التعريف بالشافعية ومؤلفاتهم
فارس العزاوي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين...
أما بعد:
فهذه خلاصة موجزة عن مذهب الشافعية حاولنا من خلالها الوقوف على أهم مقاصده من حيث تاريخ نشأته وتطوره، وأبرز أعلامه ومؤلفاتهم، مع التركيز على بعض التنبيهات التي تخص طالب المذهب، وكان من أسباب وضعها عزوف كثير من طلبة العلم عن المطولات في بابها مع أهميتها وضرورتها، ومن المهم في هذا السياق أن ننبه على أمرين:
الأول: دراسة المذهب إنما هو وسيلة وليست غاية، الغرض منها التدرج في فهم مسائل الفروع، وكيفية استفادة الأحكام من الأدلة التفصيلية من خلال المناهج التي وضعها العلماء.
الثاني: جواز التقليد إذا كان مشروعاً، والتقليد هو قبول قول الغير من غير حجة[1]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة "[2]، وإنما وجه الجواز فيه أن العامي غير قادر على الاجتهاد، قال الرازي في محصوله:" يجوز للعامي أن يقلد المجتهد في فروع الشرع "[3]، علماً أن العامي يراد به معنيان: الأول: أنه غير المجتهد، وقد نص العلماء على أنه يكون ملتزماً بمذهب من المذاهب المعتبرة من غير تعصب.والثاني: أنه من غير المهتمين بالعلم وطلبه، فيكون مذهبه مذهب من يفتيه[4].
وأما التقليد الممنوع فهو المذموم، ويمكن حصره في الآتي:
- ما قامت الأدلة على خلافه.
- تقليد إمام بعينه دون سواه بحيث تقبل جميع أقواله وإن خالفت الحق.
- تقليد القادر على الاستنباط والاجتهاد والنظر، فلا يجوز للمجتهد أن يقلد غيره، وهو مذهب جمهور العلماء، وهذا أصل استثنى منه بعض الأئمة جواز تقليد المجتهد لغيره إذا خاف المجتهد فوات الحادثة ولا يسعه الوقت للاجتهاد، وهو مذهب عبد الوهاب بن نصر من المالكية، وأحمد بن سريج من الشافعية[5].
التعريف بالمذهب:
المذهب يطلق ويراد به معنيان:
الأول: المنهج الفقهي الذي سلكه فقيه مجتهد أدى به إلى اختيار جملة من الأحكام.
الثاني: مجموعة من آراء المجتهد في الأحكام الشرعية استنبطها من أدلتها التفصيلية، والقواعد والأصول التي بنيت عليها.
وهو بهذا المعنى يطلق على القواعد الأصولية التي تعتبر منهجاً للاستنباط واستخراج المسائل الفرعية، وينطلق عليه أيضاً ما تم استنباطه من فروع فقهية.
وقد اعتاد المتأخرون وضع بعض المداخل التي تسهل لطلاب المذاهب دراستها، وذلك ببيان أهم الكتب المؤلفة فيها، واصطلاحاتها، والأدوار التي مرت بها، مع الأخذ بنظر الاعتبار أهمية وقوف الطلاب على الراجح في كل مذهب؛ لئلا ينسب قول للمذهب ليس معتمداً فيه، قال النووي: " لا يجوز لمن كانت فتواه نقلاً لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته، وبأنه مذهب ذلك الإمام "[6]، ويبدوفي نظر الباحثأن أكثر المذاهب اهتماماً بهذا المسلك هم الشافعية والحنابلة دون أن تغفلها ولا شك بقية المذاهب، إلا أن الباحث لم يقف على كتب تخصصية في هذا الباب لدى متأخري الحنفية والمالكية، إلا أن الدكتور علي جمعة ذكر من كتب الأحناف التي اهتمت بهذا الباب النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير لعبد الحي اللكنوي، وحسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي لمحمد بن زاهد الكوثري. وذكر من كتب المالكية كشف النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب لابن فرحون، ومقدمة الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف لكتاب الأكليل شرح مختصر خليل، وهي كما ترى ليست كتباً متخصصة في المداخل.
وأما كتب الحنابلة، فمنها: كتاب المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لعبد القادر بن بدران، وكتاب أصول مذهب الإمام أحمد للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، وكتاب المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل وتخريجات الأصحاب للدكتور بكر عبد الله أبو زيد، وهذا الكتاب يعتبر أفضل ما سطر من كتب المداخل ومصطلحات المذاهب؛ إذ فيه تفصيل لكل ما يتعلق بمذهب الحنابلة، وقد وفق المؤلفرحمه الله تعالى في بيان مقاصد مذهب الحنابلة بما يشفي ويكفي طالب المذهب، وهو دليل على عظيم همته وقوة عزيمته في التأليف والتصنيف، وليس هذا غريباً، فمصنفاته أشهر من أن يشار إليها في هذا السياق، ولطالما وددنا أن يكون مثل هذا الكتاب في مذهب الشافعية، إلا أن الهمم قاصرة والعزائم خائرة في جمع مصنف كمصنفه.
وأما كتب الشافعية، فمنها: مقدمة المجموع للإمام النووي التي ضمنها بعضاً من هذه المقاصد، وكتاب الفوائد المدنية في بيان اختلاف العلماء من الشافعية لمحمد بن سليمان الكردي، وكتاب الفوائد المكية فيما يحتاجه طلبة الشافعية من المسائل والضوابط والقواعد الكلية لعلوي بن أحمد السقاف، وكتاب معجم في مصطلحات فقه الشافعية لسقاف بن علي الكاف، والمذهب عند الشافعية للدكتور محمد إبراهيم أحمد علي وهو بحث منشور في مجلة جامعة الملك عبد العزيز العدد الثاني، وكتاب المذهب عند الشافعية لمحمد الطيب اليوسف، والمدخل إلى مذهب الإمام الشافعي للدكتور أكرم يوسف القواسمي، وهي من أجمع الكتب وأفضلها وأنفعها في بابها عند الشافعية، وأصلها رسالة دكتوراه من الجامعة الأردنية، وكتاب سلم المتعلم المحتاج إلى أدلة ورموز المنهاج لأحمد ميقري شميلة الأهدل، وكتاب الابتهاج في بيان اصطلاح المنهاج لأحمد بن سميط.
الهوامش:
[1] المستصفى، أبو حامد الغزالي، ج4ص139 .
[2] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ج20ص203 .
[3] الرازي، المحصول في أصول الفقه، ج6ص73 .
[4] صوب الركام في تحقيق الأحكام، عبد الرحمن بن عبيد السقاف، ج1ص32 .
[5] الفتوى: نشأتها وتطورها ـ أصولها وتطبيقاتها، د. حسين محمد الملاح، ص388 .
[6] المجموع شرح المهذب، محي الدين النووي، ج1ص652 .
يُتبع


رد مع اقتباس


