أرجو قراءة هذا المقطع بتأن وروية ، والرد بقلم حر ، من دون الخوف من عادات ولا تقاليد ، ولا أب ولا أم .
لحظات سقطت فى العدم
القلم بين أصابعى والصفحة تحت يدى بيضاء. يتحرك القلم دون أن يكتب شيئا. ترمقنى الصفحة البيضاء بسخرية. كأنما لم أكتب فى حياتى سطرا. تبدو اللغة غريبة كلماتها مبنية للمجهول. حروفها مقدسة تخاطب المرأة بصيغة المذكر. كل شئ مذكر فى اللغة حتى الإله والشيطان والموت. الصفحة الخالية من الكتابة لونها أبيض بلون الموت. الكفن أبيض وسرير المستشفى أبيض. معاطف الأطباء والطبيبات ومرايل الممرضات والممرضين. عيناى مفتوحتان لا أعرف إن كنت الطبيبة أو المريضة. الكاتبة أو الصفحة البيضاء غير المكتوبة. المساحات الخالية بين السطور. اللحظات الساقطة من حياتى والسنون. تسرب الروح من الجسد وغياب العقل.
هل عجزت عن الكتابة أم أشرفت على الموت؟ كانت هناك علاقة دائمة بين الموت وعدم الكتابة. فوق فمى كمامة. رائحة الإثير تملأ الجو. ربما هو المخدر. يلجأون دائما إلى المخدر فى مواجهة الوعى. جسدى مصلوب فوق منضدة الجراحة فى غرفة العمليات. أو ربما هى منضدة المشرحة فى كلية الطب. مربوطة الذراعين والساقين بخراطيم من المطاط. أسمعهم يتكلمون عنى بضمير الغائب. كلمة الضمير فى اللغة مذكرة مثل كلمة إنسان. لا يوجد فى اللغة مؤنث كلمة ضمير. أصواتهم متشابهة ملابسهم بيضاء رائحتهم واحدة. مزيج من الإثير وصبغة اليود ودخان سجائر. صوت ينادى إسمى وإسم أبى، لم يكن لى أب واحد، هناك دائما أكثر من أب، إسم الأب الواحد أسطورة، فى التاريخ يحجب الأصل تحت صورة أب رمزى، لغة تجعلنا كائنات مذكرة أو لا نكون. صورة مقدسة تعيش على كبت الحقيقة. تحت تأثير المخدر تطل الحقيقة المكبوتة من تحت الماء مثل رأس جبل من الثلج.
- وأين هى أمى؟
أتلفت حولى أبحث عن وجه أمى بين الوجوه. أصابع حديدية تثبت رأسى فى المنضدة. تزحف الأصابع إلى عنقى تضغط عليه. أيحاولون خنقى لأنى أسأل عن أمى؟ أين اختفت أمى؟ قتلوها؟ دفنوها فى مقبرة ومعها إسمها؟ شطبوا على إسم أمى. مسحوه بالأستيكة. قالوا ربما بعد الموت تحملين إسم أمك، لأن الحقيقة بعد الموت تظهر، ويختفى إسم الأب المزيف.
الصوت ينادى إسمى مرة أخرى. يرن الاسم فى أذنى مألوفا. سمعته مرارا فى مراحل حياتى السابقة. رأيته فوق أغلفة كتبى ورواياتى. الصوت ينادينى بلهجة خشنة ذكورية. صوت رجل ملامحه غريبة. هذا الرجل لا أعرفه مع ذلك يمسك يدى المثبتة فوق المنضدة، يقول للأطباء والطبيبات أنه زوجى.
- متى تزوجت هذا الرجل؟!
ارفع يدى لأمسك رأسى. يدى لا تتحرك. الصداع يقسم رأسى قسمين. ذاكرتى لا تسعفنى. لحظات فى حياتى سقطت فى العدم. أحاول استعادتها دون جدوى. هذا الإثير يخدرنى، يستخدمون المخدر لقتل الذاكرة. اقاوم، أفتح فمى لأصرخ. صوتى لا يخرج.
* * * *
مربوطة الذراعين والساقين، فوق فمها كمامة، تفتح فمها نصف فتحة وتقول لهم: لا اريد مخدر! لا أريد أن أفقد الوعى! أنا طبيبة ولست مريضة وإسمى نوال وأمى إسمها زينب أما جدى السعداوى فأنا لا أعرفه مات قبل أن أولد.
* * * *
الصوت يناديها بإسمها وهى لا ترد. زوجها يقول لهم أنها ليست نائمة وليست غائبة عن الوعى. إنها فقط تكتب. وهى حين تكتب تصبح غائبة عن هذا العالم. لا تسمع أحدا ولا ترد على أحد.
