كلمة الحب لم تكن هى الجواز. كنت أغنى مع الراديو للحب. لم نكف نحن البنات عن الغناء للحب. لم اسمع فى حياتى أغنية واحدة عن الزواج.
الحب مصيدة الفئران تدخلها البنات آمنات مغمضات العيون مثل القطط المغمضة. يفتحن عيونهن مفزوعات. تحول الحب إلى أربعة جدران سوداء فى بناء آيل للسقوط هو بيت الزوجية.
فى العاشرة من عمرى خفق قلبى بالحب الأول. لم أكن أرى من الرجل إلا عينيه. كان يمكن أن أموت من أجله. إختفى الرجل لحسن حظى قبل أن أهرب من بيت أبى. سافر ولم يترك إلا صورة ضوئية إختفت هى الأخرى وسقطت فى العدم. التقيت به صدفة بعد ثلاثين عاما. رأيت وجها غريبا له أنف طويل مدبب وشفتان رفيعتان إلى حد التلاشى. أيمكن أن يقبل بهما امرأة؟! عيناه صغيرتان غائرتان بلا بريق ولا ضوء. كيف كانت عيناه تغرقنى كالشمس، لم أستطع الحملقة فيهما، كنت أسقط فيما يشبه الإغماءة إن رنت حروف إسمه فى الجو.
فى العشرين من عمرى خفق قلبى بالحب الثانى. عيناه كالحب الأول كانت هى الشمس. هربت من بيت أبى وأمى. تركت كتبى وأوراقى واقلامى وملابسى وصور طفولتى. سرت فى الطريق اليه لا التفت ورائى. تحول الحب لسوء الحظ إلى زواج. فتحت عينى على الجدران الاربعة السوداء، داخل مطبخ فى بيت قديم آيل للسقوط فى حى بمدينة القاهرة إسمه المنيل.
* * * *
بالامس رأيت فيلما مفزعا مخرجه ستانلى كوبريك. مأساة الجنود الأمريكيين فى حرب فيتنام. مكنة الحلاقة ذات الموسى الحاد تدور على رؤوس الشباب فى ربيع عمرهم، تجتز شعورهم عن فروة الرأس، الخراف يسلخون جلودها فى المذبح. يتحول الشاب الفنان الرقيق إلى قاتل سفاح. يدرب على القتل دون أن يطرف له جفن(حذفت من قبل المشرفة).
تدور الكاميرا على أجسام الشباب فى معسكر التدريب، يمسكون باليد اليمنى البندقية، (حذفت من قبل المشرفة) يسيرون فى صف طويل يشبه القطار الطويل يسير فوق القضبان،(حذفت من قبل المشرفة).
كنت جالسة فوق الكنبة الزرقاء العريضة فى الصالة، إلى جوارى شريف يتابع الفيلم. دخل المدرب العسكرى غاضبا إلى أحد الشباب يأمره أن يسلم سلاحه. نهض الشاب واقفا يرمقه بعينين يختفى سوادهما تحت الجفن. تحولت العينان الى مساحة من البياض بلون الثلج. المدرب العسكرى يقترب منه يأمره أن ينزع سلاحه. الشاب واقف فى مكانه ثابت. البياض فى العينين ثابت. الننى الاسود الصغير اختفى تماما تحت الجفن. اللون الابيض فى العينين كالثلج. تحرك اصبع واحد على الزناد. انطلقت الرصاصة فى صدر المدرب العسكرى. سقط إلى الارض غارقا فى دمه. توقف الشاب يلهث. جلس فوق المرحاض. وضع فوهة البندقية فى حلقه. ضغط بأصبع واحد. تفجر الدم من حوله، فوق الجدار الابيض اللامع من السيراميك، فوق السقف الابيض، وبلاط الارضية الابيض، غرق البياض فى دم احمر.
منذ طفولتى يفزعنى الدم الاحمر فوق الملاءة البيضاء. دم العذرية والحيض والختان. نقطة دم تتركها الابرة فوق ذراعى بعد أن ينزعها الطبيب. وجه الطبيب يشبه وجه المدرب العسكرى فى الفيلم. وجه ممسوح الملامح رمادى اللون كالجرانيت، والعينان ممسوحتان إلا من البياض الابيض بلون الثلج. واقفا أمامى شاهرا الابرة فى وجهى مثل البندقية.
