أخي الفاضل الرفاعي،
ردكم الأخير وضح الكثير من الأمور لي كما أنه أثلج صدري بأن ما كتبتُه إلى الآن لم يذهب سدى وإنما آتى شيئا من ثماره بحمد الله.
أخي الكريم، إن ما تجده في صدرك قد وجدته أنا قبلك، والتخلص منه بعون الله يسير، يحتاج إلى جهد المُقلّ مع تصحيح النية واللجوء إلى الله طلبا للهداية وسلوك الطريق الصحيح في مثل هذه المسائل. وأول الطريق ما سلكتُه هنا حيث اقتصرت في نقلي على كلام أئمة الإسلام المتقدمين من أهل القرون الثلاثة الأولى الذين مدحهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه وشهد لهم بالخيرية، وسيأتي مزيد بيان حول هذه المسألة.
وإني مرشدك إلى أمور فيها توجيه ما ورد في ردّك الأخير، إن تأملتها بعون الله جلا الله عنك الحيرة واستطعت تمييز ما أنت فيه وما يجب أن تكون عليه.
أولا:
أراك أخذت عقيدتك من المتون وكتب المتأخرين. لذا ما إن تقرأ شيئا من كلام السلف حتى تقع في الحيرة، لأنه وقع في قلبك مما قرأت أن مذهب السلف التفويض (وسيأتيك الرد على هذا لاحقا) فكيف التوفيق بين ما قرأته وبين أقوال السلف؟
أخي الفاضل، المسألة بسيطة. المتأخرون إنما كتبوا ما كتبوا متأثرين بعلم الكلام ومباحث الفلاسفة وما أدخلوه على دين الإسلام من اصطلاحات وأقوال الدين منها براء.
سبيل تلقي العقيدة هو كتاب الله، وسنة نبيّه الذي أمره الله بتبليغ وبيان كتابه، ثم أقوال الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم والأئمة المتقدمين الذين حفظوا هذه الأقوال ونقلوها لنا في كتبهم.
هل طالعت يوما كتب السنن؟ هل طالعت صحيحي البخاري ومسلم أو سنن الترمذي وأبي داوود والنسائي وابن ماجه؟
هل طالعت كتب العلم والإيمان والتفسير والرد على الجهمية في كتب السنن المذكورة أعلاه؟
هل طالعت كتب العقيدة التي كتبها الأئمة الأوائل في التوحيد والإيمان والإعتقاد والردّ على الجهمية؟
هل قرأت (خلق أفعال العباد) للبخاري؟
هل قرأت (تأويل مشكل الحديث) لابن قتيبة؟
هل قرأت (التوحيد) لإمام الأئمة ابن خزيمة؟
هل قرأت (السنة) لأبي بكر الخلال، وابن أبي عاصم، والبربهاري وغيرهم ؟
هل قرأت (الإيمان) لابن منده والبغوي والقاسم بن سلام وغيرهم؟
هل قرأت في (اعتقاد أهل السنة) للالكائي والصابوني والإسماعيلي وأبو الحسن الكرجي والآجري وقوام السنة الأصبهاني وغيرهم؟
هذه كلها كتب ألفها أئمة أجلاء بينوا فيها مسائل الإعتقاد لا على طريقة المتأخرين ممن مزجوا العقيدة بعلم الكلام والفلسفة، وإنما على طريقة المتقدمين (قال، حدثنا)، يذكرون المسألة ويذكرون أقوال السلف فيها. فمن أراد معرفة طريقة السلف في مسائل الإعتقاد، فلا سبيل له إلا قراءة هذا الكتب والنظر فيها.
ثانيا:
هناك شبهة قوية تتمكن في قلوب المتأثرين بمذهب الأشاعرة، ألا وهي: كيف أخالف هذا المذهب ويه يقول أئمة كبار كالغزالي والرازي والباقلاني وابن فورك والنووي وابن حجر (والأخيران ليسا أشاعرة وإنما وافقوهم في مسائل وخالفوهم في أخرى) وابن دقيق العيد والسبكي وابن عساكر وغيرهم...
وجواب هذه الشبهة يسير بعون الله، ففي مقابل هؤلاء الأئمة هناك أئمة أجل منهم قدرا وأعلا رتبة، كالبخاري والترمذي وأحمد بن حنبل والشافعي وابن قتيبة وابن خزيمة وأبو عبيد القاسم بن سلام والآجري وقوام السنة الأصبهاني وشيخ الإسلام الصابوني والبغوي وعبدالغني وابن قدامة المقدسيين، وغيرهم كثير. فعقيدة هؤلاء جميعم مخالفة لما كان عليه الأشاعرة من التأويل والتفويض (الذي جاء به الأشاعرة المتأخرون كما سيأتي بيانه)
فالمسألة مسألة دين وعقيدة، وكل إمام يؤخذ من قوله ويردّ، ولا ينبغي لمن وجد في نفسه الأهلية في مطالعة كلام العلماء أن يقلّدهم تقليدا أعمى خصوصا في مسائل التوحيد والإعتقاد:
فكل من قلّد في التوحيد * إيمانه لا يخلو من ترديد
فمن تجرّد للحق نظر في كلام الفئتين، ورأى أيهما أقرب لمنهج السلف وطريقتهم في مسائل الإعتقاد.
ثالثا:
قولك أن مذهب السلف هو التأويل أو التفويض.
والرد على هذه المسألة يحتاج لاستفاضة، فاسمح لي بها.
لكن بداية، أشير إلى أمرين:
- يبدو أنك لم تضبط المذهب الأشعري جيدا في هذه المسألة، فقد استقر قول متأخري الأشاعرة على أن مذهب السلف هو تفويض المعنى وأن مذهب المتأخرين في تأويل المعنى أحكم، لذا يكثر في كلامهم (مذهب السلف أسلم، وطريقة الخلف أحكم وأعلم). على كل حال، هذا ليس بحثنا حاليا.
- يبدو كذلك أنك لم تضبط معنى المحكم والمتشابه، وهذا بحث طويل ليس هنا مكانه، لكن ما ظهر لي بعد تمحيص، أن آيات الصفات ليس من المتشابه وأن هذا الزعم أنها من المتشابه ليس عليه أي دليل من كلام السلف.
وفي المشاركة القادمة بإذن الله، بيان منهج السلف في إثبات الصفات وتفويض الكيف لا تفويض المعنى.