الأخت الفاضلة أم نزيه،
يعني من يقرأ العنوان... يظن أن الكلام في رجل نصراني أو يهودي أو منافق يريد هدم الإسلام... لا في شيخ عالم مشهود له قضى عمره في إصلاح هذه الأمة وتصحيح منهجها وعقيدتها...
فليس النقل من المنتديات وما يُكتب فيها هو سبيل الحُكم على الرجال، بل سبيله العلم الشرعي الصحيح الذي به نميّز ما هو من موارد الإجتهاد وما هو من موارد الجهل والضلال...
وهنا لا بدّ لي من وقفة صغيرة قبل التعليق على ما نقلته الأخت أم نزيه، وهي أنني لا أرى عصمة الشيخ رشيد ولا عصمة أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بل كلهم بشر يخطئ ويصيب، وأنني لست متعصبا للشيخ رشيد رضا البتة، فقد وقفت منه على أمور لا أوافقه عليها، ولعل الصواب معه، لكني أذكر ذلك لبيان أنني لا أوافقه في كل ما يذهب إليه...
والحكم على الرجال له فقهه وأصوله... فلا يجوز أن يُقال عن رجل كالشيخ رشيد بأنه ضال وأن منهجه فاسد، ومن يستمع لتسجيل الشيخ الألباني رحمه الله الذي نقلته الأخت أم نزيه آنفا يرى كيف يُنكر الشيخ الألباني نسبة الشيخ رشيد للضلال ويعدها زلة من الشيخ مقبل رحمهم الله جميعا... والشيخ ابن عثيمين رحمه الله يثني عليه ثناء كبيرا، وقد نقلت في المنتدى رسالة من الشيخ العلامة ابن سعدي للشيخ رشيد (http://forum.qalamoun.com/showpost.p...2&postcount=13) ويظهر فيها جليا إجلال الشيخ السعدي للشيخ رشيد ولعلمه مع مخالفته له في مسائل... فليس كل خلاف يعني أن المخالف ضال فاسد المنهج... كديدن النابتة الذين نبتوا في هذا العصر حيث يضللون كل من خالفهم... ولو كان خلافا قابلا للإجتهاد أو زلة مغمورة في بحر من الفضائل...
أنتقل بعدها لرد مجمل على ما جاء في مشاركة الأخت أم نزيه فمعظم ما فيها هو اجتزاء لعبارات الشيخ رشيد بما يحوّر مقصده... فأقول :
أولا: شبهة رد الشيخ رشيد لأحاديث صحيحة:
الشيخ رشيد عالم ملم بعلم الحديث مطلع عليه له فيه مشاركة وباع طويل، ومن طالع المنار تبيّن له ذلك جليا واضحا. فتضعيف الشيخ رشيد لحديث يكون بما ظهر له لا عن تشهي وتعمد المخالفة، وفي المنار أمثلة كثيرة لمحاورات بين الشيخ ومخالفيه يضيق المقام عن إيرادها، خصوصا وأن معظم القراء هنا في المنتدى من غير المتخصصين...
وليس كل ما ورد في كلام الأخت أم نزيه صحيحا، فالشيخ رشيد لا يضعف حديث الجساسة !!! ومن أراد التفصيل حول هذا الموضوع فليراجع المنار، المجلد الـ19 الصفحة 90
ثم هبه يضعّف حديثا، هل يجعله ذلك ضالا معتزليا متبعا لنهج المعتزلة ؟
هل تضعيف الشيخ الألباني رحمه الله لحديث الغرانيق (والشيخ رشيد يضعفه أيضا، وأنا شخصيا أخالفهما في تضعيفه وأرى برأي من يقول بصحته) هل يجعل هذا من الشيخ الألباني عقلانيا معتزليا ؟
ثانيا: موافقته للمعتزلة في خلود القاتل العمد في النار:
هذه كسابقاتها في البتر والإجتزاء عند النقل عن الشيخ رشيد...
الشيخ يكتب بضعة صفحات في تفسيره حول الآية، ثم يأتي من ينقل عنه أول كلامه ولا يتم النقل عنه...