انتهى الفيلم بعد منتصف الليل. أطفأ شريف جهاز الفيديو. ذهبنا معا إلى النوم. اصبح لكل منا غرفة نوم مستقلة. داخل كل غرفة مكتب صغير ومكتبة لها رفوف تحمل الكتب والاوراق والصور وخطابات الحب السرية. تعودت الكتابة والنوم داخل غرفة خاصة لها باب لا يفتحه احد. الكتابة مثل النوم تحتاج إلى الصمت المطبق. الصمت داخل الصمت.
منذ الطفولة تفزعنى الافلام كأنما هى الحقيقة. يفزعنى الظلام فى الليل. اتسلل من سريرى لانام بجوار أمى أو أختى. تجاوزت الستين عاما والطفلة فى اعماقى هى الطفلة. اخاف الظلام حين امشى وحدى فى الليل. منظر الدم فى الافلام يرتعد له جسدى. يسألنى شريف كيف اشتغلت طبيبة وجراحة فى مستشفى الصدر بالجيزة؟ كيف أمسكت المشرط فى يدك وفتحت الصدر والبطن دون أن يطرف لك جفن؟
واقول لشريف إنها امرأة أخرى تلك التى اشتغلت بالطب والجراحة. أو ربما يختلف الدم المراق تحت أيدى الاطباء والطبيبات عن الدم المراق تحت ايدى العساكر والازواج.
* * * *
صور من الماضى ماتت وراحت فى العدم. احاول استعادتها دون جدوى. اللون الاحمر القانى يلطخ السطح الابيض. مشهد أراه فى النوم حين يغيب الوعى. حين يتسرب اللاوعى إلى الوعى. منذ الطفولة يرتعد جسدى لمنظر الدم.
قطرة حمراء فوق ملاءة السرير البيضاء. من أين يأتى الدم فى الطفولة؟ ولماذا يتكرر دون انقطاع؟ منذ التاسعة من عمرى رأيت الدم فى الفراش. تعودت رؤيته الشهر وراء الشهر، السنة وراء السنة حتى أدبرت طفولتى.
لم تعد البقعة الحمراء فوق الملاءة تفزعنى. أصبح غيابها هو المفزع. افتح عينى كل صباح وأبحث عن البقعة الحمراء فوق الملاءة، فى ملابسى، فى ثنايا النسيج الأبيض أبحث عن قطرة واحدة حمراء.
تمط سامية شفتيها الرفيعتين وتقول، هذه اشياء غير مهمة يا نوال، المهم قضية تحرير العمال والفلاحين من الرأسمالية والامبريالية، ويضحك شريف حين يسمعها تنطق هذه العبارة فى نفس واحد، يعرف انها صديقتى منذ المدرسة الثانوية فى حلوان الداخلية، وقد اصبحت زميلة له فى حزب اليسار منذ اكثر من نصف قرن.
رغم الاختلاف تستمر صداقتى بها، الصداقة القديمة منذ الطفولة تصبح مثل علاقات الدم، حين كتبت عام 1965 عن الختان ومشاكل المرأة الجنسية قالت إننى أخون القضية الوطنية، وفى عام 1972 حين كتبت عن النظام الطبقى الابوى قالت لا يوجد إلا النظام الطبقى فقط أوالمشكلة الاقتصادية، وفى عام 1982 حين بدأنا نشكل تنظيما للنساء اعترضت وقالت لا تمثل النساء طبقة ولا يحق لهن تكوين تنظيم مستقل. ثم نطقت كلمة “فيمنيست” وهى تمط شفتيها الرفيعتين بامتعاض.
لكن سامية تغيرت مع مرور الاعوام، وفى عام 1995 حضرت مؤتمرا للمرأة فى نيويورك، ثم عادت تتحدث عن النظام الطبقى الابوى، وفى عام 1997 اصبحت ترأس تنظيما نسائيا مستقلا، ومجلة للمرأة من النوع الفيمنيست، وفى عام 1998 بعد أن اصدر وزير الصحة قرارا بمنع ختان البنات فتح شريف الجريدة ذات صباح، راى صورة سامية تتلقى الجائزة أو الوسام باعتبارها الرائدة فى مجال النضال ضد منع الختان.
* * * *
فى المدرسة الثانوية كانت البنات يبحثن فى ثنايا ملابسهن الداخلية عن القطرة الحمراء. كان إختفاء الدم فى حياة البنت يعنى كارثة. تخشى البنات الحمل السفاح.
لا يغسل العار إلا الدم، الرجال يقومون بالغسيل، والنساء يفقدن الدم، يتحول القاتل إلى بطل يحمى الشرف، تدفن البنت فى الخفاء ويدفن معها اسمها واسم امها. يتألق إسم الاب بعد مقتل البنت.
