لكن، هل تفسيراتنا العلمية "يقينية" ؟ هل سنصل - بفضل نتائج الفيزياء أو غيرها- إلى "يقين كامل" في أيّ تفسير من تفاسيرنا ؟ كما أنّه توجد مبرهنات رياضية عميقة، تبيّن لنا استحالة البرهان على تجانس منظومة رياضية ما، فإنّه يبدو من المحتمل ألاّ نكون قادرين أبدا على البرهان أنّ قوانين الطبيعة الأساسية متجانسة من وجهة نظر رياضية. لكن ذلك قد لا يقلق العلماء، لأنّنا، حتى لو كنا نعرف أنّ قوانين الطبيعة "متجانسة" رياضيّا، لن نكون متأكدين من صحّتها "النهائية" و "المطلقة".

و الإجابة ستكون، منطقيا و واقعيا بالنفي؛ بما أنّه لا تتوافر لدينا نظرية أو مقاربة تستطيع شرح كل ما يحدث في عالمنا. إلاّ أنّ المعرفة الإنسانية عن الطبيعة، قد توسّعت توسّعا هائلا في القرن الماضي؛ حيث تمّ اكتشاف خواص ميكروسكوپية، و مجاوزة الكثير من العوائق المعرفية، منها تلك التي ترسّبت في علم الكيمياء و خواص المادة بمجملها؛ ففي مجالات الفيزياء هذه و غيرها، بمقدورنا الإجابة على مساءلات لم يكن ممكنا مناقشتها من خلال تصورات الخطاب "الكلاسيكي".

و يمكن سياق مثال حيّ حول "تييورام" الجسيمات الأولية، حيث يرجع الفضل لبعض الفلاسفة الإغريق، مثل ديمقريطس، لوقيبوس، هيرقليطس...، لكونهم "أول" من قدّم مفهوم الذرات في نظرية المادة (و ليس هذا استثناء، فاحتمال أنّ آخرين قد سبقوهم بزمن طويل بأفكار مشابهة)، و يجب استدراك هنا أنّ "ذرات القدماء" ليست بالتأكيد نفس "الأشياء" التي تتناولها فيزياء اليوم كذرات. و ليست من الأمور البسيطة في الواقع، أن نفهم بدقة حقيقية ما قصده الفلاسفة الإغريق بمعنى هذا المفهوم، و لكن المسألة الرئيسية التي كانت تشغلهم هي ما إذا كانت المادة يمكن تجزيئها لا نهائيا أم لا، و إذا لم يكن الأمر كذلك، فمن واجب العلم اكتشاف، و بمقياس متناه الصغر، المكوّنات الأولية للمادة، أو "الذرات". و بالضرورة، سوف يصل هذا التقسيم إلى نهاية، لنجد شيئا ما لا يمكن أن ينقسم بعد، و تلك هي "الذرة" (و المفهوم يعني غير قابل للانقسام). و قد اعتقد "الذريون" الإغريق، بأنّ المواد مبنية بالفعل من "الذرات"، فقد شعروا بأنّ الخواص المتباينة للمادة يمكن أن تشرح بشكل ما بدلالة تشكيلات و حركات مختلفة تماما لـ"لذرات" ؟

و يعتقد علماء الفيزياء المعاصرة اليوم، بشيء مماثل و لكنّه مشوب بالغموض، لكن توجد بالتأكيد فروقات كبيرة بين المقاربات العددية أو الكمية و بين التخمينات الغامضة للقدماء. فـ"ذراتهم" لا تناظر "ذرات اليوم"، لأنّ هذه الأخيرة قابلة للانقسام، بما أنّها مكوّنة من الپروتونات و النيوترونات و الإلكترونات. إنّها بالأحرى الپروتونات و النيوترونات و الإلكترونات، و مجموعة أخرى من الجسيمات الأولية هي التي تلعب دورا "ذرات الإغريق". لكن ماذا نعني بـ'جسيم أولي' ؟

إنّ التعريف "الدقيق" لهذا اللفظ، ما زال إلى حد ما مثيرا للجدل، فهو يعتبر أوليا إذا تعذر وصفه كنظام مركب من جسيمات أكثر أولية. فالجسيم الأولي ليست له "أجزاء" و غير "مركب" من أيّ شيء أبسط، فتصوراتنا الفكرية عن محاولات التقسيم قد أتت إلى نهايتها...

و يمكن الاعتقاد مجددا، أنّ الجوهر في فكرة أنّ المادة غير قابلة لتقسيم لانهائي هو مايلي: أنّنا لا نستطيع الاستمرار إلى الأبد في تحليل الأشياء بدلالة الأجزاء و أجزاء الأجزاء التي تبنى منها. سوف يفقد هذا الأسلوب معناه، حيث تصادف جسيمات غير قابلة للاختصار، و هذه هي الجسيمات الأولية التي تشكّل بنية الكون. لكن بعد كل هذا، كيف نجزم بأنّ الإلكترون في حقيقة الأمر هو جسيم أولي ؟ أليس من الممكن أنّ ما نعتبره اليوم أوليا يوجد في الغد على شكل مركب ؟ فذرات اليوم كانت - على أيّ حال - الجسيمات الأولية في فيزياء القرن التاسع عشر للميلاد (19م)؛ أليس من الممكن أن يعيد تاريخ الفيزياء بناءه من جديد ؟ توجد الكثير من الحقائق التجريبية التي تنفي بقوة هذا الافتراض، و أنّ جسيمات مثل الإلكترون أو الپروتون أو النيوترون لن توجد نهائيا بشكل مركب، شبيه بالتركيب الذي وجدت عليه ذرة الهيدروجين.

