على الذين يريدون أن يتناولوا بالنقد البناء و التحليل المعمق الدقيق أفكار سيد رحمه الله أن ينتبهوا إلى القضية الاساس التي كانت تشغل سيد رحمه الله و تعد كل كتاباته متمحورة حولها. وأعني قضية التوحيد.

وهذه القضية لم تكن في فكر الشهيد مجرد قضية عادية يطرحها من زاوية واحدة سياسية كانت أو اجتماعية ... لكنها كانت تمثل فكر الشهيد و كان يتناولها بكل أبعادها و كل مظاهرها. وكانت مقتضياتها الكبرى واضحة في حسه كل الوضوح يستدل عليها بوفرة وافرة من الأدلة في مواضع كثيرة جدا في كتبه.

بصراحة ووضوح شديدين أقول: إن الذين لا تشغلهم فكرة الشهيد هذه و لا يعيشون هواجسها و لا يتبنون قضيتها الكبرى سيجدون في أفكار الشهيد مبالغة بل و ربما غلوا.

بعد استشهاد سيد رحمه الله تعالى برز في تحليل أفكاره و مدى قربها أو بعدها من أفكار الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى إتجاهان: إتجاه يقول بالتقارب و يتزعمه الأستاذ محمد قطب و إتجاه آخر يقول بالتعارض و لعل كاتب المقال منهم.

في كتابه "الصحوة الإسلامية" و الذي هو فصل من كتابه الكبير: "واقعنا المعاصر" يشرح الأستاذ محمد قطب فكرته والتي يقول فيها بان البنا رحمه الله تعالى كان ينظر في بداية الأمر إلى المجتمع الإسلامي بعد سقوط الخلافة على أنه لا يزال يحتفظ بالمقومات الكبرى للفكرة الإسلامية ، و أن جهد الدعاة يجب أن ينصب على ترميم بعض الخلل الجزئي و لفت الأنظار إلى فكرة الخلافة مرة أخرى بوصفها الجامعة الطبيعية للمسلمين شرقا و غربا.
لكن البنا ، بحسب الأستاذ محمد قطب ، غير من نظرته تلك و بدلها تبديلا كاملا لما إكتشف الحقيقة المروعة! فجاء خطابه الشهير : "معركة المصحف" ليمثل التبدل الكامل في النظرة و مؤشرا على بدء عهد جديد من النضال الدعوي و الفكري للحركة الإسلامية. ثم اغتاله الطغاة ومعه اتجاهه الجديد الذي لم تسنح له الفرصة للتبلور بصورة واقعية .

هذا الذي تقدم قد يمثل جدلا قام ، و ربما لا يزال قائما في صفوف أبناء الحركة الإسلامية. لكن بما أن أفكار الشهيد سيد رحمه الله تعالى كانت قد خرجت و في وقت مبكر جدا من إطار "الإخوان المسلمين" إلى الإطار الأعم للدعوة الإسلامية. و حيث أن أغلب العاملين في حقل الدعوة الإسلامية تأثروا في مرحلة ما ، و بعضهم لا يزال إلى اليوم ، بفكر الشهيد رحمه الله تعالى. فأرى لزاما على كل من يريد أن يقدم تفسيرا آخر لفكرته الظاهرة المشروحة في كتبه أن يأتي بتعليلات واضحة وأدلة جازمة تبين لنا كيف صار ما تعرض له في السجن هو المؤثر الأوحد الذي أملى عليه شرح أفكاره المنتقدة من قبل هؤلاء! هل لهم أن يخبرونا مثلا كيف كان وضعه في السجن ملهما له أن يكتب كتابه الشهير الأخير على أوراق السجن ، والذي ضاعت بعض فصوله ولم تصلنا حتى اليوم. وأعني الكتاب التربوي الهادئ الغني الرائع :"مقومات التصور الإسلامي" . فأين هي بصمات التعذيب في كتابه المقومات الذي يمثل عصارة فكره و ما انتهى إليه رحمه الله تعالى ؟!!