منذ قصة العذراء الطاهرة فى التاريخ تخشى البنات الحمل السفاح. يدور السؤال فى رؤوسهن وهن نائمات: أيمكن أن تتكرر القصة فى التاريخ؟ هناك قصص تكررت وجاء ذكرها فى كتب الله. كم مرة تكرر عصيان بنى اسرائيل لأوامر الله؟ كم مرة تكرر غفران الله لبنى اسرائيل؟ كم مرة أرسل الله إلى البشر رسولا يحثهم على الايمان به؟ كم كان عدد الانبياء والمرسلين؟! كم مرة تكرر نزول الانبياء إلى الناس؟ كم مرة ارسل الله مندوبه إلى سيدنا ابراهيم وسيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا محمد؟! لماذا اذن لا يتكرر نزول مندوب الله إلى احدى البنات لتحمل كما حملت ستنا مريم العذراء؟!
فى المدرسة الابتدائية ورد السؤال إلى ذهنى وأنا نائمة. كالحلم الآثم كتمته فى أعماقى. ثم اكتشفت أن جميع البنات احلامهن آثمة. وفى المدرسة الثانوية أيضا همست لى الزميلات بما يدور فى عقولهن اثناء النوم. قالت صفية انها منذ قرأت قصة العذراء مريم وهى تحلم بمندوب الله يهبط اليها فى الليل. وقالت سامية انها لا تؤمن بالله مع ذلك يأتيها المندوب فى الحلم. وفى كلية الطب قالت صديقتى بطة، اما أنا يا نوال فقد جاءنى المندوب فى الواقع والحقيقة وليس الحلم. ثم كركرت بالضحك، بالشهقات المتقطعة كهواء محبوس يخرج من عنق زجاجة ضيق.
* * * *
كنت غارقة فى النوم حين التفت الاصابع الغليظة حول عنقى. كما يحدث فى الاحلام حاولت أن افتح فمى لاصرخ. صوتى لا يخرج. الاصابع الغليظة قوية، اقوى من اصابعى. افتح فمى طلبا للهواء. اشهق بصوت مكتوم. كان يمكن أن استغيث واوقظ الجيران. لكنى رأيت أن الموت أهون من الفضيحة.
كلمة “الفضيحة” كانت تخرق أذنى منذ ولدت. ولادة الانثى كانت فى حد ذاتها فضيحة تتكتم الاسرة الخبر، تتخفى الام الوالدة عن عيون الناس، يغرق بيت المولودة الانثى فى الصمت.
كلمة "انثى" فى حد ذاتها فضيحة، إن قال لى احد انت انثى أصفعه على وجهه. كلمة جنس ترن فى اذنى نابية، لا استطيع أن انطق كلمة "جوزى" بالعامية، انطقها باللغة الفصحى المحترمة وأقول زوجى. كنت قد تزوجت للمرة الاولى تحت اسم الحب الكبير. قصة طويلة بدأت وأنا فى العشرين من العمر فتاة عذراء، وانتهت وأنا فى السادسة والعشرين زوجة عذراء تحولت إلى أم عذراء ثم تحررت بالطلاق.
لماذا لم افقد عذريتى حتى اليوم، بعد أن تجاوزت الستين عاما؟ لكن العذرية مثل القضاء والقدر، مكتوبة على جبين النساء، ليس فى مقدور البشر أن يهتكوا عرض المرأة الصالحة التى تعرف الله، وتعرف انه اصطفى العذراء مريم من نساء العالمين، هى الوحيدة ذكر اسمها فى كتابه الكريم، ولها سورة كاملة فى القرآن باسمها مريم، تتطلع النساء إلى هذا النموذج الامثل للطهر والنقاء؟!
منذ الطفولة أرى السيدة مريم العذراء النموذج الأعلى. أم المسيح. الوحيدة دون النساء أجمعين تم تعريفها بالاسم فى القرآن. جميع النساء الأخريات مجهولات الاسم، حواء زوجة سيدنا آدم، وزوجات سيدنا محمد عليه السلام لم يذكر اسم واحدة منهن فى القرآن حتى السيدة خديجة لم يذكر إسمها.
كان طبيعيا أن يتجه طموح الفتاة المسلمة المثالية إلى مريم العذراء وليس أى امرأة اخرى. منذ أدركنى البلوغ فى سن التاسعة من العمر اقسمت بينى وبين الله، اننى سوف اكون مثل ستنا مريم، وسوف أحمل وألد دون أن امارس الجنس وأصبحت أنتظر كل ليلة مندوب الله.
