ما نريد التفكير فيه هنا، هو أنّ "جميع" الظواهر ترتبط بـ"قانون واحد - وحيد"، و هو "مطلق" و لكنّه ضروري، لذلك، يمكن استنتاجها (الظواهر)، و بالتالي معرفتها قبليا. و في حالة ما إذا "لم تتمكّن" التجربة من تحقيق هذه المعرفة، و ذلك لكونها لا تستطيع أن تغامر في ما وراء قوى الطبيعة التي تستعملها كوسائل. و بما أنّ الأسباب الأولية للظواهر الطبيعية لا تظهر بطبيعتها، يجب التسليم بوجودها، لكن ما نضمره في الطبيعة ليس له إلاّ قيمة فرضية، و العلم مثلما هو مبنيّ يجب أن يكون افتراضي، شأنه شأن المبدأ الذي يقوم عليه.

لكن يمكن أن يكون الأمر عكس ذلك، و ذلك عندما تكون الفرضية أهم من الطبيعة نفسها، فـ"تذبذب" الطبيعة بين الإنتاجية و المنتوجية، يجب اعتبارها كمفعول صادر عن ازدواجية المبادئ التي بفضلها تبقى في نشاط دائم: الازدواجية العامة كمبدأ لجميع ظواهر الطبيعة و ضرورية للطبيعة ذاتها. هذا الافتراض "المطلق" يجب أن يكون معقولا في ذاته، كذلك يجب أن يخضع للتجربة الأمبريقية، لأنّه في حالة عدم خضوع ظواهر الطبيعة لاستنتاج هذا الافتراض، سيفقد هذا الأخير قيمته و يصبح "خاطئا"، حيث بفضل استنتاج جميع ظواهر الطبيعة عن طريق افتراض واحد و "مطلق"، فإنّ معرفتنا ستتحوّل إلى "تقليص قبلي" لهذه الطبيعة؛ أي تصبح 'علم لطبيعة قبلية'. إذا كان هذا الاستنتاج ممكنا، بشرط البرهنة عليه بالوقائع، فإنّ نظرية الطبيعة كعلم للطبيعة، ستصبح الفيزياء الافتراضية ممكنة كذلك...

لفهم 'طبيعة الطبيعة'، يجب فهم مسألة تفاعلها، نحو العبقري في الفن، الذي لا يصنع الأجزاء بإتقان خارجي بل بدافع داخلي: بـإلهام. و هنا يجب العودة إلى فيزياء نيوتن، لأنّه اكتشف بطريقة هائلة وجود قوة في الطبيعة تسمّى بالجاذبية الشاملة، رغم أنّه لم يذهب بعيدا في اكتشافه. فقد ساهم علم الفلك في الكهرباء، و الكهرطيسية، و ظواهر المد و الجزر التي تعتبر أساس حياة و موت كل الأنواع الطبيعية، النباتية و الحيوانية...

افترض نيوتن الكون على صورة ذرات و حركة و قوانين و حيّز و زمن: الذرات لبنات الكون الأساسية، ذات صفات خاصة، فهي بمثابة "جسيمات" صلبة و متحركة، و غير قابلة للاختراق، و هي ذات أشكال و أحجام مختلفة. أمّا خواص المادة التي تشكّلها هذه الذرات، فيعدد نيوتن منها التمدد و الصلابة و "اللاختراقية" و القصور الذاتي، و بواسطة الحركة و قوانينها "ينضبط" الوجود، فاعتبر أنّ الزمن و المكان "مطلقين"؛ الزمن واحد في كل الوجود، يتدفق على شكل "شلال مضطرد"، لتتالي وحدات الزمن.

"صاغت" فيزياء نيوتن العالم حتى القرن العشرين فيزيائيا، و قد تبنّى ديكارت هذا التصور في "قواعده" لـ"توجيه" العقل: من هنا يمكن الملاحظة بوضوح، لماذا الأرتميتيك و الهندسة تعتبر علوما أكثر دقة من غيرها: « لأنّها الوحيدة التي تتناول الموضوع بشكل صارم و بسيط، قائم على نتائج مستنبطة و عقلانية. إنّها أسهل علوم و أوضحها على الإطلاق، و موضوعها، كما نريده، لا يمكن أن يخطئ فيه الإنسان ». (3)

هذا التصور الرياضي، أحدث تغييرات (بل هي شروخا) جذرية في التصور الفيزيائي للوجود، فتمّ "نفي" كل ما يرفض مبادئ المنطق الرياضي أو يتعارض مع نتائجها، كالمقادير غير القابلة للتكميم مثلا. و لكنّها "أخفقت" في السيطرة على تفسير كل الظواهر الكونية، ممّا عجّل بظهور علوم جديدة كالفيزياء النووية التي أدّت إلى تطوير مقاربتي النسبية و الكوانتا.

و كثيرا ما يتحدث العلماء عن "الثورة" (Revolution) في الفيزياء المعاصرة، و التي نجمت عن اكتشاف ميكانيكا الكم، لكن الثورة مفهوم "دراماتيكي"، ذا جاذبية غريبة على ما يبدو، فهو يوحي، لأول وهلة، بأنّ شيئا ما قد انقلب رأسا على عقب. هنا يجب التنويه بأنّ قوانين الفيزياء "الكلاسيكية" - عند تطبيقها على الحالات التي صمّمت النظرية "الكلاسيكية" لوصفها - لم "تنقلب" رأسا على عقب، فحركة الپندول ما زالت توصف حتى يومنا هذا، بنفس الطريقة التي كانت توصف بها في القرن التاسع عشر للميلاد (19م)، أو حتى قبل ذلك بكثير.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المفاهيم "الكلاسيكية" كثيرا ما استخدمت بنوع من "النجاح" لتحصيل فهم جزئي لظواهر الفيزياء المجهرية: فهي مفاهيم ذات صلاحية تقريبية. و من المهم أن ندرك تلك الحدود التي يمكن فيها تطبيق الأفكار "الكلاسيكية"، التي توصف، في غالب الأحيان، بعدم الصلاحية العالمية...

عندما نفكر في التغيّرات التي قد حدثت في الفيزياء أثناء هذا القرن، يجب تذكر أنّه لم توجد أبدا نظرية "كلاسيكية" "شمولية" للمادة، فالقوانين "الكلاسيكية" هي قوانين مفيدة و ضرورية، رغم أنّها لا تخبرنا بكلّ شيء عن الأجسام الكونية، و بواسطة هذه القوانين يمكننا وصف سلوك (أي حركة) آلية مكوّنة من مجموعة روافع و حدافات...، و هذا إذا أعطينا بعض "الثوابت المادية" نحو الكثافة، معامل اللزوجة، إلخ...، للمواد الداخلة في تركيب الآلية.

و لكن، إذا طرحنا بعض التساؤلات:

لماذا تكون الكثافات كما هي عليه ؟ لماذا تأخذ "ثوابت" المرونة قيما بعينها ؟ لماذا ينكسر القضيب إذا زاد الشدّ فيه عن حد معيّن ؟ و هكذا...، فإنّ مقاربات الفيزياء "الكلاسيكية" تبقى في حالات صمت عن الرد. لأنّها (الفيزياء الكلاسيكية) لا تدلّنا على سبب انصهار النحاس مثلا عند درجة (C°1083)، أو سبب انبعاث الضوء الأصفر من بخار الصوديوم، أو سبب امتلاك الهيدروجين لخواصه الكيميائية، أو مرد إضاءة الشمس، أو ظاهرة انحلال ذرة اليورانيوم "تلقائيا"، أو سبب توصيل الفضة للتيار الكهربائي و سبب امتلاك الكبريت لخاصية العزل، أو سبب تصنيع المغناطيسيات من الصلب (...). و نستطيع الاستطراد أكثر من ذلك، مسجّلين كل "الحقائق" اليومية المحسوسة التي لا تملك الفيزياء "الكلاسيكية" الإجابة الموضوعية عليها، إلاّ فيما ندر.

هل معنى ذلك، أنّ الفيزياء المعاصرة تمتلك اليوم - كما اعتقد واينبرڤ (Weinberg) - ، نظرية فيزيائية نهائية - شاملة" ؟

فحسب مقاربات واينبرڤ، إنّ فكرة القوانين الأساسية تصبح، أكثر فأكثر، بسيطة، و ذلك كلّما اقتربنا من المتناهي في الصغر؛ إذا حدث و أن و جدت "قوانين نهائية"، يجب أن تكون بسيطة للغاية، و سنبقى بصدد البحث عن تطابقاتها التجريبية. (4)