يؤلمني موت الأحبة... لأنني أحتاج لهم! ولكنْ هذا قدر الله... ولا نقول إلا ما يرضيه سبحانه وتعالى : لله ما أعطى وله ما أخذ.. وكل شيء عنده بمقدار..
كلّ يومٍ يمرّ نودّع فيه اللحظات التي قضيناها مع الأحبة... نودّع فيها عمراً لن يعود!
سويعات تنقضي مع هؤلاء الأشخاص... لا نحسّ بقيمتها إلا بعد انقضاءها.. ولا نفكر حتى بأنها لن تعود! فهي قد ذهبت مع الريح... وكانت سريعة لدرجة أنني لم ألحظ بدايتها أحياناً!
منذ أيام... ودّعت شخصاً عزيزاً على قلبي وقلوب الكثيرين... إنها الجدة.. رحمها الله...
ولمّا أدرك بأنني أودّع لفظة " جدتي " إلى الأبد..
كما كنت قد ودّعت لفظة " جدي" منذ أكثر من عشر سنوات..
منذ سنوات... لم يكن لي غيرها... وكانت تشكو لي ألمها... والآن! من الذي سيشكو لي ألمه؟!
كان قدرها أن تعيش مع الألم لأكثر من ثلاثين سنة...
استفاقت عيني على هذه الحياة.... وهي بهذه الحالة! واستمرت هكذا حالتها حتى رحيلها...
كان يتبادر إلى ذهني بأن هذا اليوم سوف يأتي... ولكنني... كنت أسارع إلى طوي هذه الصفحة.. لأنني لا أتخيل هذا الموقف! ولأن المشاعر المكنونة في القلب تغلب العقل والتفكير.. ولا تتيح له الفرصة أحياناً بأن يعللْ!!!
فأنا لطالما أحتاج للشخص, لا أتخيل فراقه!
ومجرد التفكير بأنني لن أراه مجدداً ... إلا في الصور الجامدة.. التي لا تعطيني لا طعماً ولا نكهة... التي لا تدبّ فيها الروح... لأنها تبقى صوراً... ولكنها تجسّد أجمل الذكريات.. وتذكرنا بأحلى الأوقات مع من نحبّ..
مجرد التفكير بهذه اللحظة.. يمنعني من الاستمرار في التفكير... فهو شيء لا يحدّه العقل البشري!! ولكنها سنة الكون!!
لقد زارت المستشفى لأكثر من مرة.. وكل مرة كانت تهيىء نفسها للعودة إلى المنزل... ولا تطيق البقاء هناك! إلا هذه المرة! فقد جهّزت نفسها للقاء الله سبحانه وتعالى..
وفي كل مرة كنت أحسّ بأنها ستعود إلى المنزل... إلا هذه المرة!!!
أحسست بشيء غريب... لم يفارقني القلق حتى أيقنت يقيناً بأنها رحلت!
ولكن... كنت ما زلت أنتظر تكذيب الخبر.. ولكن.. قدّر الله وما شاء فعل..
فليس من السهل أن ننسى شخصاً بالأمس القريب كنا معه! شخصاً كان يشاركنا أفراحنا وأتراحنا! ويدعو لنا دوماً بالتوفيق والرضى..
كنت أتمنى أن أراها.. وأسمع كلامها... في أيامها الأخيرة!
فقد مضت أياماً عديدة لم أرها فيها..
ولكن عزائي الوحيد بأنني رأيتها أثناء الوداع الأخير... أحببت أن أقبّل جبينها.. ولكن ما استطعت!
ما زلت أعيش صدى هذه الصدمة.. وهذا الاختبار من المولى عز وجل.. ولكن أحمد الله على كل شيء..
يا سبحان الله!! كل مرة كانت تزور فيها المستشفى... كان يصارعها الألم والمرض الشديد..
أما هذه المرة... فهي لا تعلم أين الألم؟ لم يترك الأطباء وسيلةً لمعرفة مكان الألم والوجع.. ولكن لم يظهر لهم اي شيء!!! كانت تحب أن تعرف ما مرضها؟ ولكن... ألم ووجع... من دون مرض!!! وكأنها سكرات الموت !!!!!
صورتها ما زالت حاضرة في ذهني...
عندما وصلت إلى الباب لم أتخيل إلا أنها سوف تفتح لي الباب وتستقبلني كما كانت تفعل!!!!
ولكنني فوجئت بفراشها البارد ينتظر قدومها... ووجود الأقارب.. فما تمالكت نفسي!!
لحظات ننتظر وصولها... أحسست بأنها تعادل الدهر..
حتى
حان
الوقت..
وصلتْ...
أقبلتُ منها لأراها.. فقد اشتقت لها...
تمكنت من رؤيتها... كان وجهها يشعّ نوراً..
وكأنها نائمة!
بعدها حان وقت الوداع... وآآآآآآآآآآآآآآآآه من لحظة الوداع!
تركتنا بلحظة باردة... وذهبتْ!
كانت كل كلمة تقال تعصر قلبي.. وتزيده لوعةً وحزناً....
والآن..
لقد اشتقت لها... ولكن لن أستطيع أن أراها هذه المرة!
وسأبقى أحتاج لها ولعطفها وحنانها.. فقد كانت بمثابة الأم الثانية.... الأم الحنونة والمربية والناصحة....
أقول ختاماً... بأن كل مصيبة بعد الموت تهون!
أسأل الله تعالى أن يرزقنا الصبر والسلوان... وأسأله سبحانه أن يرحمها برحمته الواسعة... وأن يعفو عنها ويتجاوز عن سيئاتها ويهوّن عليها سكرات الموت.. وأن يجعل مثواها الجنان.. إنه سميع قريب مجيب...
إنا لله وإنا إليه راجعون!
والسلام عليكم...


رد مع اقتباس
