الإيضاح والبيان
لجهل وتعالم من حكم بالإضطراب على حديث رواه الشيخان
يقول الإمام أحمد رحمه الله موصيا بعض أصحابه: (إياك أن تتكلم في المسألة ليس لك فيها إمام)
فكيف بمن لم يكن له أصلا في هذا الباب من العلم إمام ولا بمسائله أدنى إلمام، اللهم سوى تنصيبه غوغل شيخا وإماما وأستاذا ومعلما...
ولولا أن الأخ واحد الغوغلي يطعن في الصحيحين، وخشيتي أن يغتر بكلامه بعض من لا يدرك خطورته، لما رددت عليه المقال، ولو بذل لي في كل حرف من كلامه من الذهب مثقال... لكنه الدين والرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم... فانظر كيف يفعل العجب بالنفس والزهو بالرأي، حتى يظن الواحد أنه أدرك ما فات جهابذة أئمة الإسلام قبله، بل يظن الشاعر ما قال:
وإني وإن كنت الأخير زمانه * لآت بما لم تستطعه الأوئل
إلا فيه... نسأل الله العافية...
وقد حُفظ عن الإمام أحمد أنه كان يُسأل في المسألة فيجيب: (أنا أتهيب الجواب فيها) أو (لست أفتي في هذا بشيء، سل غيري). وقد سئل مرة عن مسألة فقال: (لا أدري)، فقيل له: (يا أبا عبد الله تقول لا أدري؟) فقال: (نعم، فأبلغ من وراءك أني لا أدري)
أما مريدو غوغل في العصر الحديث، فعندهم لكل سؤال جواب، ولكل مقام مقال، لكن هيهات... فالفهم هو أصل الأصول... ومعرفة مقدار النفس هو ثانيها...
وصاحبنا مريد غوغل، يأبى إلا أن يظهر لنا فساد رأيه وضعف عقله في هذه المسائل، ويأبى إلا أن يفضح نفسه أمام أعضاء المنتدى ومن يتابع هذا الموضوع، وفاته أن من كثر كلامه كثر خطأه، وليس العبرة بكثرة النقل، بل بفهم ما يُنقل، وسأبين بحول الله فساد رأيه وكونه أوتي من جهة فهمه وإعجابه بنفسه...
استشار أخونا مريد غوغل شيخه، فأشار عليه بكتاب النووي في علم مصطلح الحديث، فنقل لنا تعريف الحديث الصحيح منه. وهنا خذله شيخه غوغل، فبعد أربعة أسطر فقط من التعريف الذي نقله، يقول النووي:
الثانية: أول مصنف في الصحيح المجرد، صحيح البخاري، ثم مسلم، وهما أصح الكتب بعد القرآن...
الرابعة: ما روياه بالإسناد المتصل فهو المحكوم بصحته...
الخامسة: الصحيح أقسام: أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم... ا.هـ.
وحديثنا اتفق على رويته البخاري ومسلم بالسند المتصل، فهو في أعلى درجات الصحة.
وقال النووي في مقدمته على شرح مسلم:
اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الامة بالقبول... ا.هـ.
ثم نقل النووي عن ابن الصلاح قوله (أنقله بتصرف، لأن النقل كبير، فحذفت ما لا داعي له ووضعت مكانه ثلاث نقاط) :
جميع ما حكم مسلم رحمه الله بصحته في هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك لان الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع... والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ وقد قال إمام الحرمين: (لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإجماع علماء المسلمين على صحتها). ا.هـ.
ثم أردف الإمام النووي:
وقال (أي ابن الصلاح) في جزء له : ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه فهو مقطوع بصدق مخبره ثابت يقينا لتلقى الأمة ذلك بالقبول وذلك يفيد العلم النظري وهو في إفادة العلم كالمتواتر إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروري وتلقى الأمة بالقبول يفيد العلم النظري وقد اتفقت الأمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته فهو حق وصدق... ا.هـ.
ويقول ابن الصلاح في مقدمته في بيان أقسام الصحيح:
فأولهما: صحيح أخرجه البخاري ومسلم جميعاً. ا.هـ.
