تقريب الفاسقات وتعظيم الفاسقين في حقب الأحكام العرفية وتسلط المنافقين
التاريخ السياسي والاجتماعي لسورية الكبرى في القرن الماضي من منظور محمد رشيد رضا في رحلتين منفصلتين
محيي الدين اللاذقاني
قبل ان نقرأ معا النص الذي يحول فيه المعلم الثالث جداتنا الكريمات الى داعرات محترفات لا بد ان نبحث في ماهية هذا المعلم ودوره واسلوبه، فلعصر التنوير العربي معلمان الافغاني وعبده، وثالثهما محمد رشيد رضا الذي لم يكتف بدور الشارح لافكار المعلم الثاني الذي صار وصيا على ارثه انما تطلع الى دور اكبر من امكانياته فصار مثل جميع المعممين الذين يدخلون السياسة من باب النصيحة ثم يستطيبون مكاسبها، فينسون النصائح ومع غيرهم يرتعون ومن خلف الستار يحكمون.
والمعلم الثالث (مجازا) صحافي بارع تشهد بذلك صحيفته «المنار» ولغته الخالية من الخشب والحطب ككل لغات كتاب ذلك الزمان القريب، ومقدرته على رصد التحولات الاجتماعية اكبر من طاقته على التنظير السياسي، ولو انتبه لذلك لترك في أدب الرحلات إرثا لا يضاهى لكن أين من يعرف قدر غيره او قدر نفسه في عالم عربي مختلط المقاييس والقيم، والاقنعة والادوار.
وقد وصل الينا تراث الشيخ الجليل بعد افتتاحيات المنار عن طريق مذكراته، ورحلاته التي جاءت في مفترق حاسم من عمر القضية العربية. فالربع الاول من القرن الماضي كالربع الاول من هذا القرن كان حاسما دون ان يعني الحسم تحقيق انتصارات، فالهزائم محسومة النتائج ايضا ولكن ليس بنظر من يعيش في أتونها.
ومع ان الانسان لا يسوح في وطنه ولا يعدونه من الرحالة اذا دار فيه ولف، فإن محمد رشيد رضا (السوري) بمصطلحات عصره اعتبر نفسه وهو ابن القلمون رحالة في بلده وسجل لنا تفاصيل رحلاته الى سورية التي كانت في عهده سورية الكبرى. فهو يطلق على فلسطين اسم «سورية الجنوبية» وحين يقص الطرائف عن اهل طرابلس يستخدم دون تحرج من انعزاليي ذلك الزمان صفتها كمدينة سورية، وهذا طبعا قبل ان ينجح الموارنة والوفد اللبناني في انتزاع الموافقة الفرنسية على تقسيم سورية.
وقد صدرت رحلتا الشيخ محمد رشيد رضا الى بلده في كتاب جديد بعنوان «رحلتان الى سورية» وذلك في سلسلة ارتياد الآفاق، التي يصدرها مجمع ابوظبي الثقافي ويشرف عليها الشاعر نوري الجراح. اما التحرير والتعليق على رحلات المعلم الثالث فقد قام به زهير احمد ظاظا الذي ألحق بالرحلتين يوميات رضا مع الملك فيصل الاول وهي مذكرات شديدة التناقض تمدح وتقدح، وسنعود لنصوص منها بعد ان نذهب الى ذلك النص الموعود الذي يكشف صراحة ذلك المصلح الاجتماعي ورأيه في نساء وطنه، وتقويم ادائهن خلال الازمات.
ويوحي الشيخ منذ البداية بأن تهتك النساء وتحولهن من شريفات الى عاهرات يرتبط بفساد السياسة، وبتعطيل الشريعة والقانون وفرض الاحكام العرفية، ولأن القوادة تنشأ قبل الدعارة فإن التجار الكبار في تلك الازمنة يستخدمون اعراض النساء في الحصول على امتيازات استيراد وتصدير وشحن. وقبل ان نفسد النص بتفسيراتنا لنقرأه كاملا بلغة ذلك الشيخ الصريح حتى نطلع على خبايا ما كان يدور في مجتمع مغلق لا يتخلى فيه الرجال عن اضطهاد النساء إلا اذا جاعوا او طمعوا.
