المنهج الأمثل في التعامل مع آيات وأحاديث الصفات

قال الترمذي في سننه، كتاب الزكاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في فضل الصدقة، بعد أن أورد حديثي أبي هريرة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ما تصدق احد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه وان كانت تمرة تربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله‏.‏
قال أبو عيسى حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:‏
إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى إن اللقمة لتصير مثل احد. وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل ‏(‏وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ‏)‏ ويأخذ الصدقات‏‏ ‏(يمحق الله الربا ويربي الصدقات‏)‏‏.‏

هذا حديث حسن صحيح.‏ وقد روي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا.‏

وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها، ولا يتوهم ولا يقال كيف. هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف. وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.

وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا هذا تشبيه. وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا إن الله لم يخلق ادم بيده. وقالوا إن معنى اليد ها هنا القوة.

وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع. فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيها وهو كما قال الله تعالى في كتابه‏: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)

فهذا كلام نفيس من إمام جليل، من تأمله زال عنه الإشكال إن شاء الله وبان له المنهج الذي ينبغي اتباعه في فهم آيات وأحاديث الصفات. كما ظهر له جليا أن تأويلات الأشاعرة المتأخرين ليست إلا امتدادا لمذهب الجهمية في نفي الصفات وإن زعموا مخالفتهم.

فمنهج أهل السنة والجماعة، واعتقاد أهل الحديث، هو إثبات كل صفة يصف الله بها نفسه أو يصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم، مع تنزيه الله عز وجل عن مشابهة أو مماثلة المخلوقين (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فهذه الآية تضمنت نفي المثيل والشبيه عن الله وأثبتت السمع والبصر له سبحانه. فكما أثبتنا السمع والبصر لله مع اعتقادنا أنه لا مثيل ولا شبيه له، نثبت له اليد والوجه والأصابع والإستواء والعلو وغيرها من الصفات مع اعتقادنا بأنه سبحانه لا مثيل له ولا شبيه.

وهنا نكتة لطيفة ينبغي التنبه لها، تزيل الإشكال بعون الله، ألا وهي أن صفات الله عز وجل هي للفهم وليست للتصور. وتفسير هذه القاعدة خارج عن شرط الموضوع لكونه من التعليلات اللغوية والعقلية، لكني أذكر بإذن الله لما فيه من فائدة.

فمن المعلوم أن كل مفهوم له وجود مطلق في الذهن، لكن لا يتصوّره العقل في الخارج إلا مقيّدا. فمثلا، الشجرة لها وجود مطلق في الذهن يُفهم به معنى شجرة، لكن إن تصورها العقل في الخارج قـيّدها بقيود شتى: شجرة وارفة أو مجردة من الأوراق، شجرة نخل أو أرز، شجرة قصيرة أو باسقة، خضراء أو صفراء، إلخ.

فإن قال لك أحد: أمام بيتي شجرة، تفهم مقصوده ولو لم يذكر ما هي هذه الشجرة، شجرة أرز أم تين أم زيتونة أم نخلة... لكنك إن أردت تصور الشجرة فلا بدّ لك من تصوّرها وتكييفها بكيفية ما.

ولو قال لك أحد: أتيت بشجرة من بلاد الواق واق، وأنت لم يكن قد سبق لك رؤية شجرة مثلها، فإن أردت تصوّرها، ستأتي بكيفيات خاطئة لهذه الشجرة، لكن هذا لا يعني أنك لم تفهم ماذا قصد الرجل بالشجرة !

فمن تأمل هذه النكتة اللطيفة، وأعاد النظر في كلام الإمام الترمذي الآنف وكلام من نقلنا من أئمة الإسلام، بانت له ملامح المنهج الصحيح في التعامل مع صفات الله عز وجل وكيفية فهمها وإثباتها وتنزيهها عن مماثلة المخلوقين ومشابهتهم، فهو منهج وسط في الإثبات دون تشبيه والتنزيه دون تعطيل.

والله هو الهادي إلى سواء السبيل... وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين...