الـتـبـيـان لـعـبـارة سـفـيـان وتـبـرئـتـه مـن الـبـهـتـان

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الغيبة ؟
قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذكرك أخاك بما يكره.
قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟
قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته.
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي]

أقول:
وأي بهتان أكبر من رمي السلف بما هم منه براء ؟
وأي بهتان أكبر من الزعم بأن السلف يقولون بأقوال يأنف منها أساطين الأشاعرة أنفسهم ؟ وقد مرّ معنا في المشاركة رقم (46) كيف أن ابن فورك والقشيري والعيني نزّهوا الله ورسوله أن يخاطبونا بألفاظ لا نفقه كنهها ومعناها ورأوا استحالة ذلك.
ورغم هذا فإن متأخري الأشاعرة ما زالوا يصرّون على زعمهم أن مذهب السلف هو تفويض المعنى!
وسأبيّن بطلان هذا القول، بعون الله، في موضوع لاحق بعنوان "التقويض لأسس التفويض"، يسر الله إتمامه.

أما مشاركتي هذه فسأخصصها بإذن الله لبيان عبارة سفيان (فقراءته تفسيره) التي يستدل بها المفوضة في بهتهم السلف.
وقد سبق لي بيان معنى قول السلف (لا تفسير) و(لا معنى) في المشاركة رقم (45) فراجعوها.
لكن بما أني لم أشر فيها لقول سفيان هذا، رأيت إفراد هذه المشاركة لبيان مقولته وأنه لا دليل فيها على ما يذهب إليه المستدلون بها. وسيكون بيان عبارته بعباراته الأخرى، لأدلّل على أن الذين يستدلون بعبارات السلف هم أبعد الناس عن فهم عباراتهم لأنهم حرموا أنفسهم من مطالعة كلامهم.

أما عبارة سفيان (فقراءته تفسيره) التي يستدل بها المفوّضة فهي عبارة مُجتزأة !

روى الدارقطني في رسالته "الصفات" بسنده إلى سفيان بن عيينة قوله: كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره لا كيف ولا مثيل.

أولا: عبارة سفيان تبدأ بقوله (كل ما وصف الله به نفسه)، فهل يؤمن المفوضة بأن اللفظة التي يفوّضونها هي صفة لله ؟
إن آمنوا أنها صفة لله، كفونا مؤونة الردّ... فهم بذلك أثبتوها ونحن لا نطالبهم بأكثر من إثباتها !

ثانيا: إن كان الأمر كما يقول المفوّضة، بأنها لفظة لا نعرف معناها، فلم قال سفيان (لا كيف ولا مثيل) ؟
فكيف ينفي التكييف والتمثيل من لم يُثبت شيئا ؟؟؟ ينفي التكييف والتكثيل عن ماذا ؟ عن العدم ؟
فنفيه التكييف والتمثيل دليل صريح على أنه أثبت الصفة !

دعونا نطالع أقوال سفيان بن عيينة رحمه الله الأخرى التي توضح منهجه في التعاطي مع آيات وأحاديث الصفات.

روى الدارقطني في رسالته نفسها أنه قيل لابن عيينة: هذه الأحاديث التي تروى في الرؤية ؟
قال: حق على ما سمعنا ممن نثق به ونرضاه.

وروى الدارقطني في رسالته نفسها عن أحمد بن نصر رحمه الله قال:
سمعت سفيان بن عيينة وأنا في منزله بعد العتمة فجعلت ألح عليه في المسألة.
فقال: دعني أتنفس.
فقلت له: يا أبا محمد إني أريد أن أسألك عن شيء.
فقال: لا تسأل.
فقلت: لا بد من أن أسألك، إذا لم أسألك فمن أسأل ؟
فقال: هات سل.
فقلت: كيف حديث عبيدة عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل يحمل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع، وحديث إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، وحديث إن الله عز وجل يعجب ويضحك ممن يذكره في الآفاق ؟
فقال سفيان: هي كما جاءت نقرّ بها ونحدث بها بلا كيف.

يُقِرّ بها سفيان ويحدّث بها... فهل يصنع المفوّضة صنيعه ؟
إن كانت ألفاظا مجرّدة لا معنى لها، فبماذا يقرّ ؟ بالعدم ؟
إن كانت ألفاظا مجرّدة لا معنى لها، فما هو التكييف الذي ينفيه عنها ؟ ينفي التكييف عن العدم ؟

وعبارته هذه دليل على أنه يثبت الصفات وينفي الكيفية.

وأخرج اللالكائي في كتابه (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) عن سفيان بن عيينة أنه قال:
سئل ربيعة عن قوله (الرحمن على العرش استوى) كيف استوى ؟
قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق.

فها هو سفيان ينقل عن شيخه ربيعة الرأي (شيخ الإمام مالك) أنه قال: (الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول). أي أنه يثبت المعنى وينفي الكيف.
وأنتم تقولون بل هو مجهول، لا نفقه معناه؛ ليس هذا وحسب، بل وترمون سفيان بهذه المقولة الشنيعة !!! فأي بهتان أكبر من هذا، ألا فاتقوا الله ربكم...

وأختم بما سبق لي نقله عن الترمذي مرات ومرات، لكن أين من يقرأ، حيث يقول بعد حديث (إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها) :
وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها، ولا يتوهم ولا يقال كيف. هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف. وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.

وبعد حديث اطلاع الرحمن على الناس يوم القيامة ووضع قدمه في جهنم، يقول الترمذي:
وقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم روايات كثيرة مثلُ هذا؛ ما يُذكر فيه أمر الرؤية أن الناس يرون ربهم، وذكر القدم وما أشبه هذه الأشياء.
والمذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة؛ مثل: سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الأشياء ثم قالوا: تروى هذه الأحاديث ونؤمن بها ولا يقال كيف؟

فهذا مذهب السلف وسفيان ابن عيينة كما نقله الترمذي، أنهم يثبتون الصفات ويؤمنون بها، ولا يقولون: كيف؟
فإثباتهم هذه الأحاديث على أنها صفات هو ردّ على المفوّضة، ثم إيمانهم بها هو ردّ أشدّ من الأول، فإن كانت بلا معنى، يؤمنون بماذا ؟ بالعدم ؟

فهل يقول المفوضة بقول السلف وسفيان ؟ يُثبتون هذه الأحاديث ويؤمنون بها ؟ إن قالوا به فقد أبطلوا مقالتهم.

وإن أصروا على زعمهم تفويض المعنى، فمنهج سفيان والسلف واضح لمن له عينان، وعليهم أن يتوبوا من رميهم بهذه الفرية والبهتان...