* علاقات وشبهات
* يقول الشيخ عن رحلة عام 1908 ميلادية «افترض رؤساء الجند والحكومة اعلان الاحكام العرفية وتعطيل الشريعة والقانون بها فاحتكروا الاقوات، وشاركوا في استغلال الامة كبار التجار، وتذرع كل منهم بذلك لانتهاك الاعراض وافتراع الابكار، فكانت من هانت عليهم اعراضهم يستشفعون بنسائهم وبناتهم الى أولئك الرؤساء (كالقائد العام للفيلق الرابع في سورية ومتصرف لبنان) لأخذ وثائق بشواحن القمح وغيره من الاغذية، فكانت اعراض النساء عروض تجارة وابضاعهن بضائع ربح، وكانت الحرة تموت ولا تأكل بثدييها وفقا للمثل العربي، وبين هذه وأولئك نساء نشأن مصونات محصنات لا لدين راسخ ولا لشرف باذخ، بل لفقد الداعية وعدم الاصطلاء بنار الفتنة، فلما ذقن ألم الجوع الديقوع الدهقوع وفقدان ما يتبلغن به من اللماج والعلهز «اللماج بالفتح: أدنى ما يؤكل، والعلهز بالكسر: القراد والضخم ووبر يلت بالدم ويجفف فيتبلغ به في المجاعة» وعلمن ان سعة العيش على طرف الثمام وحبل الذراع منهن، إذا ارخصن ما اغلته العفة من شرفهن. ووجدن ان الشرف في هذا الزمن، غير الشرف الذي تروى اخباره عن السلف. فالناس يعظمون الفاسقين ويتقربون الى الفاسقات، ويحتقرون الصالحين والصالحات. فطوعت لهن انفسهن، واسلست لهن ما كان صعب المقادة من اقتراف الفاحشة فأطعنها واجمات. ولم يلبثن ان استمرأن المرعى فانقلبن مسافحات متهتكات. فويل للمترفين المسرفين في الشهوات، الفاسقين المفسدين للمحصنات.
كان أولئك الكبراء يبذلون للحسناء ما تحب، وكان من دونهم من الموسرين والجنود يفيضون من فضل رزقهم في هذا السبيل كل بحسب حاله، وكان بدء اغواء الكثيرات من العذارى والمحصنات انهن طلبن من بعض الرؤساء شيئا من مال الاعاشة الذي كان يباع رخيصا من قبل الحكومة او طلبن الصدقة والاحسان من بعض الاغنياء فراودوهن عن انفسهن فتمنعن المرة بعد المرة (الى ان) طوعت لهن انفسهن ان يجتلبن القوت الضروري بما جلب به غيرهن الثروة والزينة».
ولا شك ان التقرب من الفاسقات وتعظيم الفاسقين هو سمة في كل عصر تختلط فيه السياسة بالدين ويتوقف فيه المرشدون الروحيون عن تأدية دورهم الوعظي والتقويمي ليتحولوا الى سياسيين.
وذاك النص الممض طويل وحزين وينهيه الشيخ محمد رشيد رضا بالقول: إن العزيز المصون هان وابتذل وصار يعرض عند الحاجة لمجرد التمتع والربح ففشا بذلك الفجور والعهر، وصارت النساء تتبع جنود الاجانب حيثما عسكرت في البلاد السورية بعد جلاء الجند العثماني عنها وكن من قبل يستخفين من كل ارض يمر فيها الجند وان كان وطنيا.
ولا اريد ان أحمل نص الشيخ اكثر مما يحتمل، فازعم انه كان يرى الرابط الوثيق بين العهر العادي والعهر السياسي، فتلك مسألة لن يصرح بها محمد رشيد رضا وان عرفها ووقع عليها بالحجج والبراهين لا لتهذيبه اللغوي فحسب، بل لارتباطه الوثيق بسياسة زمانه وسياسييه، ولولوغه مع بعضهم في التعامل مع الاجنبي فهو احد الذين قابلوا سيئ الذكر المندوب الفرنسي السامي بيكو الذي وقع اتفاقية تقاسم الشرق العربي مع مارك سايكس، وأحد الذين ترأسوا المؤتمر السوري العام الذي اختلف مع فيصل الاول على سياسة المنطقة، وقد عمل محمد رشيد رضا باعترافه في كتابه على تعيين وزيرين من اشهر وزراء سورية في القرن الماضي وهما يوسف العظمة وعبد الرحمن الشهبندر، ومن كان هذا حجم تورطه في سياسة بلاده لن يتحدث عن علاقة العهر السياسي بتجارة بيع الجسد كي لا يصيبه من التهمة نصيب.
واكثر ما يغيظك في رحلتي الشيخ الى بلده، ومراتع مراهقته وصباه، قيامه بتحطيم رمز كبير من رموز سورية الوطنية، فهو يقلب قصة دفاع يوسف العظمة رأسا على عقب، وينكر الواقعة التي تؤكد ان يوسف العظمة استشهد على أبواب دمشق بعد ان خرج للقتال بعدة قديمة وعدد قليل لكي يسجل امام التاريخ ان الغزاة لم يدخلوا عاصمة الأمويين دون مقاومة.
