 22 سنة 45 قنطاراً من الحرير أي ما يعادل ½337 قنطاراً مارسيلياً.
وقد حدد الباب العالي مؤخراً رسماً على الحرير 5% على الروت منها 30 بارة تعود إلى الجردة وأقل من ذلك ما يعود إلى طرابلس.