الأمة الإسلامية تواجه اليوم عدواً شرساً كشر عن أنيابه، وأظهر ما كان مستوراً في فؤاده، هذا العدو لا يمكن أن يواجه بأناس ذوي همم ضعيفة ولا بأناس تعلقوا بدنياهم، لا يكسر هذا العدو إلا سكان القمم.
لكَم أضرّ بنا غياب الزهد عن حياتنا، فالزهد في الدنيا من أهم المقومات في الصراع بين المسلمين وأعدائهم، ومواجهة المكائد والمؤامرات التي يتعرضون لها الآن، وإن من الغفلة القاتلة أن يظن المسلمون أن عدوهم غافل عنهم، فضلاً عن أن يتوهموا أنه صديق لهم، إلا إذا تصوروا أن الذئاب والنمور تصادق فرائسها.
إن عدونا يرقب بحذر ويقظة وتنمُّر صحوةَ المسلمين، مع أن أصحاب الصحوة لم يسلموا من إيذاء بني جلدتـهم، وإن عدونا يمد عينيه بطمع وشره واحتيال إلى ما تبقى في أيدينا من ثروات، فهو لا يرضى لنا عودة إلى ديننا تبعث فينا الحياة والقوة، وتفتح أعيننا على مصالحنا، كما لا يرضى للغافلين منا أن يهنؤا بما في أيديهم من ثروات.
فهل نفيق الآن؟ ونزهد في الترف والدعة والراحة التي لا تثمر إلا الخنوع والضعف، ونعمل لنرد عن الأمة غائلة العدو ونقطع أطماعه فينا؟ أم نبقى في ترفنا وترهُّلنا حتى تأكلنا الذئاب؟
من أشد ما تصاب به أمة من الأمم أن يكون أفرادها ذوي همم ضعيفة، وعزائم واهنة وتطلعات قاصرة، يرى أحدهم نفسه قزماً أمام المتغيرات الكبيرة والتحولات التاريخية، فلا يفكر في التغيير، ولا البدء في مشاريع مستقبلية، ومَنْ هذا وضعه كيف يُرجى له الشفاء إذا كان اعتقاده أنه لا يشفى؟ ذلك أنه أسير تربية ذليلة، لم يقم يوماً بعمل مستقل أو بعمل تعاوني كبير، لم يتدرب يوماً على القيادة، فإذا فجأه أمر تقوقع وانزوى؛ لأنه لا يملك الخبرة لإدارته.
إن أرض الله واسعة لمن يريد الانطلاق، ولمن يريد تأسيس أعمال كبيرة، والطاقات متوافرة ولكنها بحاجة إلى عزمة أكيدة وثقة بوعد الله.
ولقد بعث الله موسى -عليه السلام- ليخرج قومه من الذل والاستعباد إلى التمكين في الأرض والاسترواح بشرع الله، ولكن نفوسهم كانت ضعيفة صغيرة، لا تستطيع حمل مثل هذا العمل العظيم، وذلك لما أَنِسُوه من العبودية لفرعون وملئه، فتصاغرت نفوسهم، وهانت عليهم، حتى لم يعودوا يرون أنها جديرة بمرتبة الاستخلاف في الأرض.
لا بد أن ينعتق الفرد المسلم من مثل هذه الأجواء التي تقيده وتُشعره بضآلته وتُشعره بأنه جزء صغير من آلة ضخمة، ومن عجلة تدور لا يستطيع الفكاك منها، لا بد أن يقتنع الفرد المسلم بأن عنده طاقات وقدرات يستطيع فيها القيام بأعمال كبيرة.
إن معالي الأمور لا يبلغها إلا أصحاب الهمم العالية والعزائم القوية، فالجنة محفوفة بالمكاره.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "علو الهمة لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلاً منه، وأعلى الناس همّة وأرفعهم قدراً، من لذتهم في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه، قال الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}[(58) سورة يونس].
كان الأعرابي يأتي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأله حفنة من شعير قائلاً: "يا محمد أعطني من مال الله، فإنه ليس مالك ولا مال أبيك" هذه همّة.
بينما همّة ربيعة بن كعب الأسلمي همّة فوق الشمس، عن رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ -رضي الله عنه- قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: ((سَلْ)). فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: ((أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ)). قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: ((فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ)). [رواه مسلم].
حدّث عن القوم فالألفاظ ساجدة *** خلف المحاريب والأوزان تبتهل
أين كانت تحلق همة ربيعة؟ كانت تحلق في سماء رفيعة، وقمم شاهقة، "أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ".
فلله در الهمم كما قال ابن القيم -رحمه الله-: "ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها، فهمة متعلقة بالعرش، وهمة هائمة حول الأنتان والحش".
سكان القمم: جد في السلوك، نشاط في العمل، لا يعرفون التراخي والكسل، ومن سنن الحياة أن الدنيا لا تُعطِي حصادها إلا لمن يزرعها، ولا جناها إلا لمن يغرسها.
سكان القمم: لا ينغمسون في الترف وكثرة المباح.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "قال لي شيخ الإسلام -قدس الله روحه- في شيء من المباح: "هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة، فالعارف يترك كثيراً من المباح برزخاً بين الحلال والحرام".
سكان القمم: سبّاقون إلى الخيرات، مبادرون إلى القربات، لا يفرغ من خير إلا بدأ بخير بعده، لا ينفض يده من عمل إلا وضعها في عمل آخر، يفيد نفسه وينفع أمته.
قال أحد السلف: "إذا هممت بخير فبادر هواك لا يغلبه، وإذا هممت بشرٍّ فَسَوّف هواك لعلك تظفر".
سكان القمم: يتعبون لبلوغ المعالي، ويقاسون المشقة للصعود في درجات الكمال، لكنه تعب يعقبه فرح، ونعيم لا شقاء بعده.
يقول ابن القيم -رحمه الله-: "وقد أجمع عقلاء كل أمة، على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا همّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلاً استراح طويلاً، إنما تُخلق اللذة والراحة والنعيم في دار السلام، وأما في هذه الدار فكلا".
القمم يسكنها العبّاد والزهّاد والمجاهدون والعلماء والدعاة وطلاب العلم، شَمّرَ لِسُكنى القمم السابقون من الأنبياء وأصحابهم ومن سار على منهجهم.



رد مع اقتباس
