أخي الفاضل الرفاعي،
أولا، راجع تعريف التأويل في مشاركتي السابقة
ثانيا، وفقا للتعريف أعلاه، أنا لم أقم بعملية تأويل لآيات المعية أي صرف اللفظ عن معناه الصحيح لغة، للأسباب التالية:
- المعية لغة لا تستلزم المخالطة بالذات، قال تعالى (إني معكما أسمع وأرى)، والشواهد في هذا كثيرة لا تخفى على مثلكم. لذا فأنا لم أصرف اللفظ عن معناه الظاهر بل فسرته بأحد معانيه اللغوية الجائزة ومنها العلم والنصرة والتأييد وغيرها...
- سياق الآيات كما بينته لا يقتضي المخالطة بالذات لورود هذه الآيات إجمالا ضمن سياق يفيد العلم أو يشير إلى العلم ووردود بعضها الآخر ضمن سياق يفيد التأييد أو النصرة، إلخ. فأنا لم أصرف الآيات عن معناها اللغوي الجائز لها.
- ورود التفسير عن السلف رضي الله عنهم لهذه الآيات بما قد بيّنته في مشاركتي الآنفة.
فلهذه الأسباب جميعا أنا لم أقم بعملية تأويل (إصطلاحا) بل تفسير.
ثالثا، أعطيك مثالا (contre exemple) لتوضيح فكرتي.
من فسر الإستواء بالإستيلاء فقد قام بعملية تأويل، للأسباب التالية:
- صرف اللفظ عن معناه اللغوي الراجح إلى معنى مرجوح غير جائز لغة.
قال الذهبي في كتابه (العلو) :
أنبأنا الأزهري أنبأنا محمد بن العباس أنبأنا نفطويه حدثنا داود بن علي قال كان عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الله ما معنى قوله تعالى (الرحمن على العرش استوى) قال هو على عرشه كما أخبر فقال الرجل ليس كذاك إنما معناه إستولى فقال اسكت ما يدريك ما هذا العرب لا تقول للرجل إستولى على الشيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب قيل إستولى والله تعالى لا مضاد له وهو على عرشه كما أخبر. ثم قال: الإستيلاء بعد المغالبة. إ.هـ.
يقول أبو حسن: وإسناد هذه الرواية مسلسل بأئمة اللغة !!!
وهذه القصة رواها غيرما واحد من الأئمة والعلماء وتجدها في لسان العرب، وقد رويت قصة شبيهة بها عن الخليل.
وليس لمن أوّل الإستواء بالإستيلاء مستند سوى بيت للشاعر الأموي النصراني الأخطل قال فيه الحافظ ابن كثير في (البداية و النهاية) :
وكان الاخطل من نصارى العرب المتنصرة قبحه الله وابعد مثواه وهو الذي انشد بشر ين مروان قصيدته التي يقول فيها:
قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراقوهذا البيت تستدل به الجهمية على أن الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه وليس في بيت هذا النصراني حجة ولا دليل على ذلك ولا أراد الله عز وجل باستوائه على عرشه استيلاءه عليه تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا فانه إنما يقال استوى على الشيء إذا كان ذلك الشيء عاصيا عليه قبل استيلائه عليه كاستيلاء بشر على العراق واستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه وعرش الرب لم يكن ممتنعا عليه نفسا واحدا حتى يقال استوى عليه آو معنى الاستواء الاستيلاء ولاتجد اضعف من حجج الجهمية حتى أداهم الإفلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح وليس فيه حجة والله اعلم. إ.هـ.
- سياق آيات الإستواء لا يساعد على تفسيرها بالإستيلاء، فليس في سياقها شيء يدل على المغالبة أو القهر.
- لم يرد عن أحد من السلف أنه فسّر الإستواء بالإستيلاء، بل صح عن جمع منهم أنهم فسروه بالعلو والإرتفاع، وقد سبق ذكر شيء من أقوالهم في موضوعنا هذا.
فهذا هو الفرق بيني وبين من يؤوّل، أتمنى أن أكون قد وفقت لتوضيحه وتجليته لك وللأخوة المتابعين للموضوع.



رد مع اقتباس