إنّ عمليات الخلق و الفناء هي ملامح أساسية للـفيزيس، و من الواضح أنّ هذه الظواهر ليست بأيّ شكل مشابهة للتفاعلات الكيميائية، فيمكن وصف التفاعل الكيميائي على أنّه جزيئات "جديدة" نتجت عن المكوّنات الألوية لجزيئات أخرى، و لخدمة هذا الغرض تكون الذرات هي المكوّنات الأولية للجزيئات. و على نقيض ذلك، اعتبر التصادم الذي ينتج عنه الجسيمان الداخلان أصلا في التصادم، بالإضافة إلى عدد من الجسيمات "الجديدة" التي نتجت عن التفاعل. لكن لا يمكن وصف هذه الظاهرة بدلالة إعادة توزيع المكوّنات الألوية في أنظمة مركبة "جديدة"، كما لا يمكن أن يسري هذا الوصف على الأحداث التي تختفي فيها بعض الجسيمات "الأصلية" الداخلة في التفاعل. و كمثال توضيحي للحدث الأخير هو فناء زوج الإلكترون/ البوزيترون، إذ تختفي تماما الجسيمات المادية الموجودة أصلا، مخلّفة وراءها أشعة جاما. و عليه، لا يمكن أبدا التوصّل إلى "نظرية نهائية" (Last Theory) مبنية على أنّ المادة قابلة للتقسيم اللامتناهي، فمثل هذه المحاولة تبدو أمرا مستبعدا.

و لكنّ ما خلفية الأزمة ؟ (What the Background of the Crisis ?)، ما مكوّنات هذه الأزمة ؟ قبل القرن التاسع عشر، لم يعتقد أيّ عالم أنّ العلاقات المتبادلة بين العقل و الجسم ستنتج أفكارا و معطيات جديّة. إنّ الأزمة أصلها "ثقافي"، و بالتالي فالأزمة ليست أزمة بقدر ما هي جزء من النمط الكامل للثقافة، و عندما يتغيّر النمط (الپراديڤم) تتغيّر الأسئلة. كان النمط السائد قائم على أنّ كل شيء في العالم يعمل بنفس الكيفية التي تعمل بها المكائن، فالأشياء تؤثر في بعضها البعض عن طريق التلامس المباشر (المادي المتشيّء) فحسب، نحو الشكل الذي يدفع القضيب المربوط بالعجلة دائريا، و قد بيّن نيوتن، في أكثر من مثال، كيف ينطبق هذا الپراديڤم الميكانيكي على حركة التوابع، فازدادت مكانته و أصبح مقبولا للتفسير.

و إلى غاية نهاية القرن (أي التاسع عشر للميلاد)، كان مطبّقا لكل ما يبدو من أشياء بما فيها تطور الأنواع و الأفعال الاجتماعية و حتى الإدراك نفسه. و وفق هذا النمط من التفكير رفضت كل الأفكار القائلة بوجود الأرواح و بقائها بعد الموت البيولوجي للبشر. فأما الآلات الميكانيكية و الوسائل الفيزيائية ليست لها أرواح و لا تستطيع "أن تقاوم" بعد الانفصال أو التعطّل، لذلك نفس الشيء أصبح ينطبق على "الميكانيكية البشرية" التي تعمل بنفس طريقة الآلة، و خاصّة إذا كانت خاضعة لنفس القوانين و الميكانيزمات.

و بناءا على ما تقدم، أصبحت الفلسفة المادية و الميكانيكية الثقافة السائدة كنزعة علمية "صارمة"، و هنا ظهر نوع من الميل للبحث عن الظواهر العلمية، كتفسير بنية الذرة بمنطق فيزيائي بحت، أو معارضة نتائج النظرية الكمية القائمة على مبدأ اللادقة أو اللاتحديد لهايزنبرڤ (Heinsenberg)، على أساس أنّ "كل شيء" يمكن قياسه بدقة، ففي التجارب الفكرية تمّ تناول الحالة بين فوتونين متشاكلين أو مترابطين، الواحد مقيّد حركته بالنسبة للآخر، لو كان الأول يدور من اليمين إلى اليسار، و لو بدّل الأول حركته إلى العكس فإنّ الثاني سيبدّل حالته كذلك، ليبقيا بنفس حالة الترابط. و مهما كانت المسافة بينهما و تبديل لحالة أو ما يعني التخاطر بينهما تجري في زمن صفر؛ أي ربما بأسرع من سرعة الضوء، و هذه ظاهرة لا يمكن لفيزياء البصريات تفسيرها علميا.