ثم يعدّد سبعة أقسام للصحيح، ويقول:
هذه أمهات أقسامه، وأعلاها الأول، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيراً: صحيح متفق عليه. يطلقون ذلك ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه. لكن اتفاق الأئمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه، لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول.
وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به. ا.هـ.
ويقول الشيخ العلامة أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على ألفية السيوطي في علم الحديث عند قول السيوطي:
وأول الجامع باقتصار * على الصحيح فقط البخاري
ومسلم من بعده، والأول * على الصواب في الصحيح أفضل
وليس في الكُتْب أصح منهما * بعد القران ولهذا قُدّما
والحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين، وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة من الأمر: أن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها، ليس في واحد منها مطعن أو ضعف، وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث على معنى أن ما انتقدوا لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه، وأما صحة الحديث في نفسه، فلم يخالف أحد فيها، فلا يهولنك إرجاف المرجفين وزعم الزاعمين أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة... ا.هـ.
فانظر كيف خالف مريد غوغل أئمة الإسلام جميعهم، فردّ حديثا أخرجه البخاري ومسلم واتفقت الأمة على أنه في أعلى درجات الصحة !
ولما أعيته الحجة في ردّ الحديث، لجأ إلى حيلة أخرى هداه إليها شيخه غوغل: الحديث مضطرب! ونسي أنه في حكمه على الحديث بالإضطراب، فهو قد ضعّف الحديث وبالتالي ردّه، وهذا مخالف لإجماع الأمة على تلقي أحاديث الصحيحين بالقبول خصوصا ما اتفقوا عليه. هذا أولا.
أما ثانيا، فقد فات أخانا الغوغلي، أن في علم مصطلح الحديث مبحث يسمى (زيادة الثقة) ومبحث آخر عن (الرواية بالمعنى).
فبالنسبة للرواية بالمعنى، قال ابن كثير رحمه الله في (اختصار علوم الحديث)، النوع السادس والعشرون "صفة رواية الحديث"، "رواية الحديث بالمعنى":
وأما رواية الحديث بالمعنى فإن كان الراوي غير عالم ولا عارف بما يحيل المعنى، فلا خلاف أنه لا تجوز له روايته الحديث بهذه الصفة، وأما إن كان عالما بذلك بصيرا بالألفاظ ومدلولاتها وبالمترادف من الألفاظ ونحو ذلك، فقد جوز ذلك جمهور الناس سلفا وخلفا، وعليه العمل كما هو المشاهد في الأحاديث الصحاح وغيرها. ا.هـ.
وقال النووي في مقدمته على شرح صحيح مسلم:
وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف المذكورة يجوز (أي رواية الحديث بالمعنى) في الجميع إذا جزم بأنه أدى المعنى وهذا هو الصواب الذي تقتضيه أحوال الصحابة فمن بعدهم رضي الله عنهم في روايتهم القضية الواحدة بألفاظ مختلفة. ا.هـ.
وبالنسبة لرواية الثقة، قال ابن الصلاح في مقدمته:
ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث فيما حكاه الخطيب أبو بكر أن الزيادة من الثقة مقبولة...
وإلى قوله هذا أشار السيوطي في ألفيته:
وابن الصلاح قال وهو المعتدْ * إن خالفت ما للثقات فهي ردّ
أو لا، فخذ تلك بإجماع وضح * وخالف الإطلاق فاقبل في الأصح
فإن كانت رواية الثقة لا تخالف غيره من الثقات، فهي مقبولة بالإجماع، ورأى ابن حزم في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) أن الأخذ بهذه الزيادة فرض!
أما الإضطراب الذي يزعمه صاحبنا في الحديث، جهلا منه بمعنى الإضطراب عند المحدثين، لكن ما حيلتنا ومريد غوغل يتلقف كل ما يلقيه إليه شيخه بدون بصيرة بل ولا تبصر…
قال ابن الصلاح في مقدمته في تعريف المضطرب:
المضطرب من الحديث هو الذي تختلف روايته، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له. وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان. ا.هـ.
أي إذا كانت الروايتان على نفس الدرجة من الصحة، أما إن كانت إحداهما ضعيفة والأخرى صحيحة، فلا نحكم على الحديث بالإضطراب، بل نرد الضعيفة ونقبل الصحيحة. وهذا هو ما عناه النووي بقوله "متقاربة" فيما نقله عنه أخونا الغوغلي: "هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة" مسيئا فهمه...