وطال الانتظار العام وراء العام، ثم جاءنى رجل يتخفى فى الظلام، وهمس فى أذنى أنه مندوب الله. كنت فتاة مثالية يرتعد جسدى حين اسمع كلمة الله اغمض عينى واهمس: يارب ارجو أن تذكر اسمى فى كتابك الكريم كما ذكرت اسم ستنا مريم، ولماذا تصطفيها هى وحدها. ألا يمكن يارب أن تصطفى امرأتين وقد اصطفيت اكثر من عشرين رجلا من الانبياء الصالحين؟!
كان ذلك فى الطفولة الساذجة والمراهقة الأولى. ثم دخلت كلية الطب. اصبحت افصل بين الحلم والواقع، بين الوهم والحقيقة، وقعت فى حب حقيقى وتزوجت زواجا حقيقيا على سنة الله والرسول، وحملت وولدت واصبحت أما حقيقية غير عذراء وغير طاهرة، كان هناك شئ غير طاهر يحدث لى فى الليل، شئ لا يبعث على اللذة بل الألم والاثم، كان زوجى الاول رجلا مكتمل الرجولة. كان فدائيا شجاعا يضحى بحياته من اجل الوطن. عاد من جبهة القتال كافرا بالوطن.
-الخيانة يا نوال!
-خيانة الحكومة يا أحمد.
-الحكومة هى الوطن يا نوال.
-الحكومة شئ والوطن شئ آخر.
-هذا وهم يا نوال.
-هذه حقيقة يا احمد.
-لا وهم، كل شئ وهم يا نوال، خلاص أنا اكتشفت الحقيقة، كنت مخدوع وأنا باهتف الله. الوطن. الحب، الثلاثة وهم يا نوال!
جسدى يرتعد حين اسمع صوته فى الليل يردد "الثلاثة وهم يا نوال". كان يصحو طول الليل. يحقن نفسه بجرعة مضاعفة من الماكسيتون فورت، يجلس وراء المكتب ويمسك القلم بين اصابعه، يكتب كلمتين اثنتين لا غير: “الثلاثة وهم” ثم يشطبهما ويبدأ من جديد "الثلاثة وهم" يشطبهما بالقلم ثم يكتبهما اول السطر.
كان يكتب بقلم رصاص، ويشطب بالقلم ذاته، حين ينقصف القلم يضعه فى البراية، يحركه المرة وراء المرة حتى يصبح له سن طويل رفيع مدبب. يكور الورقة القديمة ويرميها فى الصفيحة تحت المكتب. تمتلئ بالورق المكور، يفرغها فى صفيحة القمامة فى المطبخ ويعود يجلس إلى المكتب.
يفرغ البراية من النشارة بعد أن يبرى القلم وراء القلم، لا يترك القلم إلا بعد أن يصبح أقصر من عقلة الإصبع، لم يكن يخرج من البيت إلا ليشترى اقلام الرصاص، رزم الورق الأبيض، وعلبة الماكسيتون فورت من الصيدلية فى شارع المنيل.
كنت قد تخرجت واشتغلت طبيبة فى مستشفى قصر العينى الجديد أو مستشفى المنيل الجامعى، يبعد عن بيتنا مسافة نصف ساعة على القدمين، أخرج فى الثامنة صباحا وأعود فى الثالثة بعد الظهر. اراه جالسا وراء المكتب فى غرفة النوم. كانت الشقة صغيرة، بها غرفة واحدة، وصالة صغيرة للطعام، ومطبخ صغير، وشرفة صغيرة تطل على فرع النيل الصغير، يتكون البيت من أربعة ادوار، فى كل دور شقتين متقابلتين، ونحن فى الدور الثالث.
كان راتبى الشهرى عشرة جنيهات ونصف، أشترى بها الطعام ومصاريف البيت. كانت أمه تعطيه تسعة جنيهات كل شهر، نصيبه من ميراث أبيه. ينفق الجنيهات التسعة على شراء الأقلام الرصاص والورق وعلب الماكسيتون فورت. قبل الطلاق بفترة قصيرة لم تعد الجنيهات التسعة تكفى. كان يحقن نفسه بجرعة تتزايد يوما وراء يوم. وهذا أمر معروف فى الطب. إن الجسد قادر على التغلب على اى سموم تمشى فى الدم، مخدرات أو منبهات، يدخل الماكسيتون فورت تحت المواد المنبهة، يحتاج المدمن إلى زيادة الجرعة حتى يتغلب على مقاومة الجسم للمادة الكيمائية.
