سابعاً- الحالة التي عالجها أبو الحسن ثابت بن قرة:‏

روى ابن أبي أصيبعة أنه من بديع حسن تصرف ثابت بن قرة (211-288هـ/825-900م) أنه اجتاز يوماً ماضياً إلى دار الخليفة، فسمع صياحاً وعويلاً فقال: مات القصاب الذي كان في هذا الدكان؟ فقالوا له: إي والله ياسيدنا البارحة فجاءة، وعجبوا من ذلك. فقال: ما مات خذوا بنا إليه.

فعدل الناس معه إلى الدار، فتقدم إلى النساء بالإمساك عن اللطم والصياح، وأمرهن بأن يعملن مزورة. وأومأ إلى بعض غلمانه بأن يضرب القصاب على كعبه بالعصا، وجعل يده في مجسه. ومازال ذلك يضرب كعبه إلى أن قال: حسبك. واستدعى قدحاً وأخرج من شكة في كمه دواء، فدافعه في القدح بقليل ماء، وفتح فم القصاب وسقاه إياه فأساغه، ووقعت الصيحة والزعقة في الدار والشارع بأن الطبيب قد أحيا الميت. فتقدم ثابت يغلق الباب والاستيثاق منه، وفتح القصاب عينيه فأطعمه مزورة وأجلسه، وقعد عنده ساعة.

وإذا بأصحاب الخليفة قد جاؤوا يدعونه، فخرج معهم والدنيا قد انقلبت، والعامة حوله يتعادون إلى أن دخل دار الخلافة. ولما مثل بين يدي الخليفة قال له: يا ثابت ما هذه المسيحية (أي التشبه بالسيد المسيح الذي أحيا الموتى) التي بلغتنا عنك؟‏

قال يا مولاي كنت أجتاز على هذا القصاب وألحظه يشرح الكبد، ويطرح عليها الملح ويأكلها، فكنت أستقذر فعله أولاً، ثم أعلم أن سكتة ستلحقه. فصرت أراعيه وإذ علمت عاقبته انصرفت وركبت للسكتة دواء استصحبته معي في كل يوم. فلما اجتزت اليوم وسمعت الصياح قلت مات القصاب؟ قالوا نعم مات فجاءة البارحة، فعلمت أن السكتة قد لحقته. فدخلت إليه ولم أجد له نبضاً، فضربت كعبه إلى أن عادت حركة نبضه، وسقيته الدواء ففتح عينيه، وأطعمته مزورة، والليلة يأكل رغيفاً بدراج، وفي غد يخرج من بيته.


‏
إن ما قام به ابن قرة بضرب كعب المريض أولاً ثم إسقاءه الدواء بعد ذلك هو نوع من التنبيه للمراكز الحسية للتنفس والقلب. كما وأنه أثناء ضرب القدم على الأغلب رفعت الأقدام عالياً مما أدى إلى رجوع الدم إلى الدماغ وتنبه الأوعية الدموية المحيطية، وهذا ما نقوم به اليوم في حالات الإغماء.‏