المعلم الثالث يقلب هذه القصة تماما، ويزعم ان وزير دفاع سورية ـ آنذاك ـ حارب ليكفر عن تقصيره في اعداد الجيش، ولخطورة ذلك النص على صورة بطل وطني كيوسف العظمة نقتطف ما كتبه محمد رشيد رضا بقلمه عن تلك الشخصية، وعن ظروف خروجها للقتال في معركة ميسلون التي انتهت باحتلال دمشق. والشيخ الصريح لا يعترف فقط بأنه كان السبب في مقتل يوسف العظمة انما يضيف الى ذلك اعترافه الاخطر بوقوفه (الواقعي) ضد المقاومة وعدم مشاركته في الحث على الوقوف في وجه المستعمر الفرنسي.
«ولا بد لي من كتابة كلمة في هذه الخلاصة التاريخية بشأن يوسف بك العظمة، الذي كنت معجبا بما أوتي من الذكاء والنظام، والهمة والنشاط، والوطنية وحسن السلوك، منذ عرفته معتمدا للحكومة العربية في بيروت، الى ان عين وزيرا للحربية باقتراحي وسعيي مع بعض الاخوان، استبد يوسف بالعمل في وزارة الحربية، وكان يكتم اعماله حتى عن رئيس الوزارة، بل يعمي الامر إلا على الملك في ما اظن.
ولما اشتدت الازمة سألته هل هو مستعد للدفاع؟ قال: نعم اذا وافق الملك، واذا خالفناه نخشى ان يلجأ الى الاجانب، ولما عين ياسين باشا الهاشمي قائدا لموقع العاصمة عقب الانذار اظهر للوزارة ما فيها من النقص، أي على خلاف ما كان يقول يوسف ثم انه وافق الوزارة على قرار التسليم بما طلب غورو.
بعد هذا كله رأيته في بيت الملك مع الوزارة، فكلمته وحده كلاما شديدا، وذكرته ببعض كلامه، فقال ووجهه ممتقع كوجه الميت: انني مذنب واتحمل تبعة عملي، وكدت البارحة انتحر من الغم فلا تزد عليّ.
ولما خرج الى الدفاع بمن بقي معه من بقايا جيشه، تزين ولبس ملابسه الرسمية ووطن نفسه على الموت، فكان شرفه الذي امتاز به انه لم يقبل ان يعيش ذليلا، بل اراد ان يكفِّر بدمه عن ذنب التقصير المبني على الثقة والغرور.
كان فشل هذه المدافعة بخان ميسلون امرا جليا، لا يجهله مثله ولا مثلي ممن لا يعلم من الحرب شيئا، لذلك رغب اليّ الكثيرون ان اخطب في المتطوعين وفي بعض المساجد في الحث على الدفاع فامتنعت، كما ابيت مرارا ان اخطب في الاحتفالات السياسية، وقلت لبعض الخواص: انني لا اغش احدا، ولا استطيع ان اقول في هذا المقام ما اعتقد، لأنه يضر الآن ولا ينفع، وقد نصحت للعاملين في كل شيء في وقته فلم يفد».
* مناصب ورواتب
* ترى هل اخطأنا في فهم رواد حركة التنوير؟ وهل كان هؤلاء كما تدل عليهم نصوصهم مخلصين للمصلحة الفردية اكثر من حرصهم على مصلحة الجماعة؟ ولا اتهرب من الجواب ان قلت: لا ادري.. فالعمل السياسي عند هذه الفئة ملتبس ومختلط بالدور التقليدي لاصحاب العمائم والمفكرين الطموحين في عصور الثقافة الاسلامية كلها، فهؤلاء شرعيا مع اي سلطان (كي لا يخلو الزمان من سلطان) وتعاملهم مع الاجنبي ليس بدعة جديدة فقبل ان يقابل محمد رشيد رضا جورج بيكو والجنرال غورو في دمشق قابل قبله في المدينة ذاتها ابن خلدون السفاح التتري، وتعامل معظم المعممين في سورية الشمالية والجنوبية مع قادة الممالك والامارات المسيحية التي اقامها الصليبيون في المشرق وخصوصا في القدس وصور والكرك، وفي مصر سن أئمة الفاطميين لدى غروب دولتهم سنة التعامل مع الصليبيين ايضا، فالشيخ من خلال هذا الارث لا يجد نفسه متناقضا مع الدور التقليدي لشيوخ مهمتهم الاساسية الوعظ الديني لكنهم يتطفلون في الازمات فيتطلعون لدور سياسي، وهكذا ينطبق عليهم المثل الشعبي: جاء ليكحلها فعماها.
ما صحة هذا الموضوع؟ هذا الكلام منقول عن جريدة الشرق الاوسط جريدة العرب الدوليه