يقول الشيخ في تفسيره:
أَقُولُ : وَقَدِ اسْتَكْبَرَ الْجُمْهُورُ خُلُودَ الْقَاتِلِ فِي النَّارِ وَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِطُولِ الْمُكْثِ فِيهَا ، وَهَذَا يَفْتَحُ بَابَ التَّأْوِيلِ لِخُلُودِ الْكُفَّارِ فَيُقَالُ : إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ طُولُ الْمُكْثِ أَيْضًا
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ هَذَا جَزَاءَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ إِنْ جَازَاهُ اللهُ - تَعَالَى - ، وَقَدْ يَعْفُو عَنْهُ فَلَا يُجَازِيهِ ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ جَزَاءٍ أَنْ يَقَعَ لِاسْتِحَالَةِ كَذِبِ الْوَعِيدِ كَالْوَعْدِ ، وَأَنَّ الْعَفْوَ وَالتَّجَاوُزَ قَدْ يَقَعُ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ لِأَسْبَابٍ يَعْلَمُهَا اللهُ - تَعَالَى - ، فَلَيْسَ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ تَفَصٍّ مِنْ خُلُودِ بَعْضِ الْقَائِلِينَ فِي النَّارِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ الْأَكْثَرِينَ ; لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ لِلْأَقَلِّينَ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ هَذَا الْوَعِيدَ مُقَيَّدٌ بِقَيْدِ الِاسْتِحْلَالِ ، وَالْمَعْنَى : وَمَنْ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ، مُسْتَحِلًّا لَهُ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا إِلَخْ ، وَفِيهِ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا هَذَا الْقَيْدُ ، وَلَوْ أَرَادَهُ اللهُ - تَعَالَى - لَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَ قَيْدَ الْعَمْدِ ، وَأَنَّ الِاسْتِحْلَالَ كُفْرٌ فَيَكُونُ الْجَزَاءُ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَا بِالْقَتْلِ ، وَالسِّيَاقُ يَأْبَى هَذَا
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ هَذَا نَزَلَ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ خَاصٌّ بِهِ وَهَذَا أَضْعَفُ التَّأْوِيلَاتِ ، لَا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ فَقَطْ ، بَلْ لِأَنَّ نَصَّ الْآيَةِ عَلَى مَجِيئِهِ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ " مِنَ الشَّرْطَيَّةِ " جَاءَ بِفِعْلِ الِاسْتِقْبَالِ فَقَالَ : وَمَنْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَقُلْ : " وَمَنْ قَتَلَ "
وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّ هَذَا الْجَزَاءَ حَتْمٌ إِلَّا مَنْ تَابَ وَعَمِلَ مِنَ الصَّالِحَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعَفْوَ عَنْ هَذَا الْجَزَاءِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ اعْتِرَافٌ بِخُلُودِ غَيْرِ التَّائِبِ الْمَقْبُولِ التَّوْبَةِ فِي النَّارِ ،
وَلَعَلَّ أَظْهَرَ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْخُلُودِ طُولُ الْمُكْثِ ; لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اسْتَعْمَلُوا لَفْظَ الْخُلُودِ وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ شَيْئًا يَدُومُ دَوَامًا لَا نِهَايَةَ لَهُ ، وَكَوْنُ حَيَاةِ الْآخِرَةِ لَا نِهَايَةَ لَهَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ وَحْدَهُ بَلْ مِنْ نُصُوصٍ أُخْرَى .
ثم قال رحمه الله بعد إيراد الآثار في الباب عن ابن عباس وغيره:
فَمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ جَرِيمَةُ الْقَتْلِ فَأَدْرَكَ عَقِبَهَا أَنَّهُ تَعَرَّضَ بِذَلِكَ لِلْخُلُودِ فِي النَّارِ ، وَاسْتَحَقَّ لَعْنَةَ اللهِ - تَعَالَى - وَالطَّرْدَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَبَاءَ بِغَضَبِهِ ، وَتَهَوَّكَ فِي عَذَابِهِ الْعَظِيمِ ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ ذَنْبُهُ ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ ، فَنَدِمَ أَشُدَّ النَّدَمِ فَأَنَابَ وَاسْتَغْفَرَ ، وَعَزَمَ عَلَى أَلَّا يَعُودَ إِلَى هَذَا الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ، وَلَا إِلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْأَوْزَارِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْمُكَفِّرَاتِ ، وَوَاظَبَ عَلَى الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ إِلَى أَنْ أَدْرَكَهُ الْمَمَاتُ ، وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ، فَهُوَ وَلَا شَكَّ فِي مَحَلِّ الرَّجَاءِ ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يُخَلِّدَ مِثْلَهُ فِي النَّارِ .
يقول أبو حسن:
فيظهر لنا جليا أن النقل مبتور مشوّه وأنه لا يصح بعدها القول بأن الشيخ رشيدا كان موافقا للمعتزلة والعقلانيين...
فينبغي عدم الثقة في كل ما يُنقل في المنتديات وأنها ليست مصدرا للثقافة والمعرفة والعلم الصحيح إلا من كان من أعضائها معروفا مشهودا له بالعلم...
وتتبع كل ما يُكتب هنا وهناك فيه مشقة... فليتنا نعتبر بما نقلته الأخت أم نزيه في مشاركتها هذه والتي قبلها...




رد مع اقتباس