قالت لزوجها بعد ليلة الزفاف المؤلمة سأكتب مالا يكتب. كل يوم تجلس إلى مكتبها من أول النهار حتى آخر الليل. القلم بين أصابعها والصفحة تحت يدها بيضاء. تمزق الورقة وراء الورقة. تمزق شعرها. تفتح فمها عن آخره تطلب الهواء. تختنق. تشد الكمامة فوق فمها. تعض بأسنانها الأصابع الملفوفة حول عنقها.
جسمها فوق المقعد اصبح جزءا من المقعد. مربوطة إلى المقعد بالحبال. نصفها الأسفل مربوط لا يتحرك. النصف الأعلى لا نرى منه إلا الرأس المطرق فوق المكتب. القلم بين أصابعها الطويلة السمراء يرسم على الورقة حروفا سوداء مبتورة. يحتك سن القلم بالصفحة البيضاء. يصنع صريرا خافتا. أذناها تلتقطان الصوت داخل الصمت. ينتصب رأسها وعيناها نصف مغمضتين.
كأنما لم أكتب فى حياتى. لم تمسك أصابعى القلم. لا أعرف اللغة، واللغة لا تعرفنى. هذه الحروف ليست حروفى، لم أتعلمها من أمى، يقولون عنها لغة الأم، وهى لغة رجل غريب مات قبل أن أولد، أحاول النهوض من مقعدى وراء المكتب. قدماى وساقاى مربوطة بالحبال. أسير نحو السرير بجسدى المربوط. أستغيث فى النوم بلا صوت. شريف نائم إلى جوارى مستغرق فى النوم.
أرمقه بشىء من الحسد. منذ تزوجنا عام 1964 وهو ينام بسهولة. يضع رأسه فوق الوسادة وينام فى نصف ثانية. ضوء خافت يسقط فوق الجدار من خلال شقوق النافذة. نسمة خفيفة تحرك النتيجة المعلقة، التاريخ يشير إلى العام الجديد 2000، يبدو الرقم غريبا، يفتح شريف عينيه، يرمق الرقم بدهشة، يا خبر بقينا فى سنة 2000 كده بسرعة؟ أطفو فوق السرير كأنما اعوم فوق الزمان والمكان.
* * * *
الزمن يمضى وأنا متجمدة تحت الغطاء. أحاول النوم دون جدوى. كأنما نسيت كيف كنت أنام، أحاول الكتابة دون جدوى، كأنما نسيت اللغة، شريف نائم إلى جوارى. ترك سريره فى غرفته وجاء إلى غرفتى. تحدثنا قليلا قبل النوم. يكتب رواية جديدة وأنا عاجزة عن الكتابة. كأنما لم أكتب أبدا. عيناى مفتوحان كأنما لم أنم أبدا. يفتح شريف جفونه يرانى محملقة فى السقف.
- مالك يا نوال؟
- مش عارفة أكتب يا شـريف، لا يمكن حاكتب أبدا أبدا، كل مرة تقولى كده يا نوال وتكتبى، المرة دى هى الاخيرة يا شريف، كل مرة تقولى هى دى الأخيرة، لأ خلاص هى دى الاخيرة ولا يمكن حاكتب، خلاص فقدت القدرة على الكتابة، حاولى تنامى يا نوال، مش عارفة أنام خلاص فقدت القدرة على النوم.
* * * *
أنهض من السرير وأمشى فى الظلمة. على أطراف أصابعى أمشى حتى لا يشعر بى شريف. أسير إلى الشرفة. نحن فى الدور السادس والعشرين، فى القرن الواحد والعشرين، أمد قدمى إلى السور واقفز فى الهواء.
ثم أفتح عينى، أرى جسمى ممدودا فوق السرير. إلى جوارى القلم والصفحة البيضاء تعلوها خطوط متعرجة بلا كلمات، بلا عبارة واحدة ذات معنى.
يفتح شريف عينيه. يرانى صاحية شاخصة إلى السقف. يربت على كتفى: نامى يا نوال، أهمس بصوت خائر: تفتكر يا شريف إن فيه تناقض بين الزواج والإبداع؟ يضحك شريف، جايز يا نوال، لكن خلاص نعمل إيه بعد خمسة وثلاثين سنة؟!
* * * *
الكتابة فى حياتى كانت تأخذنى إلى بئر عميق فى بطن الأرض. إلى مكان يخلو من البشر. إلى مساحة لا يشاركنى فيها أحد. لا أسمع صوتا. لا شئ يتحرك. صمت مطبق كالموت. كنت أحمل قلمى وأوراقى وأغادر البيت. أمشى وأمشى دون توقف. أتلفت حولى كأنما أبحث؟ اتطلع إلى الأرض والسماء والبيوت والشوارع والعمارات والأزقة. أبحث عن شق أهرب فيه. أختفى داخله وأغلق ورائى سبعة أبواب. لا يكفى باب واحد لطرد الأصوات. ابحث عن الصمت داخل الصمت. أتلفت حولى لا أعرف إلى أين أذهب. اسير بحذاء نهر النيل. اتوقف لحظة أحملق فى المياه أمد قدمى فوق السور واقفز.
