في تلك الليلة لم يعرف النوم إلى عينيه سبيلاً... دقت الساعة السابعة فانتفض عن الأرض وكأن موعداً هاماً بانتطاره... أنهى تحضيراته الصباحية سريعاُ ثم توجه إلى المستشفى...استأذن بالدخول إلى غرفة جميلة... كانت زوجة الرجل الطيب تجلس إلى جانبها... أهلاً بك يا دكتور جهاد... قالتها وهي تمسك بيد جميلة... فأفلتت جميلة يدها بسرعة وبدا عليها الإضطراب...
كيف حالها اليوم ... أهي بخير؟ الحمد لله... ما زالت على حالها بعض الشيء...اقترب جهاد من السرير فوجدها مستيقظة... تبسم في وجهها ثم قال... كيف حالك اليوم؟... لم تجب جميلة بشيء... ما شاء الله! تبدين بصحة جيدة...
جلس على كرسي بجانب السرير...حاولت جميلة أن لا تنظر إليه، لقد اكتفت بسماع ما يقوله فقط... ثم بدأ يحدثها: هل تعلمين يا جميلة كم أمضيت من الوقت بحثاً عنك؟... خمسة أشهر... وكان آخر مكان توقعت أن أجدك فيه هو هذا المكان... وخاصة هنا في أمريكا... ولكن ليس مهماً... المهم هو أنني التقيت بك بعد طول انتظار...
كانت جميلة تسمع تلك الكلمات وذاكرتها تحلق في الماضي، أيام كانت هي وجهاد في بيت واحد يغمره الحب والسكينة...ما زال جهاد هو نفسه الذي أعرفه ... كلام هادئ وطبع حنون... المسكين يبحث عن بائسة مثلي... أنا لم أعد جميلة التي يعرفها...أنا إنسانة شريدة لا تنتظر سوى لحد يحويها وقبر يؤويها...
تحدث جهاد كثيراً أما هي فلم تتفوه بكلمة واحدة... أخبرها عن سنين الدراسة التي أمضاها في الغربة بعيداً عنها وكيف أنه كان يذكرها في كل لحظة... أراد من ذلك أن يعيد لها الثقة في نفسها... فتعلم أنها ليست وحيدة في هذا العالم ... وأن هناك من يهتم بها أشد الاهتمام ويحبها أشد المحبة...
لقد توقع جهاد منها الصمت... ففي حالتها يصعب على الإنسان أن يترجم ما يجول في رأسه من أفكار حتى ولو بعبارات بسيطة...
هم جهاد بالخروج... أراك لاحقاً يا جميلة... فلدي عمل كثير الآن... فتح الباب وإذ بصوت رقيق مس شغاف قلبه... "جهاد انتظر"... إنها جميلة... في هذه اللحظة غمرته سعادة لا توصف... لم يدر ما فعل به ذلك الصوت... عاد مسرعاً... هل ناديتني؟... فوجدها قد جلست في الفراش شعرها الأشقر يتدلى فوق كتفيها... عيناها تنظران إلى الأسفل... لماذا لم تدعني ملقاة في الطريق؟... أليست أمي هي من ألقت بي هناك؟...
تعجب جهاد من سؤالها... ولكنه أجابها قائلاً: وماذا كنت تريدين مني أن أفعل؟إني لو وجدت عصفوراً لأخذته واعتنيت به... فما بالك إن وجدت طفلة؟! لو كنت مكاني ماذا كنت فاعلة؟! ثم من قال لك أن أمك هي من ألقت بك في الطريق... ربما كان ذلك فعل مجرم قد أراد بك وبأمك مكروهاً... ما يدريك؟!... وما يدرينا نحن ... إنا لم نر شيئاً يثبت ما تقولين... أيعقل لأم أن ترمي بفتاتها الصغيرة... إني لا أظن ذلك... فلا شيء في الدنيا أحن من قلب الأم على وليدها يا جميلة... أرجوك أطردي تلك الأفكار من رأسك... إنها وساوس شيطان تضر ولا تنفع... عودي إلى رشدك وفكري ملياً بحياتك من جانبها الإجابي لا السلبي... وستكتشفين بنفسك صحة ما أقوله لك...
لقد كان وقع تلك الكلمات ثقيلاً على قلبها هكذا دفعة واحدة... فارتمت على الفراش مغمىً عليها من دون حراك...