فدعونا ننظر في حديثنا الذي يزعم الغوغلي اضطرابه، وننظر ألفاظه كما روي عن أبي هريرة وابن عمر.
الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله عنه:
- عند البخاري:
"يقبض الله الأرض، ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض"
"يقبض الله الأرض، يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض"
- عند مسلم:
"يقبض الله تبارك وتعالى الأرض، يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض"
فقولوا لي بربكم: أين الإضطراب في لفظ الحديث من رواية أبي هريرة وأين الإختلاف في معناه؟
بل هو الإضطراب في الفهم وفي القصد...
أما الحديث من رواية ابن عمر رضي الله عنهما:
- عند البخاري:
"إن الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السموات بيمينه ثم يقول أنا الملك"
- عند مسلم:
"يطوي الله عز وجل السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون"
"يأخذ الله عز وجل سمواته وأرضيه بيديه فيقول أنا الله - ويقبض أصابعه ويبسطها - أنا الملك" حتى نظرت إلى المنبر.
قولوا لي بربكم: أين الإضطراب في هذا الحديث والإختلاف في المعنى؟ بل هي زيادة من راو ثقة مكملة لرواية الرواي الآخر.
فحديث البخاري من رواية نافع عن ابن عمر.
والحديث الأول عند مسلم هو من رواية سالم بن عبد الله عن ابن عمر.
والحديث الثاني عنده هو من رواية مقسم بن عبد الله عن ابن عمر.
والحديث عند مسلم فيه ذكر المنبر أما عند البخاري فليس فيه ذكر المنبر، فلا يبعد أن يكون ابن عمر روى الحديث مرتين بلفظين. فالحديث ليس فيه اختلاف أو تعارض أو تضاد، بل هو من قبيل الرواية بالمعنى.
قال ابن الصلاح في مقدمته:
والأصح، جواز ذلك في الجميع (أي في حديث رسول الله وفي غيره، أن يرويه بالمعنى)، إذا كان عالماً بما وصفناه (أي عالما عارفا بالألفاظ ومقاصدها، خبيراً بما يحيل معانيها، بصيراً بمقادير التفاوت بينها)، قاطعاً بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه، لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين. وكثيراً ما كانوا ينقلون معنى واحداً في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذلك إلا لأن معوِّلهَم كان على المعنى دون اللفظ. ا.هـ.
أعلم أن كل ما ذكرته لن يُقنع أخي الغوغلي ولن يشفي غليله، ففي كل ردّ أورده سيكون له عليه تعقيب واعتراض بعد استشارة شيخه وإمامه غوغل. لكن حسبي أني أردّ ما يقول ذبّا عن سنة رسول الله وذودا عن حياض الصحيحين، حتى لا يظن ظان ممن يقرأ هذا الموضوع، أن الإعتراض على الصحيحين أمر هيّن سهل يتأتى لكل جالس على أريكته وأمامه كمبيوتر وعنده اتصال بالشبكة، بل الإعتراض عليهما لا يكون إلا نتيجة الجهل والعُجب والتعالم وعدم معرفة مقدار النفس...
وحسبي أني بينت لإخواني متابعي هذا الموضوع الحق في هذا الأمر بالتفصيل ومن أقوال العلماء. وكيف أن أخانا الغوغلي لا باع له ولا أدنى إلمام في هذا الأمر الذي يخوض فيه، بل يقتبس من هنا وهناك ليشغّب على الموضوع، وينقل مصطلحات لا يفقهها، كل ذلك انتصارا لرأيه وهواه، فهو قال "الحديث ضعيف" ولا يريد أن يتراجع عن رأيه مهما كلفه الأمر... أي (عنزة ولو طارت)...
فأنصحه لوجهه تعالى أن لا يهتك ستر الله عليه، وأن يكف عن اعتراضاته التشغيبية، فلا وقت لدينا لتلقينه الأبجديات، وقد صبرت عليه حتى الآن بيانا للحق وذبا عن السنة... لكن آن الأوان كي أمدّ رجلي وأرتاح...