اصحو من النوم مبللة بالعرق. الأوراق مبعثرة فوق السرير والقلم فى يدى. إلى جوارى رجل نائم.
النتيجة فوق الجدار مكتوب عليها التاريخ، اليوم والشهر والسنة. أحملق فى الرقم، 1956، هل عادت عقارب الساعة إلى الوراء أربعة وأربعين عاما وأنا غارقة فى النوم؟ الرجل النائم يفتح عينيه. الظلمة شديدة لا أرى من ملامحه إلا العينين. من خلال الضباب الأسود يبرز الأنف. عظمة كبيرة تتوسط الوجه مقوسة قليلا. تحت الأنف شارب أسود كبير.
لا شئ ينفرنى فى الرجال مثل الشعر فوق وجوههم، يذكرنى بالفصائل السابقة لنشوء الانسان.
كان نائما على جنبه الأيسر، ظهره ناحية الحائط وجهه ناحيتى. التاريخ فوق الحائط يشير إلى عام 1956. قشعريرة باردة تزحف إلى جسدى. ذاكرتى تعود إلى السطح بالتدريج أخرج من بطن الأرض جزءا جزءا، أصحو فوق شئ يهتز، جفونى ثقيلة افتحها بصعوبة التاريخ فوق الحائط ثابت عند عام 1956. النافذة مفتوحة بدون زجاج ولا شيش. الهواء البارد ينفذ إلى جسدى وأنا راقدة فوق ظهرى. أسنانى تصطك ارتجف بالحمى. فى حلقى غصة وفى انفى رائحة دم. عيناى تدوران فوق الجدران. المكان غريب لم أره من قبل. الحائط بلا طلاء لونه اسود تعلوه بقع أكثر سوادا. الشقوق فى الجدران تشبه الشقوق فى الارض يتدلى من السقف سلك كهربى مات فوقه ذباب أسود. الرجل نائم إلى جوارى فوق السرير العريض من الصاج الأسود. عيناه مغمضتان والزمن لا يتحرك. التاريخ ثابت عند عام 1956، بالضبط يوم 23 يوليو 1956. أشد جفونى لأصحو. عيناى مفتوحتان من قبل. لم أغمضهما لحظة واحدة طول الليل. كنت افكر فى الهروب، كيف أهرب والى أين؟
الليل كان طويلا بلا نهاية. مسمار فى الحائط يتدلى منه معطف أبيض تعلوه بقعة دم، حقيبة صغيرة من الجلد الأسود، ملقاة فى وسط الغرفة، من حولها تبعثرت أدوات طبية، سماعة لها خرطوم اسود طويل، حقنة لها ابرة طويلة، اربطة شاش وقطن ، وصورتى فوق بطاقتى ممزقة ومعها أسمى.
لايزال نائما على جانبه الايسر، وجهه ناحيتى، ذراعه اليمنى ممدودة فوق السرير. كنت أترك مساحة كبيرة بيننا، مسافة طويلة أطول من ذراعه الممدودة، يده ضخمة كبيرة، أصابعه غليظة، لم أر فى حياتى أصابع غليظة بهذا الشكل. أتلفت حولى أبحث عن مكان الباب. الظلمة شديدة لا أرى الباب، كأنما الغرفة بدون باب، اربعة جدران عالية سوداء، ولا منفذ للهروب.
هذه الليلة صيف عام 1956 تعود إلى ذاكرتى، ومعها ليلة اخرى فى صيف عام 1941، بالضبط 30 أغسطس 1941. أردت الهروب من بيت أبى وأنا فى العاشرة من العمر. لم تكن الليلة مفزعة مثل تلك الليلة 23 يوليو 1956. اللحظات المنسية فى حياتى تطفو فوق سطح الذاكرة. عيون سوداء صغيرة تلمع وسط خضم من السواد. نجوم تظهر فى الليل من وراء سحابة كثيفة سوداء. الهروب من بيت الأب اقل إفزاعا من الهروب من بيت الزوجية. كلمة "زواج" تعنى باللغة العامية "الجواز"، كانت جدتى تقول: “ربنا كتب علينا الجواز يا بنت إبنى، مصيرك الجواز زى كل البنات، القدر والمكتوب ع الجبين لازم تشوفه العين، جوازتى كانت جنازتى يا بنت إبنى، نحمدك يارب على كل المصايب ولا يحمد على مكروه سواك.
منذ السادسة من عمرى وأنا أحفظ هذه الكلمات الثلاثة عن ظهر قلب، انطقها فى نفس واحد: "ربنا. المصائب. الجواز".
* * * *


رد مع اقتباس