كان يفتح حقيبتى وياخذ منها ليشترى الماكسيتون فورت. أصبحت أخبئ الحقيبة فى مكان لا يعرفه. بدأ يبيع اثاث البيت. لم يكن عندنا إلا اشياء قليلة. لم يبق إلا السرير الصاج الأسود العريض، والمكتب الخشبى والمقعد الواحد الذى يجلس فوقه طول الليل يكتب عبارة واحدة من كلمتين:
"الثلاثة وهم". ثم يكور الورقة ويلقيها فى الصفيحة.
قبل الطلاق بثلاثة ايام خلع الشيش والزجاج من النافذة، وعاد يحمل علبة الماكسيتون فورت. نمت طول الليل ارتجف بالبرد. كان السرير تحت النافذة. لم يكن عندنا إلا بطانية واحدة. فتحت عينى قرب الفجر رأيته جالسا يكتب ويشطب ويرمى الورق فى الصفيحة.
حين رآنى افتح عينى رمقنى بنظرة غريبة، رأيته رجلا غريبا. صوته اصبح غريبا.
-صحيتى يا دكتورة؟
-أيوه.
-قوليلى الثلاثة دول وهم والا لأ؟
-الثلاثة مين؟
-الله الوطن الحب.
-حقيقة وهم لا يهم، المهم هو انك تبطل هذا السم الذى تحقن به نفسك!
-لا يعالج السم إلا السم وداونى بالتى كانت هى الداء.
-لا يمكن حياتنا تستمر بهذا الشكل.
-طبعا خلاص الحب راح يا دكتورة!
-مش عارفة.
-انا عارف، الحب وهم كبير.
-لأ.
-يعنى مؤمنة بالحب؟
-أيوه.
-مين هو الرجل السعيد يا دكتورة؟ لا يمكن اكون انا، لانى أنا خلاص انتهيت!
-كل شئ يتوقف على ارادتك انت.
-انتهت إلارادة وكل شئ. لم يبق إلا الموت، وكما كنا نقول ايام الحب نعيش سوا ونموت سوا ايه رايك نموت سوا؟
* * * *
ليلة 23 يوليو 1956 قبل أن يطلع الفجر.
العالم يحتفل بعيد الثورة الرابع وأنا اختنق. اصابع غليظة تلتف حول عنقى فى الليل. أحاول أن اصرخ. صوتى لا يطلع كما يحدث فى الحلم. افتح فمى طلبا للهواء. اشهق بصوت مكتوم. كنت افضل الموت عن أن يسمع صوتى احد.
فى حياة النساء كان الموت افضل من إلاستغاثة. المرأة فى الشقة المجاورة كانت تستغيث. اسمع صوتها فى الليل وأنا نائمة. يفتح الجيران نوافذهم يسمعون صوتها. امرأة أخرى تستغيث فى العمارة المجاورة. فى الصباح اسمع الناس يتهامسون.
أب يضرب ابنته لأنها تأخرت فى الليل. رجل يضرب زوجته لأنه وجد حصوة فى صحن الأرز. زوج يقتل زوجته لأنه يشك فى سلوكها. يتهامس الناس وما له؟ الشرف فوق كل حاجة. كل رجل حر فى بيته. الرجال قوامون. ربنا قال واضربوهن. بنات حواء. ربنا قال إن كيدهن عظيم.
يغلق الجيران نوافذهم وينامون. تصحو المرأة على الفضيحة. سيرتها على كل لسان. تكف بعد ذلك عن الاستغاثة. لم اصرخ تلك الليلة؟ منذ الطفولة لم الجأ إلى الصراخ حين يقترب الموت. كنت افكر فى طرق المقاومة أو الهروب.
* * * *
منذ صيف عام 1956 حتى صيف عام 1960 فقدت جزءا من ذاكرتى. أربعة أعوام كاملة نسيت ملمس الأصابع الغليظة حول عنقى. سقطت فى العدم كأن لم تكن. لم يبق منها إلا ظلال سوداء فوق جدار أسود ثم اختفت هذه الظلال أيضا وراحت فى العدم.
فى النوم وأنا غائبة عن الوعى تبدأ الظلال فى الظهور من بطن الخضم الأسود مثل قمة جبل الثلج تحت الماء.